تنتشر في أندونيسيا مدارس البنين والبنات من ابتدائية وثانوية ، وذلك في المدن والقرى ، وإقبال الأهالي عليها شديد . أما المعاهد العالية كالطب والهندسة والحقوق والزراعة والتجارة ، فهي في المدن الكبرى فقط ، وقد تخرج منها عدد كبير ، فهناك المحامون والمهندسون والأطباء ، كما أن هنالك عددا كبيرا تخرج من جامعات أوربا ، وعلى الأخص من جامعات هولندا ، وتشترك الجامعة المصرية في تخريج من يتعلم فيها من الشباب الأندونيسي ، كما أن الأزهر الشريف له حظ في ذلك .
وتقوم الجمعية " المحمدية " بأعظم قسط في تعليم الأهالي الدين وغرس مبادئه الصحيحة فى نفوس الأحداث ، أنشأها المرحوم الحاج دحلان ، ولها مئات الفروع في أنحاء أندونيسيا ، ولا يقل أعضاؤها عن ثلاثة ملايين ، وجمعية " والفجر " التى أنشأها الأستاذ هاني هي الجمعية الوحيدة التي تعني كثيرا بتدريس اللغة العربية بعد المدارس العربية ، وقد استعانت بعض مدارس البنات العربية ببعض خريجاتها لتدريس اللغة العربية فيها .
وتسير رياض الاطفال على أحدث الطرق التربوية ، وتقوم برعايتهم مدرسات مثقفات ثقافة عالية ، وتهتم المدارس على اختلاف أنواعها بالنشاط المدرسي اهتماما عظيما ، فالكشافة والكرة والرحلات وتأليف الجمعيات وإصدار المجلات كل ذلك من أهم ما يعني به المنهج الدراسي ، ومما هو جدير بالذكر حقيق بالتسطير أن المناهج الدراسية يسودها الاستقرار ، وهي تخلق من الأحداث رجالا يعتمدون في مستقبلهم على أنفسهم أكثر مما يعتمدون على الوظائف الحكومية ، ولذا تجد كثيرا من حملة الشهادات يفضلون الأعمال الحرة على دواوين الحكومة . .
والمطابع هناك كثيرة ، والورق متوفر ورخيص الثمن ، بيد أنه بالرغم من هذا كله ، فإن الإنتاج العقلي يعوزه التشجيع والاهتمام والنشاط والتقدم ، فالمؤلفات قليلة جدا ، ولكن الصحف والمجلات كثيرة ويقرأها خلق كثير كما يقبل عليها معظم الناس ، ويلاحظ أنه ليس من أثر المجلات الفكاهية ، وهذه ظاهرة عجيبة بماثلها أنه لا يوجد أيضا في نفس البلد مجون في الغزل ، فالملحوظ أن الجد يسيطر على ما يكتبه الأدباء والعلماء .
ويلاحظ أيضا أن ميل الرجل الأندونيسي إلى الفنون الجميلة أكثر وأقوى من ميله إلى الأدب وإقباله عليه ، ولذا كان بروزه في الرسم والغناء والموسيقي العاطفية واضحا محسوسا ، والأندونيسيون يقدسون هذه الفنون كل التقديس ، ومعظم أسس أغانيهم على الأنغام لا الكلمات ، أما الأنغام فخليط من المغولية والهندية ، وجل أغانيهم في الغزل ، ومعظمها حلو عذب يميل إليها الشرقي ويستسيغها الغربي ، بيد أنها لا تحمل شيئا كثيرا من صفات الخلود ، فسرعان ما تندثر وتحل محلها أغان جديدة .
والرقص الأندونيسي رائع ، ولكنه دقيق صعب يحتاج الغريب إلى تكرار مشاهدته حتى يتمكن من تقديره وفهمه ، وأساس هذا الفن مرونة الحركات ولغة اليدين والرجلين والوجه ، فكل لمحة وكل لفتة وكل حركة بالذراع أو بالكف أو بالقدم تعني شيئا خاصا ، والرجال كالنساء يرقصون ويحركون رقابهم وأيديهم وأرجلهم وعيونهم طبقا لقواعد تلك اللغة الصامتة . وهناك ضرب من الرقص الكلاسيكي يقال له Wajang ما عتم محتفظا بأوضاعه القديمة وهو محبوب جدا من الوطنيين ، وثمة ضرب آخر من الرقص بجيده غالبية الأندونيسيين ، وذلك هو ( البدويو ) ،
ونوع خاص يسمي ( سربمخي ) تجيده طبقة خاصة من الفتيات الفنيات ، وهذا النوع يعتمد على لفتات الوجه ورشاقة الإمساك بالثوب الهفهاف . .
ومسارح التمثيل قليلة ، وتقوم معظم موضوعاتها الروائية على الأساطير الأندونيسية القديمة وعلى قصص ملوك الزمان الغابر وما ناله هؤلاء من عز ومجد ، والمسرح الجاوي يهتم الاهتمام كله بالقصص الأندونيسي التاريخي . ولهذا يتزاحم الأندوسيون ليشاهدوا ما يعرضه ذلك المسرح من قصص تمثيل وتمثيل وطني وأداء شعي .
. . وبتداول الأندونيسبون لغات كثيرة ، أهمها وأكثرها انتشارا اللغة الملابوية ( الماليزية ) وهي سهلة التفهيم بسيطة في قواعدها ومفرداتها ، وتكتب بالحروف اللاتينية ، ولكن رجال الدين يكتبونها بالحروف العربية ، وفيها كلمات دخيلة من عربية إلى سنسكريتية إلى فارسية .
وبالتمعن في الأدب الأندونيسي تري أنه لم يبلغ بعد درجة سامية من الكمال ، ومن هنا يجنح البعض إلى القول بأن اللغة الماليزية لغة تفاهم وتخاطب وليست لغة آداب .
ولكن ما قيل في الغزل في هذا الأدب - ومعظمه من هذا النوع - على جانب عظيم من السمو ، فيجد المرء فيه حسا دقيقا وروحا رقيقا ولطفا في انسجام الأخيلة ونتاجها ، فهو غزل حالم يبعث العاطفة ويمجد الخيال ولا يزود عنه ، ويسطر روح الفكرة دون أن يبلغ منها جد موضوعها ، وتقرأ فيه فلا تجد تعقيدا ولا إفسادا في المعاني ، فإذا انتهت إليه رأيت ازدحاما في المجازات وكثرة في الاستعارات وجنوحا إلى التشبيهات .
وقد خلا الشعر الأندونيسي من المآسي الباكية ، ونراه دنيويا يتابع الدنيا دون أن يمتد نظره في أفق ما بعد الحياة أو ما قبل الوجود ، يدلف ما بقيت الدنيا كما انه متغير لا يخلد لأنه لا يحكد ، وليس له من سبيل إلى الغرب ، وحظه في ذلك كحظ الشعر الياباني الذي تعله مسحة الشيخوخة وتغذيه الآداب الصينية وتتمشي في تجاليده المدنية الغربية أكثر مما تتمشى في الآداب الشرقية الأخرى . .
والملحوظ أن الأدب الأندونيسي يجيد استعمال الحواس كل الإجادة ، ولعل للطبيعة الأندونيسية البديعة الأثر
الكبير في ذلك ، فهذه الروج الخضراء وهذه السيول والشلالات والبحيرات ذات المياه الصافية الساجية ، وهذه السفوح والوديان ، وهذه العيون والينابيع التي تتفجر في البطون السحيقة كانفجار الدم من شرايين القلوب أو كانفجار الصدحات من أعماق الطيور ، كل هذه ساعدت أدب أندونيسيا على إجادته استعمال حواسه كما ساعدت على تقوية خياله . .
ولقد كان للثقافة والآداب العربية حظ من التأثير في الأدب الأندونيسي ؛ ويرجع ذلك إلى اللغة العربية التي لها بعض الانتشار في أندونيسيا بفضل الحضارمة العرب والشعب الأندونيسي على أهبة الاستعداد لأن يتعلم اللغة العربية . ويا حبذا لو حذت أندونيسيا حذو بإكستان الشقيقة ، فاهتمت باللغة العربية اهتمامها واتخذتها لغتها وساعدت على انتشارها وتعليمها وغرسها في النشء الجديد . .
والقصة الأندونيسية تمتاز بثلاث نزعات : النزعة الدينية والنزعة الإلهية والنزعة الخرافية . ويدور محور القصة الأندونيسية المنتزعة من الفن القصصي الهندوكي القديم حول عرض وصفي للحروب والمقاتلات الخيالية بين جانب الإنس وجانب الجن أو وصف عرضي لمتباين الحروب التي تقع بين آلهة الخير وآلهة الشر . وهذا المحور القصصي المقتبس إنما بدا على هذا الوجه الذي قدمته طبقا للنزعة والتقاليد وطبقا للبيئة وللخيال الخصب الذي يرتطم في خيالات الآلهة وابتكارات المجهول ، ووضعه في قالب مشوق يستسيغه العقل الأندونيسي ، وقد استساغه من قبل الذهن الهندوكي الغابر .
ونعود فنقول إن اهتمام الأندونيسيين بالقصة والشعر يتضاءل بالنسبة إلى اهتمامهم وميلهم إلى الفنون ، ولكي يقف القارئ العزيز على مدى ما وصل إليه الرسم الفني في أندونيسيا يقمن بي أن أعرض عليه قصة صغيرة حدثت في أندونيسيا منذ سنوات . .
فقد كان هناك رسامان ماهران أحدهما أندونيسي والآخر هولندي ، وكان كل منهما ينافس الآخر ، وذات يوم دبر
( البقية على صفحة 15 )
( بقية المنشور على صفحة ١٠ )
الهولندي مكيدة لمنافسه الأندونيسي ، فدعاه لربارته في منزله ، وحضر الرسام الأندونيسي ، ودخل الحجرة التي قاده إليها مضيفه ، ولما هم بالجلوس سقط على الأرض ؟ لأن الكرسي الذي أراد الجلوس عليه لم يكن سوى صورة مرسومة لكرسي على الحائط ، فكتم الأندونيسي غيظه ، وبعد برهة خرج الهولندي من الغرفة لقضاء حاجة وترك نظارته على المكتب ، وانتهز الأندونيسي هذه الفرصة فرسم على زجاج النظارة صورة ذباب ، وعاد الهولندي وأخذ يتحدث إلى الأندونيسي في أمور شتى ، ثم أراد أن يدلل علي شئ مما قاله ، فتناول كتابا ثم أخذ نظارته ولكنه عزها ليطرد عنها الذباب ، ولكن الذباب بالطبع لم يتحرك ، فاغتاظ وضرب بها المكتب فانكسرت ، وعلم الهولندي أنها صورة رسمتها ريشة الرسام الأندونيسي في بضع دقائق ، فأعجب بها أيما إعجاب . .

