إن التشابه اللفظي بين بعض كلمات من لغات مختلفة، حقيقة قد تثير الدهشة لدى الكثيرين؛ ومن السهل والطريف معاً تتبع ذلك عند من يلم بأكثر من لغة واحدة. على أن التعليل لهذه الظاهرة يسير واضح يتلخص في أن الحروف التي تتحرك بها عضلات اللسان محدودة لا تتجاوز الثلاثين، في حين تتنوع لغات البشر وتتعدد، ويرتفع عدد الكلمات في بعضها إلى عشرات الألوف ومئاتها. فإذا قلنا نحن (نير) مشيرين إلى هذه الأداة التي توضع على عاتق الثور، قال الإنجليزي يعنون الداني أو القريب. . . وهكذا.
ويبدو لي أن عالمنا اللغوي الكبير الأستاذ (الأيوبي) يستقري أمثال هذه الكلمات الأعجمية - خلال بعض إجاباته - قاصداً ردها إلى أصل عربي قد لا يرتبط بها في شيء إلا أن يشبهها في بعض الحروف.
ونحن مع شكرنا له على غرضه النبيل من هذا المجهود نقرر أن أصحاب كل لغة هم أدرى الناس بمنابع ألفاظها وأصول اشتقاقها. فذا قلنا للفرنسي إن كلمتكم "Salade" مأخوذة من كلمتنا(سليط)، فأنكر وقال: بل هي مشتقة من Sal بل هي مشتقة من كان من الواجب علينا أن نكذب أنفسنا ونصدقه، ما لم تكن حجتنا على هذا الأخذ قوية.
فكيف والظاهر يؤيده والتاريخ اللغوي يصدق زعمه؟!. . . هل يريد أستاذنا الكبير أن يقول إن العربية أقرب إلى هذه اللغات من أصلها اللاتيني؟. . . ذلك ما لا نظنه. وإننا حين نكتفي من المعجم الأوربي بقوله إن لفظة (كذا) مشتقة من الأصل اللاتيني أو اليوناني (كذا) يجب ألا نكتفي ممن ينسب هذا إلى العربية بغير الدليل التاريخي القاطع، ولا عبرة بالمشابهة اللفظية كما أوضحنا.
يضاف إلى هذا أننا نجد الألفاظ العربية الدخيلة في هذه اللغات منصوصاً عليها في معاجمها، مع ذكر خطوات اشتقاقها إن أمكن تتبعها، فلم يعد من حقنا بعد كل هذا أن ننسب إلى لغتنا لفظاً أجنبياً، ما لم تنص على ذلك معاجم القوم، أو يقم الدليل القاطع من عندنا على صحة نسبته إلى لغتنا. . .
ذلك رأيي الخاص في هذا الموضوع، وللأستاذ الكبير أن يؤيده أو يفنده. وأعود إلى إجابته الأخيرة عن(المقرونة) وما ذكره من أنها هي التي يقال لها اليوم مكرونة: Macaroni إن هذا كلام يعوزه الدليل وتنقصه الحجة القاطعة. والذي تذكره المعاجم الموثوق بها، ويؤيده العقل أن هذه اللفظة الإنجليزية تحريف للاسم الإيطالى القديمMaccaroni وهذا الأخير مشتق من الفعل. Maccare بمعنى يسحق أو يعصر To Crush فهل يتيسر لنا أن نثبت وجود علاقة صحيحة بين المقرونة العربية وMaccaroni الإيطالية؟ وهل كانت المقرونة - وهي التي
يقول الأستاذ إنها من طعام أهل الجاهلية - معروفة لدى الشرقيين بنفس الاسم، عندما اتصل بهم الإيطاليون، وبادلوهم منافع السلم وفواجع الحرب؟
ذلك ما نطالب أستاذنا الكبير بإثباته قبل التسليم له بوجهة نظره، وثمة شيء آخر أحب أن أذكره، وهو أن الإنجليز يطلقون اسم الشعر المكرونى Macaroni على نوع من النظم الفكاهي عندهم يتألف من مزيج من الألفاظ بعضها أوربي حديث وبعضها لاتيني قديم. وفي قاموسنا المحيط للفيروزبادمي نجد ما نصه: والمقرون من أسباب الشعر ما اقترنت فيه ثلاث حركات بعدها ساكن، كمُتفا من متفاعلن وعلتُن من مفاعلتن) فهل الشعر(المكروني) عندهم منقول من شعرنا هذا المقرون؟! إن الأخذ بمجرد التشابه في اللفظ قد يدفعنا إلى إصدار ذلك الحكم؛ وما نشك أن السير في تلك السبيل ينتهي بنا إلى تسجيل مفارقات مضحكة لا نستسيغها إلا أن تجيء على سبيل الإضحاك ليس غير. أما أن نقصد بها الجد كل الجد، ونرمي بالنظر فيها إلى البحث العلمي الصحيح، فذلك أمر فيه نظر. وأي نظر
وفي انتظار (إجابة) أستاذنا (الوحيد) نتوجه إليه بعاطر التحية وأذكى السلام.

