انتهت المسألة الفلسطينية فيما يرجي إلي مرحلة الفصل . ففي ايام قلائل يعقد في لندن مؤتمر دعت إليه الحكومة البريطانية لمعالجة هذه المسألة ، وسيمثل فيه فضلا عن الانجليز والعرب واليهود ، مصر وسوريا والعراق وشرقي الاردن والمملكة السعودية واليمن ، بصفتها جميعا ذات شأن وذات رأي في مسألة تهم جميع الأمم العربية والاسلامية
وإقدام الحكومة البريطانية بعد طول التردد على اتخاذ هذه الخطوة الجديدة ، يدل علي تطور عميق في فهم السياسة البريطانية للمسألة الفلسطينية ؛ فبعد أن كانت تري فيها مسألة انكليزية استعمارية فقط تعالجها بانتداب اللجان واتخاذ القرارات ، أضحت تري فيها مسألة عربية إسلامية ، يجب ان تعالج بهذه الصفة ، واستطاعت أخيرا أن تقدر ما تشعر به الأمم العربية جميعا نحو شقيقتها الصغرى ، من العطف البالغ والتضامن الوثيق ، وما لعواطفها ورايها من قيمة يجب ان يحسب حسابها في مستقبل العلائق بين بريطانيا العظمي والعالم العربي .
والواقع أن المسألة الفلسطينية تبلغ اليوم ذروة التفاقم والتعقيد ، فمنذ اكثر من عامين تشهد الأمم العربية ، ويشهد العالم كله ، في فلسطين ، منظرا يفتت الاكباد ، منظر امة صغيرة عزلاء تقاتل بكل ما وسعت في سبيل الاحتفاظ بحقها في الحياة الحرة الكريمة ، وتأبي أن تخضع للاستعمار القوي ينزل بها اقسي ضرباته ، ويحاول بجميع وسائل القمع ان يخضعها لصولته ومشيئته وان يخمد صوتها
المدوي الذي ما فنئ يزعجه ، ويذكره بأن للأمم قوي معنوية هائلة لا تقهرها الجيوش .
ومنذ اكثر من عامين ترتدي فلسطين ثوب الحداد الدائم ، فلا تقرأ عنها كل يوم سوي أنباء الحوادث الدامية التي جعلت منها وهي البلد الأمين الوادع ، ساحة حرب مروعة لا يخمد أوارها
وفلسطين لا تبغي مع ذلك حربا ولا قتالا ، وكل ما تبغيه هو ان يرد إليها حقها المغصوب ، وان يرفع عنها كابوس الاستعمار اليهودي الذي فرض عليها بقوة النار والسيف ، وان تعالج قضيتها بما يحقق امانيها القومية التي أمن بعدالتها الأصدقاء ، والخصوم على السواء .
خرجت فلسطين من الحرب الكبرى كما خرجت معظم الأمم العربية مصفدة بأغلال الاستعمار والاحتلال الأجنبي ، بيد أنها خصت دون غيرها بمحنة لا مثيل لها ، فقد حكم عليها فضلا عن وضعها تحت الانتداب البريطاني ، بأن تغدو وطنا قوميا لليهود ، وفقا لتصريح أصدرته الحكومة البريطانية بذلك قبل نهاية الحرب بعام ( نوفمبر سنة ١٩١٧ ) وهو تصريح بلفور الشهير الذي يبدو اليوم بكل شناعته وكل ما ينطوي عليه من أخطاء سياسية وتاريخية ، والذي يخلق اليوم من المسألة الفلسطينية للسياسة البريطانية مشكلة من أعقد المشاكل وأخطرها
كان تصريح بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين وليد ظروف وعوامل خاصة ، وكان نتيجة لمساومات السياسة والمصالح المتبادلة ، في وقت اشتد فيه الأمر على بريطانيا وحلفائها ؛ وعرفت اليهودية أن تنتهز الفرصة السانحة ، وأن تستدر عطف الحلفاء علي قضيتها ، وأن تصور حلمها القديم في صورة امنية قومية يسهل تحقيقها إذا ازرها الحلفاء كما أزرتهم ؛ وكانت فرنسا أول من استجاب لدعوة اليهودية ، فوجهت حكومتها إلي رئيس اللجنة الصهيونية التنفيذية في يونية سنة ١٩١٧ تصريحا
رسميا بالعطف والتأييد لمشروع الوطن القومي اليهودي ، ثم تلتها الحكومة البريطانية ، فأصدرت تصريحا في ٢ نوفمبر من نفس العام في صورة خطاب وجهة اللورد بلفور وزير الخارجية إلي اللورد روتشيلد عميد اليهودية الانكليزية ، وتلي في مجلس العموم البريطاني ، وهذا نصه : " إن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وسوف تبذل ما في وسعها لتحقيق هذه الغاية . ومن المفهوم أنه لن يعمل شيء مما قد يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين ، ولا الحقوق أو المركز السياسي التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر " .
ولم تمض أسابيع قلائل علي ذلك حتى دخلت الجيوش الانكليزية فلسطين واستولت على بيت المقدس ، وبديء في الحال بتطبيق عهد بلفور ، وفتحت فلسطين على مصراعيها للمهاجرين اليهود من سائر انحاء العالم ، ورات فلسطين نفسها أمام خطر جديد لم يلبث أن بدا بكل روعته ، شبح إفناء يهدد الأمة الفلسطينية في صميم كيانها ووجودها .
ويكفي لكي تقدر فداحة هذا الخطر الذي يصل اليوم إلي ذروته ان نلقي نظرة علي أرقام الهجرة اليهودية ، ففي سنة ١٩٢٢ ، بلغ سكان فلسطين ٧٥٧,٢٠٠ نسمة منهم ٨٣,٧٩٤ من اليهود والباقي من العرب ، وفي سنة ١٩٣٠ بلغ عدد السكان ٨٤٣,١٣٢ منهم ١٦٢,٤٦٧ من اليهود ؛ ويبلغ عدد السكان اليوم نحو مليون ومائة ألف منهم زها، ٤٠٠ ألف من اليهود ، أعلى نحو اربعين في المائة من مجموع سكان فلسطين ؛ فإذا اضفنا إلى ذلك ما تتمتع به هذه الأقلية القوية من وسائل الكفاح الاقتصادي والاجتماعي ، وما تحظي به من نفوذ قوي في الحكومة وفي جميع المرافق العامة ، مما يجعلها في الواقع في مركز الاكثرية المتحكمة ، أدركنا أي خطر داهم مهدد الأمة الفلسطينية ويقض مضاجعها .
على أن خطر اليهودية على فلسطين لا يقف عند هذا الحد ، فإن اليهودية لا تخفي أنها تنظر إلي فلسطين كأنها أرض الوطن القديم وتراث الأباء والأجداد ، وهي ترجع في نظرتها هذه إلي ما قبل الفي عام ، وقد كانت اليهودية المشتتة في أنحاء العالم تعتبر فلسطين دائما مثوي تراثها الروحي ؛ ولكن الصهيونية تذهب إلي أبعد من ذلك فتعتبر فلسطين ميراث اليهودية المغصوب ، ومقر الوطن القومي اليهودي ؛ وهي لا تذكر في ذلك حكم التاريخ وقد قضى بأن تؤول فلسطين إلى الامة العربية ، وان يفتتحها العرب منذ ألف وثلثمائة وخمسين عاما لتغدو من ذلك التاريخ منزلهم ومثواهم وميراثهم القومي .
ومن ثم فان الصهيونية ، اعتمادا على هذه النظرية الباطلة ، ترمي إلي تحويل فلسطين إلي ارض يهودية ، ولكنها تخفي غايتها الحقيقية وراء الاعتبارات الاقتصادية ، فتزعم ان فلسطين يمكن ان تتسع من الوجهة الاقتصادية لهجرة ثلاثة ملايين من اليهود ،
على أن العرب لم يفهم منذ الساعة الأولى أن يقطنوا إلي ذلك الخطر الذي يهدد كيانهم ، فمنذ عشرين عاما تكافح فلسطين هذا الخطر بكل ما وسعت ، وتضطرم بالثورة من أن لآخر ، وكان لها في سنة ١٩٢٩ و ١٩٣٣ و ١٩٣٦ ، مواقف جهاد رائع ، تجلي فيها عزمها على الذود عن كيانها ووجودها صريحا قاطعا ؟ والسياسة البريطانية فيما بين ذلك تلجأ إلي وسائل القمع احيانا ، وتكتفي بارسال اللجان ، واتخاذ القرارات النظرية ؛ وقد ايدت هذه اللجان غير مرة عدالة قضية العرب فيما اصابهم من ضروب الحيف والظلم ، وفيما وقع على حقوقهم المشروعة من صنوف العدوان .
ولم تذق فلسطين منذ وثبتها الأخيرة ، أعني منذ نحو ثلاثة اعوام ، طعما للسكينة أو الاستقرار ، وجرت الحكومة البريطانية يومئذ على خطتها المعروفة ، فأرسلت لجنة ملكية
جديدة برأسة اللورد بيل لدرس المسألة الفلسطينية من جديد ، وتقديم ما تراه من مقترحات لحلها ؛ فقامت اللجنة بمهمتها ، وتقدمت في صيف سنة ١٩٣٧ بحل غريب هو أن تقسم فلسطين إلي دولتين إحداهما عربية والأخري يهودية ، وأن تبقى مدينة القدس منطقة دولية تحت الانتداب البريطاني ، وخصت الدولة اليهودية بالقسم الغربي الساحلي الذي يحتوي علي اخصب واغني البقاع ، وخصت الدولة العربية بالقسم الشرقى الصحراوي مع اتخاذ ثغر يافا مخرجا بحريا له . على أنه ما كاد يذاع مشروع اللجنة لتمزيق فلسطين بهذه الصورة ، حتى قابلة العرب بمنتهي السخط والإنكار ، وبادرت الأمم العربية إلي إبداء تضامنها الوثيق مع شقيقتها الصغري ، فاحتجت على مشروع التقسيم بصفة رسمية ، واضطرمت عواصم العالم العربي كلها بمظاهرات الاحتجاج ، وأعربت الحكومة المصرية في تصريحاتها الرسمية عن تأييدها لفلسطين ، وألغت الحكومة البريطانية وجهة نظرها في وجوب العمل على إنصاف العرب وتحقيق أمانيهم .
وهكذا فشل مشروع التقسيم منذ البداية ، ولم تعد الحكومة الانجليزية ذاتها حماسة في قبوله ، وكان لما شاهدته من صداه السيء في العالم العربي بلا ريب أكبر الأثر في عدولها عنه ، وفي اتجاهها إلي البحث عن سبل اخرى لحل المسألة الفلسطينية ، وكان ان انتهت بعد اكثر من عامين إن اتخاذ خطوتها الأخيرة من الدعوة إلي مؤتمر عام تشهده الأمم العربية كلها ، يعقد في اواخر يناير الحالي او اوائل فبراير .
ومن الصعب أن تتكهن الآن بشيء عن نتائج هذا المؤتمر ، غير أنه يلوح لنا من الحلول التي تقترحها بعض الدول العربية مثل العراق ، وشرقي الأردن ، والمملكة السعودية ، والتي اذيع بعضها أخيرا ، ان الرأي مستقر على تأييد فلسطين في المطالبة بأمرين جوهريين ، الأول إلغاء
الانتداب البريطاني ، والثاني إلغاء تصريح بلفور بإنشاء الوطن القومي اليهودي ووقف الهجرة اليهودية ؛ والمرجو ان تكون السياسية البريطانية مقتنعة بوجوب الاستماع إلي هذين المطلبين العادلين اللذين يعتبر تحقيقهما شرطا جوهريا لآية تسوية للقضية الفلسطينية يمكن أن يرضاها العرب . وعلي اي حال ، فإن أي حل لا يجعل للعرب حقوق الاكثرية في بلادهم لا يمكن قبوله ، ولابد ان يحصل العرب على المواثيق اللازمة بأن يبقى اليهود دائما في فلسطين أقلية محدودة ؛ والا تطغي هذه الأقلية بأي حال علي حقوق الاكثرية صاحبة البلاد .
أما الأساس الجديد الذي يمكن أن تبني عليه علائق فلسطين وبريطانيا العظمي ، فليس من العسير الاتفاق عليه ، ومن الممكن ان تنظم هذه العلائق بمعاهدة فلسطينية بريطانية تحقق للعرب امانيهم القومية ، وتكفل في الوقت نفسه مصالح بريطانيا المشروعة في الدفاع عن المواصلات الامبراطورية .
ومن المحقق ان بريطانيا العظمي تكسب كثيرا بتحقيق أماني العرب ، ولا يقتصر كسبها على تحويل فلسطين من معسكر خصيم إلي امة حليفة فقط ، بل يتعدي ذلك إلي تدعيم صداقتها مع باقي الامم العربية والإسلامية ، فأماني فلسطين ، إنما هي أماني العالم العربي والأسلامي كله ؛ والسياسة البريطانية ليست في حاجة إلي المزيد للاقتناع بهذه الحقيقة الساطعة ؛ وإذا كانت بريطانيا اليوم أشد ما تكون حاجة إلي الصداقات فان العالم العربي كله يمد يده لمصافحتها يوم تجلى مسألة فلسطين حلا موفقا .
وإن مصر لتغتبط إذ تضم صوتها في مؤتمر لندن إلي صوت الأمة الفلسطينية الشقيقة ، مؤيدة مطالبها مصرة على وجوب انصافها ، وإن الشعب المصري كله ليبتهل إلي الله بأن يحقق اماني الشقيقة العزيزة حتى تستطيع بعد طول الكفاح أن تتبوأ مكانتها الحقة بين الأمم . (***)

