الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الثقافة"

في التربية وعلم النفس :, عهد ومنهاج

Share

عهد إلي صديقي الأستاذ أحمد أمين أن أتولي موافاة " الثقافة " بمباحث في التربية وعلم النفس ، وذلك بحكم اتصالي بصفوة من المشتغلين بها في معهد التربية وفي رابطة التربية الحديثة ؛ فقبلت عن طيب خاطر ، لأن آراء هذه الطائفة من العلماء ، والكثير من مباحثهم لا يصح أن يظل محصورا في دائرتهم ، محبوسا بين جدران معاهدهم وأمكنة اجتماعاتهم ، أو مدونا في سجلاتهم ونشراتهم الخاصة فحسب ؛ بل يجب أن يذاع في الناس عامة وجمهور المثقفين خاصة ، فهو متصل بالحياة في صميمها ، وبالإصلاح الاجتماعي الذي قامت طوائف عدة تنشده وتعمل له بشتي الوسائل . وبحوث التربية وعلم النفس أهم ما يجب أن يتخذ أساسا لجهود العاملين في هذه الحركة النافعة ، والقائمين بتلك النهضة المباركة

وأريد أن أبين لقراء هذه المجلة أن الغرض المقصود من هذا الباب ، هو بسط أحدث الآراء والأساليب والمباحث والمذاهب في التربية وعلم النفس ، وشرح ما ينطوي تحت ذلك من أسس ، وما يقصد إلي تحقيقه فيها من أغراض ، بلغة سهلة وأسلوب علمي واضح ، من غير دخول في دراسات نظرية طويلة ، أو دقائق علمية عويصة ، بل سيقتصر دائما على ما يشعر كل قارئ مثقف بحاجته إليه ورغبته في الإطلاع عليه .

فالآباء والأمهات يهمهم أن يعرفوا كيف يربي أبناؤهم وبناتهم ، وأن يقيسوا ذلك بما هو متبع في تربية الأبناء والبنات عند غيرنا من الأمم ، وهم يسمعون عن التربية الحديثة ، ويريدون أن يعرفوا الكثير عنها ، ويتبينوا ما هو صالح للاقتباس منه في مدارسنا المصرية لكي يشدوا أزر الحكومة عند أخذها ببعض تلك الأساليب الحديثة إذا فعلت ذلك ، أو يطالبوها به إذا هي قصرت عنه . كما يود الجميع أن يتبينوا أن كانوا علي حق في الأساليب التي يتبعونها في تنشئة أولادهم وبناتهم في المنزل ، وهم يرحبون بكل مشورة نافعة من هذه الناحية . والمباحث الجديدة في التربية وعلم النفس تلقي ضوءا كثيرا في هذا الاتجاه .

هذا إلي أن النجاح في هذه الحياة متوقف على تنمية مواهب الانسان ، وحسن استغلالها في حياته واتصالاته بمن يتعامل معهم ، وهذا يتوقف إلي حد كبير علي إحسان معاملته للناس ، وإجادة الحديث ، والأخذ والعطاء . ولن يتسني للانسان ذلك كله ، إلا إذا فهم إلي حد ما طبيعة العقل البشري وعقلية من يتعامل معهم في الحياة ، أفرادا وجماعات ، فيكون سلوكه عندئذ قائما على أسس علمية صحيحة يفضي به إلي النجاح الذي ينشده . وليس أجدي علي الإنسان في هذا السبيل من مباحث علم النفس .

وقد بدأ هذا العلم يتطور في أواخر القرن التاسع عشر وسار في القرن العشرين علما عمليا تجريبيا ، بعد أن كان علما نظريا ؛ وقد تغلغل الآن في حياتنا اليومية تغلغلا عميقا ، وأمن الناس بفائدته على اختلاف طبقاتهم وأنواعهم ، ومهما تباينت أعمالهم وحرفهم . فلم يعد المدرس وحده هو الذي يحتاج إلي دراسته ، وإنما يحتاج إليها التاجر والطبيب والأديب والنائب والمالي والقاضي والمحامي ، والمصلح الاجتماعي ، وغيرهم .

وعلماء التربية وعلم النفس عليهم واجب آخر ، هو المساهمة في بحث المشاكل الاجتماعية التي نلمسها في بيئتنا المصرية والتي يجب علي المثقفين من المصريين أن يتعاونوا على إيجاد حلول جيدة ناجحة لها . وهذه المشاكل كثيرة وبعضها قد تناوله الباحثون ، وإن لم يصلوا فيه إلي نتائج عملية قيمة حاسمة ، والبعض الآخر لم ينل بعد القسط اللازم من العناية والدرس ،

فمثلا يتصرف أكثر الناس في المسائل التي تعرض لهم في حياتهم الاجتماعيه وفي حياتهم الخاصة طبقا للتقاليد وعلى النسق الذي ألفوا آباءهم وأمهاتهم يتصرفون عليه ، دون أن يفكروا تفكيرا شخصيا قد يهديهم إلي تصرفات أدنى إلي الصواب وأقرب إلي الحكمة . فكيف يتسني لنا أن تحفز الأفراد إلي التحرر من التقليد وإلي إعمال الفكر واستخدام العقل باستمرار ، حتى تقوي ملكة الابتكار وتظهر شخصية الأمة بأزدياد الثروة الفكرية زيادة مطبوعة بطابع قومي قوي ؟

كذلك يشعر المشتغلون بالتأليف والنشر في مصر بأن الرغبة في المطالعة والإقبال علي الكتب ضعيف إلي حد كبير . فبينا نجد أفراد الشعب جميعه في كل أمة متعلمة يقرءون باستمرار ، نري عدد المواظبين على المطالعة هنا قليلا جدا . فالإنسان إذا ركب سيارة عمومية أو تراما أو قطارا في أوربا لا يكاد يعثر على شخص من الراكبين لا يقرأ في كتاب أو في مجلة أو رواية ، أو على الأقل في جريدة ، وهذا هو السر في أن المعلومات العامة عند الأوربيين واسعة المدي ، وإليه يرجع السبب في ارتفاع مستوي أحاديثهم في مجتمعاتهم العامة والخاصة ، فما السبيل إلي بث تلك الروح الطيبة التي تحفز إلي المطالعة وتخلق الاهتمام بالمطبوعات الجديدة والرغبة في اقتنائها واستيعابها ، وتكوين رأي ناضج فيما حوته من آراء وتجارب ؟

وشبابنا ، أليسوا أميل إلي الطراوة منهم إلي الفتوة ، وإلي المزاح منهم إلي الجد ، وإلي السكون منهم إلي الحركة ، وإلى التواكل منهم إلي المغامرة ؟ أو ليست التبعات التي ألقيت على الجيل القادم بعد أن تغير الوضع السياسي للبلاد تستلزم أن يتحول الشبان تجاه الحياة العملية الجدية ، ويأخذوا نصيبهم من الخشونة والعمل الذي يتطلب صبرا واحتمالا وجهدا ؟ فذلك هو الذي يخلق منهم الرجال الأشداء ذوي العزم والإرادة والطموح ، مما يجعلنا نطمئن لمستقبل البلاد في كشفهم حين تؤول إليهم مصائر أمورها .

وهناك ظاهرة قومية أخري تجب العناية بمعالجتها ، وهي عنف العاطفة هندنا ، فالحب والكره والفرح والحزن نبالغ فيها إلي حد كبير . فكيف نعالج العاطفة حتي تصح وتعتدل ؟

وها كم مشكلة تعليمية على جانب من الأهمية ، فالناس في حيرة من أمر أطفالهم ، ففريق يحجزهم في البيت إلي سن الخامسة أو السادسة ، ثم يبعث بهم إلي روضة الأطفال أو إلي المدارس الأولية ، وفريق آخر يبعث بهم إلي المدارس في سن مبكرة ، في الرابعة أو قبلها ، فإذا أبت عليه الروضة القبول ألح واستشفع حتي يقبل الطفل ، أو يبعث به إلي المدارس الأجنبية ، ولكل فريق حجته ، فأي الفريقين على صواب ؟

كل تلك المشكلات وأمثالها الكثيرة تتطلب الحل ، ولابد لمن يتصدي لحلها أن يلم بالتحليل النفسي وبنفسية الجماعات أو علم النفس الاجتماعي ، وبالأساليب التربية عندنا وأساليبها عند غيرنا ، ممن وفقوا إلي حل مشاكلهم الشبيهة بمشاكلنا . ولا بد أن تبني الحلول علي تجارب شخصية قوية وتدعم بإحصائيات شاملة مقنعة ، وذلك ما ستمهد السبيل إلي تحقيقه في هذا الباب . والله الموفق الهادي

اشترك في نشرتنا البريدية