الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632الرجوع إلى "الثقافة"

في السياسية الدولية :, كوريا بين نارين

Share

كان من سوء حظ شعب كوريا أن وقع فريسة بين عدوين ، يطمع كل منهما في نصيب الآخر ، فاصبحت " بلاد الصبح الهادي " - وذلك هو معني كوريا بلغة أهلها - ميدانا تتنازعه سياستان في قسوة وعنف فأصبح كل شئ غير هادىء في بلاد الصبح الهادىء .

ولكي نفهم الموقف على حقيقته ، يجدر بنا أن نعود إلي تاريخ كوريا الحديث ، فقد كانت كوريا تحت سيادة الصين من القرن السادس عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر ، حيث قامت ثورة شعبية ضد تدفق الأجانب عليها ، ولاسيما اليابانيين منهم ، لأن عددا كبيرا من تجارهم ورجال الأعمال منهم أخذوا يدخلون إلي كوربا بكثرة ضايقت الشعب الكوري وزاحمتهم في أرزاقهم وأعمالهم ، فقام في ثورة عنيفة عصفت بعدد كبير من الأجانب ، ونال اليابانيين المنصب الأوفي من القتل والسلب والنهب ، ورفعت حكومة اليابان احتجاجها الصارخ إلى حكومة الصين صاحبة السيادة على كوريا ، ولكن الصين أصمت أذنيها عن سماع ذلك الاحتجاج ولم تفعل شيئا لترضية الحكومة اليابانية بحجة أن

في كوريا حكومة وطنية مستقلة في شئونها الداخلية . وانتهزت اليابان الفرصة فأرسلت قوة يابانية إلى كوريا لحماية مصالحها ومصالح رعاياها ، وكان ذلك في نهاية عام ١٨٩٤ .

وفي مستهل العام التالي قامت الحرب الصينية اليابانية ، وهزمت الصين هزيمة كان من نتائجها أن تخلت الصين عن سيادتها على كوريا ، واضطرت كوريا أن تفتح أبوابها وموانيها للتجارة اليابانية . وقد خيل إلى اليابان أن الجو قد خلا لها . ولكنها وجدت عدوا آخر يحاول الاقتراب من كوريا ، فقد كانت روسيا تعمل جاهدة لنشر نفوذها في الشرق الأقصى ، وبدأت تمد أنفها نحو كوريا ، فأسرعت اليابان في عام ١٩٠٤ باحتلال كوريا .

وشعرت روسيا بأنها أصبحت مهددة في أراضيها الأسيوية باقتراب اليابان منها ، وصارت الحرب بين البلدين لامفر منها . وانتصرت اليابان على روسيا في عام ١٩٠٥ ، واضطرت إلي توقيع معاهدة بورتسموث التي اعترفت فيها بمركز اليابان الخاص في كوريا ، وخلا الجو لليابان فأعلنت ضم كوريا نهائيا إلى الإمبراطورية اليابانية في عام ١٩١٠ ، وظلت

كذلك حتى قامت الحرب الكبرى الثانية .

وظل اسم كوريا مجهولا لمعظم شعوب العالم ، ولكن دولا كبري ثلاثا ظلت ترمقها بعين الطمع والحذر ، وهي الصين وروسيا والولايات المتحدة . وفجأة سمعنا اسم كوريا يتردد خلال هذه الحرب عندما اجتمع المستر تشرشل والرئيس روزفلت وشيانج كاي تشك في مؤتمر القاهرة في ديسمبر سنة ١٩٤٣ وأصدروا تصريحا جاء فيه : " . . وقد عزمت الدول الثلاث الثلاث الكبرى - نظرا لما تعلمه عما تعانيه كوريا  من استبداد وعبودية - أن تعمل على أن تتمتع كوريا في الوقت المناسب بالحرية والاستقلال" ولم يكن هذا التصرتح سوى تعبير عن اتجاه تلك الدول التى كانت إذ ذاك في حرب مع اليابان ، ثم أكدت هذا الاتجاه مرة اخري في تصريح بوتسدام ( يوليه سنة ١٩٤٥ ) الذي نص على وجوب تنفيذ ما جاء في تصريح القاهرة .

وفي فبراير سنة ١٩٤٥ ، أي قبل أن ينعقد مؤتمر بوتسدام ، اجتمع المستر تشرشل والرئيس روزفلت والمارشال ستالين في بالنا ، حيث وافق ستالين على أن يعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان بعد أن تتم هزيمة ألمانيا نهائيا وتنتهي الحرب في الأراضي الأوربية ، ومع أن الاتحاد السوفييتي لم يعلن الحرب على اليابان إلا في ٨ أغسطي سنة ١٩٤٥ أى بعد يومين من إلقاء الفنيلة الذرية على هيروشيما ، فقد تدفقت الجيوش الروسية على كوريا فاحتلت الجزء الشمالي منها حتى خط عرض ٣٨ ، وأسرعت الولايات المتحدة بإرسال قوانينها لاحتلال كوريا الجنوبية بناء على اتفاق بين الطرفين . ولم يكن ساسة الولايات المتحدة ولا رجالها العسكريون يقدرون ما سوف يترتب على هذا التقسيم من نتائج خطيرة ، بل كانوا يظنون أن هذا الفصل بين المنطقتين ضرورة حربية مؤقتة ، وأن روسيا لن تسدل ستارها الحديدي بين الشمال والجنوب .

وقد حاول وزراء الخارجية الذين اجتمعوا في مؤتمر موسكو في ديسمبر سنة ١٩٤٥ أن يصلوا إلي اتفاق فيما بينهم على إيجاد حل المشكلة الكورية بإنشاء حكومة وطنية ديمقراطية لكوريا جميعها ، وقرر المؤتمر تكوين لجنة روسية أمريكية تكون مهمتها الاتصال بالأحزاب الديمقراطية

المختلفة في المنطقتين للتعاون في سبيل إنشاء تلك الحكومة . وقد جاء في البيان الذي أصدره مؤتمر موسكو أن مهمة اللجنة أن تتعاون مع المنظمات الديمقراطية الوطنية تحت إشراف دول الوصاية على العمل للوصول بكوريا إلى استقلالها الوطنى ، وان تستمر وصاية الدول الأربع - أي روسيا والولايات المتحدة والصين والملكة المتحدة - علي كوريا مدة خمس سنوات .

وكانت فكرة الوصاية مثار أعتراض من جميع الأحزاب في كوريا ، شمالها وجنوبها ، لأنها تتعارض مع أماني الوطنيين الكوربين وتؤخر الاستقلال الذي وعدتهم به الدول الكبرى قبل تسليم اليابان ، إلا أن الحزب الشيوعي في كوريا قد غير رأيه بعد ذلك وقبل نظام الوصاية وسرعان ما ثار الخلاف بين دولاتي الاحتلال ، فقد اجتمعت اللجنة الروسية الأمريكية المشتركة في مارس سنة ١٩٤٦ . ثم انقضت في مايو دون أن يصل إلي أية نتيجة ، بل إنها فشلت أيضا في " الاتصال بالأحزاب الديموقراطية والمنظمات الاشتراكية " التي كان المفروض أن تتعاون معها ، فقد كان من رأي السلطات الأمريكية أن تستشير جميع الأحزاب والمنظمات الكورية ، وأما الاتحاد السوفييتي فقد عارض في استشارة الأحزاب التي لم تؤيد اتفاقية موسكو ، والتي كونت جمعية تناهض فكرة الوصاية ، ورأت الولايات المتحدة أنها أو وافقت على نظرية الروس لكان عمل اللجنة المشتركة مقصورا على استشارة أقلية ضئيلة أغلبها من الشيوعيين ، ثم ثارت في الجو خلافات جديدة على طريقة تكوين الحكومة الوطنية الكورية ، فقد اقترحت الولايات المتحدة إجراء انتخابات عامة في كل من المنطقتين ، ثم تتكون الحكومة الوطنية على النظم الديموقراطية الغربية على أساس نتيجة تلك الانتخابات . أما الاتحاد السوفييتي فقد رأي تأسيس جمعية وطنية تمثل شعب كوربا ، على أن يكون عدد نواب كوريا الشمالية مساويا لعدد النواب الجنوبيين وأن يمثل نواب تلك الجمعية الأحزاب والمنظمات التي أيدت اتفاقية موسكو .

وفي أغسطس سنة ١٩٤٧ كان واضحا للعيان ، أن هوة الخلاف بين الولايات المتحدة والأتحاد السوفييتي أصبحت

سحيقة بحيث عجزت اللجنة المشتركة عن إنجاز مهمتها ، فاقترحت الولايات المتحدة أن تعرض المسألة من جديد على الأعضاء الذين وقعوا اتفاقية موسكو . ووافقت الصين وانجلترا على ذلك الاقتراح ، ورفض الاتحاد السوفيتي بحجة أن اللجنة الروسية الأمريكية لا تزال قائمة وأنها تستطيع أن تصل إلى حل يرضى الجميع . فانتهزت الولايات المتحدة تلك الفرصة وقررت عرض مشكلة كوريا على الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة ، لأنها تضمن بذلك أن تتحكم في مسألة كوريا عن طريق تلك الهيئة ، وكان طبيعيا أن تعارض روسيا في هذا العرض ، ولما قررت هيئة الأمم أن تناقش مسألة كوريا ، اقترح مندوب الاتحاد السوفيتي أن تستدعي الجمعية العمومية نوابا من الكوريين يمثلون منطقتى الاحتلال لسماع أقوالهم وعرض مطالب بلادهم . ولكن أغلبية الأعضاء في الجمعية العمومية لهيئة الأمم هزمت الاقتراح الروسي على أساس أن المسألة التي ستعرض على الهيئة هي طريقة انتخاب نواب كوريا ، وعند ذلك اعلنت روسيا ومؤيدوها - وكانت يوغوسلافيا من بينهم في ذلك الوقت - أنهم لا يستطيعون الاشتراك في أية مناقشات دون حضور مندوي كوريا وأنهم لن يصوتوا على أي قرار يتخذ في هذا الشأن ، ولكن الجمعية مضت في مناقشاتها وقررت في غياب أعضاء الكتلة الشيوعية تكوين لجنة مؤقتة من بعض أعضاء هيئة الأمم للعمل على تأسيس حكومة وطنية كورية عن طريق إجراء انتخابات عامة ، ثم تمهد السبيل لانسحاب قوات الاحتلال من المنطقتين الروسية والأمريكية وتكوين الحكومة الوطنية الجديدة ، وانتخبت الجمعية أعضاء لجنة هيئة الأمم من ممثلي أستراليا وكندا وسلفادور والصين وفرنسا والهند والفلبين وسوريا وجمهورية أوكرانيا السوفيتية ، ولكن أوكرانيا رفضت رفضا باتا أن تشترك كعضو في تلك اللجنة .

كان واضحا كل الوضوح أن نشاط تلك اللجنة لن يتعدى كوريا الجنوبية ، ومع ذلك فلم تكن مهمتها هناك سهلة ميسورة ، إذ أن سلوك السلطات الأمريكية في كوريا الجنوبية أثار تذمر الرأي العام ودل على عكس التصريحات التي صدرت في مؤتمر القاهرة سنة ١٩٤٣ ومؤتمر بونسدام

سنة ١٩٤٥ ، فإن الحكومة العسكرية الأمريكية التي تأسست في سيول لم تحاول استرضاء الزعماء الوطنيين في كوريا ولم تعين أكبر عدد ممكن من المتعلمين الكوريين المخلصين لوطنهم في وظائف الحكومة ، بل ظلت السلطات الأمريكية تستعين بالموظفين الذين تعاونوا من قبل مع اليابانيين ، ثم انقلبوا فجأة يؤيدون الاحتلال الأمريكي .

ووضعت تلك السلطات ثقتها في الدكتور ( سنجمان ري ) وهو أحد زعماء كوريا الذين تزعموا الحركة الوطنية ضد اليابان سنة ١٩١٩ . وذلك عندما أراد الشعب الكوري أن يلفت أنظار ساسة الدول الكبرى الذين كانوا يجتمعون إذ ذاك في مؤتمر الصلح بباريس ، إلى أن هناك في الشرق الأقصى شعبا مهبض الجانب قد ضمته إلى امبراطوريتها دولة عاتية لا تريد أن تستجيب لندائه ، وفشلت ثورة سنة ١٩١٩ واضطر سنجمان ري أن يفر إلى الولايات المتحدة . وظل هناك حتى سلمت اليابان إلى الخلفاء، فطار إلى بلاده ليمد يد المساعدة للأمريكين الذين أكرموه في بلادهم قرابة ثلاثين عاما . .

لقد كان سنجمان ري ، بعد نفيه من بلاده وإقامته في الولايات المتحدة ، يحمل دائبا لرفع صوت الشعب الكوري ضد عسف اليابانيين . وكان شباب كوريا يعتبرونه رمز أماينهم في العالم الخارجى ، ولشد ما كانت دهشتهم عندما وصل الزعيم الشيخ إلي بلاده بعد ذلك الغياب الطويل . ولم يحاول أن يتصل بالمنظمات الوطنية ويتعرف رأي الأحزاب السياسية ، بل استمر ضالعا مع السلطات الأمريكية ، فخيب آمال مواطنيه الذين كانوا يظنونه رجل الساعة ، ومبعوث العناية الإلهية لتوحيد كوريا واستقلالها استقلالا تاما ، وهكذا أدى سلوك ( ري ) وعدم إلمامه بحالة الرأي العام في بلاده إلى إثارة البغضاء والعدوان بين الجنوب والشمال ، وانتهز الأمريكان والروس الفرصة فوضعوا كوريا بين شقي الرحى ، وأصبحت مشكلة كوريا مسألة دولية تمس التوازن الدولى ، وكان الشعب الكوري هو الضحية .

اشترك في نشرتنا البريدية