الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الثقافة"

في التاريخ السياسي المعاصر :، قناة السويس، فى مهب المطامع الدولية

Share

قناة السويس قناة مصرية تجري في أرض مصرية ؛ كل ما هنالك ان مصر اضطرت في ظروف خاصة ان تمنح حق استثمارها لشركة مالية اجنبية ، ينتهي عقد امتيازها سنة ١٩٦٨ اعني بعد ثلاثين سنة ؛ ثم يعود استثمار القناة إلي مصر تنظمه ، وتجي موارده وفق مشيئها

ولم تكن مصر تفكر مطلقا حينما أذنت بشق هذه القناة مند ثمانين عاما في ارضها لتخدم الملاحة الدولية ، ولتعاون في تقدم المواصلات البحرية لجميع الأمم ، ان وجود القناة سيغدو يوما خطرا علي سيادتها ، وانه سيغدو بالأخص موضعا للمنافسات والاطماع الدولية المختلفة ، حتى من جانب دول ليست لها بالقناة أكثر من صلات الملاحة العادية .

ولكن مصر لم تدخر جهدا للمحافظة على سيادتها الاقليمية في منطقة القناة ، ولم تترك فرصة للتنويه بهذا الحق الطبيعي الواضح وقد ظهر ذلك جليا في مناسبتين تاريخيتين عظيمتين : الأولى في سنة ١٩١٠ حينما رفضت الجمعية العمومية المصرية الموافقة على ما طلبته شركة قناة السويس من مد امتياز القناة لمدة جديدة ، والثانية حينما فقدت بمعاهدة الصداقة المصرية البريطانية في اغسطس سنة ١٩٣٦ ؛ فقد نص فيها في المادة الثامنة منها : " على ان فتاة السويس جزء لا يتجزأ من مصر " وذلك بالرغم مما نصت عليه المادة نفسها من ان " القناة طريق عالمي

للمواصلات ، كما انها طريق حيوى للمواصلات بين اجزاء الإمبراطورية البريطانية " وهو ما لا يتعارض مطلقا مع كون مصر هي صاحبة السيادة المطلقة على القناة .

ومصر من جانبها لم تفكر يوما في معارضة نظام الملاحة الحرة الذي تقرر مند إنشاء القناة ، ثم تأيد بنص المادة الأولى من اتفاقية قناة السويس التي عقدت في استانبول في اكتوبر سنة ١٨٨٨ بين بريطانيا العظمي والمانيا والنمسا وفرنسا وإيطاليا واسبانيا وهولنده وروسيا وتركيا ؛ وتنص هذه المادة ، التي تعتبر حتى اليوم دستور القناة الأساسي علي ان قناة السويس " يجب دائما ان تكون حرة مفتوحة في وقت الحرب والسلم معا ، لكل سفينة تجارية أو حربية دون تفرقة بين الرايات " وان القناة لا يمكن أن تخضع مطلقا لمزاولة حق الحصار " ؛ ومع أن انكلترا علقت يومئذ تنفيذ الاتفاقية " على وجوب اتفاقها مع ظروف مصر يومئذ " حتي لا تتعارض مع سياستها في مصر ، فانها عادت في سنة ١٩٠٤ ، وعقدت مع فرنسا اتفاقا اقرت فيه نصوص اتفاقية استانبول بلا قيد ولا شرط .

وكان من اثر هذه الحرية المطلقة التي كفلتها المعاهدتان للقناة ، ان استطاع الاسطول الروسي الذاهب لمحاربة اليابان ان يجوز القناة في سنتي ١٩٠٤ و ١٩٠٥ ، في حين انه حرم المرور فيها قبل ذلك على السفن الحربية الأسبانية التي كانت ذاهبة لمقاتلة السفن الأمريكية في مياه الفيليبين سنة ١٨٩٨ ، وذلك قبل عقد الاتفاق الفرنسي الانكليزي .

وان إيطاليا استطاعت في سنتي ١٩٣٥ و ١٩٣٦ أن ترسل جميع قواتها ومهماتها العسكرية لغزو الحبشة بواسطة قناة السويس ، دون ان يتعرض لها احد ، وذلك بالرغم من الظروف الدقيقة التي كانت تحيط بهذا المشروع

والآن بعد أن افتتحت إيطاليا الحبشة ، وأعلنت قيام الامبراطورية الإيطالية ، وكشفت عن بعض مطامعها الاستعمارية ، بما اثارت اخيرا حول تونس وجيبوتي من مطالب ودعاوي ، تعود مسألة قناة السويس فتغدو مثار البحث والجدل مرة أخري

ذلك أن إيطاليا لها مطالب في شأن قناة السويس لم تحجم عن المجاهرة بها علي لسان صحافتها ، وإن لم تتقدم بها بصفة رسمية ، وتتلخص هذه المطالب في وجوب إعادة النظر في دستور قناة السويس ، وفي إدارتها ، وفي رسوم المرور بها ، فالقناة يجب في نظر إيطاليا ان تغدو طريقا دوليا ، ويحب ان تمثل إيطاليا في مجلس إدارتها تمثيلا يتناسب مع أهمية مصالحها التجارية والاستعمارية ، ويحب أن تخفض رسوم المرور بها تخفيضا معقولا .

وتدلل الصحف الايطالية على ذلك بأن نسبة السفن الإيطالية التي كانت تمر في القناة قبل الحرب لم تكن تتجاوز واحدا في المائة ، ولكنها ارتفعت منذ سنة ١٩٣٦ إلى عشرين في المائة ، وان إيطاليا اصبحت من حيث مجموع السفن التي تمر بالقناة في المرتبة الثانية بعد انكلترا مباشرة ، وأصبحت تتفوق في ذلك على فرنسا ، والمانيا ، وهولنده .

وأنها مع ذلك ، ومع ما بلغته مصالحها الاستعمارية بعد فتح الحبشة من الأهمية والخطورة ، لا تزال محرومة من الإشتراك في إدارة قناة السويس ، مرغمة على أداء الرسوم الفادحة التى تقررها شركة القناة وفق مشيئتها .

تلك هي النظرية الإيطالية الجديدة في شأن قناة السويس ؛ بيد أن هذه المطالب التي تصطبغ في الظاهر بالصبغة الاقتصادية تنطوي من جهة اخرى على اعتبارات سياسية وعسكرية لا تخفي ؛ وهذه الاعتبارات ليست في الوقع إلا جزءا من المشكلة الامبراطورية العامة ، او مشكلة

التنافس الدولي علي السيادة في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر

وإيطاليا تشعر منذ فتح الحبشة ، ان امبراطوريتها الجديدة في شرقي أفريقية لا يمكن أن تكفل سلامتها بصورة مرضية ، ما دامت بريطانيا العظمي قابضة بواسطة تحالفها مع مصر علي قناة السويس باب البحر الأحمر من الشمال ، وعلى بوغاز باب المندب بأنه من الجنوب ، وتري إن القناة كما انها طريق امبراطوري لبريطانيا وفرنسا وهولندة يجب ايضا ان تكون في الوقت نفسه طريقا امبراطوريا إيطاليا .

بل يرى بعض الغلاة من الساسة الفاشتيين ان إيطاليا احق الدول بالسيطرة على قناة السويس ، لأن بريطانيا وفرنسا وهولندة تستطيع كل منها ان تتخذ إلي مستعمراتها طريق " الكاب " ، بينما تري إيطاليا نفسها مضطرة إلي الاعتماد على طريق قناة السويس وحده ؛ وهؤلاء الغلاة هم اصحاب الفكرة القائلة بوجوب اشتراك إيطاليا في الدفاع عن القناة مع انكلترا ، وهي فكرة إذاعتها الصحافة الايطالية في الربيع الماضي لمناسبة عقد الاتفاق الانكليزي الإيطالي ، ولكنها لم تلق بالطبع صدي يذكره .

تلك هي المطالب والأماني الايطالية في شأن قناة السويس ، وتلك هي الاعتبارات الظاهرة أو الخفية التي تستند إليها .

وأول ما يلاحظ في شأن هذه الآمانى أنها تغفل حقيقة هامة ، هي ان القناة ملك لمصر ، وانها تحترق أرضا هي جزء لا يتجزا من المملكة المصرية ، وان لمصر الكلمة الأولى والأخيرة في كل ما يتعلق بمصير القناة ذاتها . فالقول بوجوب اعتبار القناة طريقا دوليا الملاحة لا يمكن الأخذ به ، بل لا يمكن ان يكون موضوع

مناقشة ، وإلاجاز لنا ان نعتبر هذا القول فيما يتعلق بقناة " باناما " الأمريكية ، وقناة " كيل " الألمانية ، وقناة " كورنت " اليونانية ، وقناة " ميدي " الفرنسية ، وهذا ما لا يمكن ان تسلم به أيه دولة تحرص على سيادتها وسلامة اراضيها .

وأما وجوب إعادة النظر في دستور القناة وفي إدارتها وفي رسوم المرور بها ، فيلاحظ اولا ان امتياز القناة ممنوح لشركة مالية ذات أسهم ، وأن منشئها الكونت دي لسبس منشي القناة ، اصدر حين إنشائها ٤٠٠ الف منهم عرضها للبيع في جميع البلدان ، فاشتري الفرنسيون منها ٢٠٨ آلاف سهم ، واشتري خديو مصر المغفور له اسماعيل باشا ١٧٠ ألف سهم ، يبعث فيما بعد إلي الحكومة البريطانية بمبلغ اربعة ملايين جنيه ، ولم يشتر الايطاليون من الأسهم سوي ٢٧١٩ سهما . وأما اليوم فأسهم شركة فتاة السويس تبلغ ٨٠٠ ألف سهم يحمل الفرنسيون منها ٥٢ % والبريطانيون ٤٥ %

ويتألف مجلس شركة القناة الآن من ٣٢ عضوا منهم تسمة عشر فرنسيا ، وعشرة من البريطانيين وعضوين مصريين وعضو هولندي ؟ ومجلس الادارة هو الذي يتولي تنظيم شئون القناة وتقرير رسوم المرور وغيرها ، كما يتولى مجلس إدارة ايه شركة مالية اخري شئونها الادارية والمالية .

وأما عن حركة المرور في القناة فيلاحظ أن الملاحة الإيطالية كانت قبل الحرب الحبشية في المؤخرة ، ولم تتقدم نسبة مرور السفن الايطالية في القناة إلا أيام الحرب الحبشية ، نظرا لما اقتضته الاستعدادات العسكرية من ارسال الجند والذخيرة والمؤن ، وقد اخذت هذه النسبة الآن في الهبوط بعد استقرار الأمور نوعا في الحبشة ، ولهذا تلح إيطاليا الان في تحقيق رغائبها قبل ان تهبط هذه النسبة إلي المستوي العادي .

وإيطاليا بالرغم من كونها تسند مطالبها إلي اعتبارات اقتصادية تري أن تتقدم بها من الطريق السياسي ، لأنها على يقين من ان مجلس إدارة القناة ، وهو خاضع في تصرفاته لرأي حملة الأسهم ، لن يوافق على شيء من مطالبها ، لأنها لا تشاطر في رأس المال بأي قسط يسمح لها بإبداء الرأي فضلا عن إملائه .

وأما عن موقف مصر ، وهو الذي يجب أن يحسب حسابه في كل ما يتعلق بشئون القناة الجوهرية ، فهو واضح كل الوضوح ، فمصر لا تستطيع أن تقر أي تصرف من شأنه ان يمس حقوقها في السيادة علي منطقة القناة التي يجب ان تظل مصرية مهما كانت الظروف والأحوال ، او تمس مستقبل القناة ذاتها ، لان إدارة القناة ستعود إلي مصر في المستقبل القريب ، ويجب ان لا تحرم مصر مقدما من ثمرات ملكيتها للقناة متى عاد إليها حق استثمارها .

والذي تعلمه في ذلك هو ان الحكومة المصرية لم تترك هذه المناسبة تمر دون ان تلفت ذوي الشأن إلي استمساك مصر بجميع حقوقها في السيادة على القناة ، وفي كل ما يتعلق باستثمارها .

والمفهوم من جهة أخري أن مطالب ايطاليا في شأن القناة كانت ضمن ما تناولته محادثات رومة الأخيرة بين السنيور موسوليني ومستر تشامبرلن ؛ ولكن هذه المحادثات لا يمكن إلا أن تكون تمهيدية ، ولا يمكن الآن ان يقطع في شأنها بشيء واضح ، لأنها ليست كما قدمنا إلا جزءا من المشكلة العامة المتعلقة بمطالب إيطاليا الاستعمارية ، وحلها ليس متوقفا على رأي انكلترا وحده . بل هنالك فرنسا التى يتجه إليها أعظم قسط من هذه المطالب ؛ ولابد لنا من أن ننتظر قليلا لنري إلي أي اتجاه يمكن ان تسير .  ***

اشترك في نشرتنا البريدية