قال أبو العلاء المعري في كتابه العبقري (الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ) : (الجسد بعد فراق الروح كما قُص من يدك، وقُصِّر من
فودك(1): إذا ألقى فسيط (2)في النار لم تباله، وإذ غرق فليل في اللُّج(3) فكذاك؛ هكذا يقول المعقول، ولله نظر في العالم دقيق. لا يمتنع أن يكون جسد الصالح إذا قبر في النعيم، وجسد الكافر في عذاب أليم، لا يعلم به الزائرون، وعابد الله ليس بغبين. ليت أنفاسي أُعطين تمثلاً، فتمثل كل نفس رجلاً قائماً يدعو الله تبتلاً يمنع جفنه لذيذ الإغفاء)
رويت الفصل كله ليُعلم أن الشيخ قد فَن في الكتاب فنيناً، ونوّع فصوله تنويعاً، فلم يقتصر على أشياء ما تعداها. وما أقصد بما أملئ أن أبحث بحثاً فلسفياً ولا (دينياً) . الخطب ضئيل: في الفصل: (فليل) وقد قال محقق الكتاب في التفسير: (الفليل: ناب البعير المنكسر، أو ما ندر عن الشيء كسحالة الذهب وبرادة الحديد وشرارة النار) وعندي أن الفليل هنا هو الشعر، (ما قص من يدك) تشرح (الفسيط) و (ما قصر من فودك) توضح (الفليل) . وفي اللسان: (الفليلة والفليل الشعر المجتمع) وفي فقه اللغة: (سبيخة من قطن، عميتة من صوف، فليلة من شعر، سليلة من غزل)
وإن استقل أديب نقد لفظة واحدة في هذا الكتاب فلا يلمني، وليلم إمعان العلامة محققه في التدقيق ومبالغته في الضبط فهو الذي حرمه نقداً كثيراً يشتهيه . . .
إن (الفصول والغايات) كتاب عجيب ما اخرج عالم في هذا الوقت من معادن الأدب القديم عديله، ولم يُحقق مصنف تحقيقه(4). ولن يشينه أبداً إن الطبعة الأولى لم تنفذ حتى اليوم، وإنما يعرُّ ذلك القاهرة ومصر وبلاد العرب، ويخبر أن القوم (إلا أقلهم) لم يبرحوا في الشط . * * *

