الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 608 الرجوع إلى "الثقافة"

في السياسية الدولية :, قضية السلام في العالم

Share

. . بعد الحرب العالمية الثانية وضع المستر إمري ريفس كتابا دعاه " قضية السلام " كان له تأثير بالغ في حياة العالم ؛ لأنه يبحث قضية تجول في أذهان الغالبية الساحقة من الناس ، وتستحوذ على لب المفكرين والسياسيين ، والداعين إلى خير الإنسانية ، والمحافظة على سعادة الإنسان وسلامته . على أن الفكرة التى دار عليها محور حديث المستر ريفس في " قضية السلام " فكرة من البساطة والسهولة بمكان ؛ ذلك لأنه رأى أن تلك الوسائل الكثيرة التى تستخدمها الدول والأمم لقيام السلام وتدعيمه والمحافظة عليه قليلة الجدوى ، ولن تمنى بغير الإخفاق التام تجاه امتناع قيام الحروب ومنافيات السلم في أرجاء المعمورة . . والمحاولة التي تقوم لاشك مخفقة ، والوسيلة التي يعمد إليها لاريب خاسرة لأن هنالك عاملا سياسيا هاما كل الأهمية ، يبذل قصارى الجهد لإخفاق الوسائل وضياع المحاولات ، هذا العامل هو السيادة القومية في بلاد العالم ؛ فهذه الأمة تتمتع بقومية كاملة ، وتلك الدولة تنعم بسيادة مطلقة ، وهذا يؤدي إلى

التمسك والتذرع من جانب كل أمة ، ومن جانب كل دولة ، وكل من هذه وتلك ترمي إلى مصلحتها أول ما ترمي ، ولو طوحت بمصالح الآخرين ، وتسعى لإرضاء شهوة السيادة المطلقة في نفسها ، ولو كان في ذلك ذهاب لسطوة غيرها ، وضياع لاعتبار دول العالمين . يترتب على ذلك كما لا يخفى على كل لبيب أن تحدث الفوضى وتنتشر في علاقات الدول بعضها بالبعض ، فيكون ذلك سبيلا لقيام الحروب ، وارتباك الأحوال ، وقصم ظهر السلام . .

فالذي ذهب إليه المستر ريفس هو أن تتخلى الدول عن هذه القومية الكاملة والسيادة المطلقة ، وتفوض أمر تلك السيادة والقومية إلى قانون عالمي ، وإلى نظام دولي ؛ فالقانون يعصم ويمسك بالزمام ، ويحد من السيطرة والشرود السياسي ، ويقبض على ناصية الأحوال . ويوجه العالم إلى برنامجه الموضوع ، وإلى غاية المجموع ، التي هي دون ريب هدف السلام . .

والمعاهدات التى تعقد بين الدول لا تستطيع أن تنظم علاقات الأمم ، وليس في وسعها أن تحافظ على السلام ؟ ذلك لأنها غالبا ما تكون مزعزعة ، وكثيرا ما يدب فيها الوهن . ويتسرب إليها الضعف ، وتنحسر عنها دقة التنفيذ ، فقد تمليها ظروف خاصة ، وقد تضيعها ظروف أخرى ، وقد تقيمها وجهات معينة ، وقد تطوح بها أحداث جديدة ، وقد تهب بها ريح ، ثم تؤازرها أرواح ، وقد تذروها الرياح . .

وعلى هذا ، فهي غير صالحة لأن تكون أساسا للسلم ، أو سبيلا لتنظيم العلاقات الدولية إلا لوقت خاص أو ظرف معين ، أو في بيئة محدودة ، أو لغرض موقوت . . أما الذي يستطيع أن ينظم العلاقات ويضع برامج وشائج الدول والمحافظة على وتين الأمم ألا يقطع وألا ينقطع ، وأما الذي في مقدوره أن يقيم دعائم السلام وألا يخل بها ولا يرضي به بديلا فهو " القانون " . . أجل القانون ، ولا شئ غير القانون . .

فالدعوة التي يقمن أن توجه يجب أن تسعى أولا إلى إقامة حكومة عالمية تقوم على أساس القانون ونظام القانون . وتدع المعاهدات جانبا ؛ لأن التذرع بها خطل ، والتمسك بها عقيم ، نظرا لما يحوطها من وهن . وما يلابسها من ظروف ، وما يحف بها من تناقضات وملابسات وتفسيرات ومغالطات . .

ويتمشى ريفس في كتابه مع الرأسمالية حتى يتوصل معها إلى إخفاقها ، ويسير مع الاشتراكية فيفضي بها إلى فشل ذريع ، وينظر إلى الديبلوماسية ويتحقق من عقمها ، ويوجه الدين إلى الوجهة العالمية كما خلق له ، ويصل في النهاية إلى النتيجة التى وضعها وارتآها ، وهي أن مسألة السلم في هذا الزمان رهن قيام نظام قانوني يستعلي على الدولة القومية ويستوجب ذلك منا أن تأخذ من سلطات السيادة في هذه الدول القومية القائمة جانبا لتستغله في الهيئة العالمية أو لنسلمه إليها ونكله لها ، أو بالأحرى قيام حكومة عالمية

في استطاعتها أن توجه الشئون العالمية طبقا لقانون عالمي تضمنه بسلطتها وبيدها ، وأساسه وهدفه السلم الدائم في  أرجاء العالم . .

وفكرة الحكومة العالمية فكرة باءت بالخيبة ولاقت كثيرا من النقد وعاصفة من المواجهات ، بل إنها لن تستطيع أن تقوم في الواقع ؛ لأن هذه الحكومة ستخول سلطة تستعلي بها على السلطة الداخلية والسيادة القومية في داخل بلاد العالم ؛ وهذا إن صح أن نتصوره في بعض الدول الصغرى ، فإن الدول الكبرى لا تسلم به بأي حال من الأحوال مهما كانت بداعة الفكرة وجاذيبتها وجدواها ، سواء أكانت هذه الدول شيوعية أم رأسمالية ؛ فهل يستطيع إنسان أن يصدق أن روسيا تسمح بسيادة حكومة على سلطتها الداخلية أو سيادتها الشخصية التي تقوم على أساس الشيوعية ؟ . . إن هذا لا يحدث إلا إذا كان أساس الفكرة أن تكون هذه الحكومة حكومة اشتراكية تتعهد بنشر الشيوعية في العالم تحت زعامة موسكو ! .

وهل تصدق أن بريطانيا توافق على سلطة تستعلي على سلطتها وسيادتها وتوجهها التوجيه الذي تريده . . إن تاريخ بريطانيا ينكر ذلك كل الإنكار ، ويدلنا على وجود نفسية وروح خاصة للشعب البريطاني منذ القديم ، هي المحافظة على حرية الفرد وسيادة القومية الوطنية دون استعلاء أى سلطة أو نفوذ عليها . . ولا نبعد للتاريخ القديم ، فأمامنا الأيام الحاضرة ، وموقف بريطانيا من مشروع شومان Shuman معروف ، فهي ترفضه بالرغم من وجاهته وجدواه في الظروف الحاضرة ؛ لأنه يخلق سلطة فوق سلطتها الداخلية ونفوذها القومي . .

يقول المستر سمتر ويلز الذي كان وكيلا لوزارة الخارجية الأمريكية : " ما من حكومة رضيت عن الميثاق كل الرضى ، وقل من الناس من رضي عنه ، ولكن الأكثرية تؤمل أعظم الأمل أن يتم تحسين الميثاق على التدريج ، بحيث تصبح

هيئة الأمم المتحدة أقرب شئ إلى حكومة عالمية متحدة ، وتتحقق هيمنتها على الديمقراطية الغربية ، إذا ما أمكنت المحافظة على السلم في السنوات الخمس القادمة ، وهي فترة الانتقال بعد الحرب الأخيرة ، وأنا أومن إيمانا قويا بأن الهدف الذي ترمي إليه الأمم هو أن تصل في النهاية بمعونة هيئة الأمم المتحدة إلى إقامة حكومة اتحادية عالمية تقوم على القانون وتتجلى فيها المبادئ الحقة المديقراطية الدولية .

ولكن هذا إن جاز أن نسميه فلا نستطيع إلا أن نقول إنه توفيق فقط ، لأن ضيقة هيئة الأمم المتحدة لا يوجد بها أية ناحية تتطلبها الحكومة العالمية إلا من وجوه قليلة ونحن لا نستطيع أن نسلم أن هيئة الأمم تغدو في طريق إنشاء حكومة اتحادية عالمية نظرا لاعتبارات خاصة ، كحق الاعتراض ) الفيتو ( ، وكمشقة الخلاف بين دولها من شيوعية وديمقراطية ، وكتشبث الدول الكبرى بالمحافظة قبل كل شئ على مصلحتها الخاصة دون تعديل لبرامجها السياسية تجاه البلاد الصغرى . .

بيد أن المرء حين يستطيع أن يفند ما ذهب إليه المستر ريفس في كتابه " قضية السلام " من أن غاية السلام لا تتحقق في العالم إلا بقيام حكومة عالمية ، بأن هذا الزعم خيالي أكثر منه عملي حين يواجه الحقيقة الواقعة ، لا يستطيع أن يطوج بيافي ما ذهب إليه . فأهم شيء أن تعدل الدول الكبرى أول ما تعدل هذا التكالب على مصالحها الخاصة دون اعتبار بمصالح الدول الصغرى ودون إنصاف لقضاياها . . إن الكبت والمعاملة السيئة لهذه الدول لن يمكث طويلا ولن تمر عليها الأيام دون أن تحدث لها نتيجة وأثرا ، وهذا التغاضى عن قضايا الدول الصغرى وإنضافها من الدول الديمقراطية الكبرى هو العامل الأول الذي مهد لانتشار الجيش الأحمر في الدول الصغرى بل والدول الكبرى نفسها ، وعمل على نجاحه فيما وكل إليه من أعمال وماكلف بنشره من مبادئ ، كما كان العامل الهام الذي حدا بالنفوذ الشيوعي

أن يتوطد في البلاد الصغيرة التي تدنو رويدا من المعسكر السوفيتي . . ولا تلومن الدول الديمقراطية إلا نفسها إن رأت أمامها نتائج سيئة ما كانت لتنتظرها في جو البلاد الصغرى ؛ لأنها هي المسئولة أولا وأخيرا عن هذه النتائج ، بل هي التي دفعت إليها من حيث لا تشعر . .

إن الدول الديمقراطية يجب أن تقدم على توطيد دعائم السلام أو أن تسعى إليه ، أن تضمن الدول الصغرى إلى جانبها بتآزرها معها بنفوذها الأدبي والسياسي وما إليه ، فإنها بذلك تقيم العالم الديمقراطي بأجمعه تجاه المعسكر الشيوعي الذي لا شك أنه يناوئ تجاء هذه الكتلة المتضخمة ، مع التمشي معه بكل صنوف السياسة والكياسة والديبلوماسية والتوفيق حتى يهدأ ويستكين ، ويجد أن أهم ما يعتمد عليه وهو الطابور الخامس في الخارج قد وهن طبقا لتحسن العلاقات بين الدول الكبرى الرأسمالية وبين سواها من الدول الوسطى والصغرى في عالم الشرق

اشترك في نشرتنا البريدية