في العدد الماضي من (الرسالة) تعقيب عنوانه (التجديد في العروض) ، وغايته مناقشتي في بحر (وضعتُه) ، وكنت نشرت أبياتاً منظومة عليه (قصيدة (الناي) في العدد ال٣٤٠، وجعلت اسم البحر: (المنطلق) . ولن أجاذب صاحب التعقيب. بل عليّ عهد أني كلما رأيت كاتباً يعرض لي وهو غير مستوثق مما يكتب ولا متقصّ في التدقيق عدلت عن الجدَل إلى ما يجلب لصديقي القارئ بعض الفائدة. ولك أن تسألني عن مواضيع النبوّ في تعقيب الكاتب. وإليك الجواب مختصراً:
يقول الكاتب إن البحر الذي قلت إني (وضعتُه) (وهو: فاعلاتن مفاعلتن، مرتين) قد (خيل إليّ أني اخترعته) . وهنا أحب أن أبصّر الكاتب، على عجل، مواقع ألفاظ العربية: فإن (الوضع) غير (الاختراع)
وقد علّل الكاتب كيف (خيل إليّ) وضع البحر بقوله: (يوجد هذا الضرب نفسه بأجزاء أخرى هي (فاعلن فاعلن فَعِلُن) فهو إذاً الضرب الأول من العروض الثاني (يريد: الثانية) من المتدارك، وهو المجزوء الصحيح، وأقرب أمثلته لوزن الدكتور بشر هو الضرب المخبون المرفَّل من هذا المجزوء الصحيح، ومثاله في (متن الكافي) هو:
دار سُعدى بشحرِ عمان ... قد كساها البلى الملوانْ
على أن هنالك فرقاً يسيراً قد يلحظه القارئ بين الوزنين، فذلك أن وزن الدكتور بشر ينقصه الترفيل (وهو زيادة سبب خفيف. . .) والسبب الخفيف متحرك بعده ساكن كقَدْ. فهو يمثل الألف والنون الأخيرتين
في (عمان) و (الملوانْ) واللتين بحذفهما نحصل على نفس الوزن المنطلق الذي جاء به الدكتور بشر) ١ هـ. أولاً: ليراجع الكاتب (متن الكافي) الذي استند إليه، وشرحه (المختصر الشافي) للدمنهوري وغيرهما ليعلم أن للعروض الثانية المجزوءة من المتدارك ثلاثة أضرب هي: فَعِلاتن، فاعلان، فاعلن. فأين (فَعِلُن) الذي أتى به؟ وإذا بدا له أن يتذرع بالخبن، فليذكر أن (الخبن) من (الزحاف) فما هو بلازم في فاعلن، وإن لزم في فعلاتن الوارد هكذا على أنه ضرب.
ثانياً: قرأ الكاتب البيت الذي استشهد به (متن الكافي) ، وهو غير مشكول. فسكن النون من (عمانِ) و (الملوانِ) . والصواب: كسر النون (عمان، الملوان) - كما يعينَّ ذلك موضع الشاهد من الكتاب - فيكون الوزن (فعلاتن) لا (فعلان)
ثالثاً: والظريف أن الكاتب يزيد أن في البيت ترفيلاً. فيشرح الترفيل، ويضرب المثل بكلمة (قد) ، ثم يقول: (إن الترفيل يمثل الألف والنون) من (عمانْ) و (الملوانْ) . والصواب: (أنه يمثل النون المكسورة) ، مع إشباع الكسرة. وأما (الألف والنون) فالألف تتمة التفعيلة السابقة، النون هي التذبيل، فلا ترفيل كما وهم الكاتب
رابعاً: يقول الكاتب إن بين الوزن الذي استكرهه والوزن الذي وضعتُه (فرقاً يسيراً. . . وبحذف اللف والنون (والصواب كما رأيت: بحذف النون مع حركتها المشبعة) نحصل على نفس الوزن المنطلق الذي جاء به الدكتور بشر). فكأن الأوزان على يد الكاتب تنقص وتزيد وتضغط وتمط بجرة قلم. وإن توهم أن الترفيل في العروض لا يقدم ولا يؤخر كما يقولون، فليسأل أهل التلحين والغناء عن النقرة التي تبعد إيقاعاً من إيقاع، والغمزة التي تجنَّب (الصبا) من (البياتي) مثلاً. ولينشدهم (قصيدة الناي) يخبروه هل البحر الأول (وهو في وهمه مجزوء المتدارك) على ميزان البحر الثاني (وهو المتدارك) . إلا إن الشعر والموسيقى من منبع واحد. أليس لكليهما دوائر قائمة على الأسباب والأوتاد والفواصل عند أرباب الفنين؟ ليفطن الكاتب إلى هذا
وخلاصة القول أن أركان صناعة الشعر وشواهدها تختلط على قلم الكاتب وتتلوى. فكيف أجاذبه فيما انحرف إليه؟ هذا وإن لي حديثاً في (بحر المنطلق) : كيف خطر لي وما أصوله، وإني لسائق الحديث يوم يخرج الديوان تسبقه توطئة

