تحملني الذاكرة إلي أعوام ماضية بعيدة . في ضاحية من ضواحي عاصمة أوروبية كبيرة .
يصبح الصباح فأري أهل الضاحية يخرجون من كل بيت ، ويسلكون كل طريق ، إلى محطتها وعند باب المحطة يقف بائع الصحف هو وولده يستقبلان القادمين ، فلا يكادان يلاحقان السيل المنهر الدائم من طلاب الصحف . وأدخل القطار مع الداخلين ، وهو تحت الأرض ، فيستهوبي منظر تلك الصفوف المتقابلة في العربات وهي مكبة تقرأ في نور الكهرباء ما تمخض عنه اليوم من انباء . والرجال والشبان كان أكثر ما يقرأون الصحف . والنساء والبنات كان أكثر ما يقرأن الكتب ، تأخذ البنت مقعدها ، فلا تلبث ان تخرج من حقيبة يدها الكتاب وبه علامة من ورق برزت منه حيث وقفت من قراءته في امس الغابر . ويشق القطار ظلام النفق الطويل شقا يحمل تلك الكتلة الآدمية
القارئة إلي المدينة ، فتحسب انه إنما يحمل مدرسة توزعت فصولها علي عربات القطار . وقد يرفع رافع صوته سهوا فلا تلبث أن تلتقي عنده الأنظار ، من جوانب الأعين ومن فوق النظارات ، فيعود إلى تخفيض صوته او حبسه آسفا ويجري القطار في هذا الصمت والسكون زمانا ، كأن الناس على رؤوسهم الطير . ويقف القطار وقفاته ، ليتخفف من أعبائه ، فلا تسمع إلا صوت الحارس يجلجل يعلن أسماء تلك المواقف . ويخرج الناس فتسأل السائل عمن كان عن يمينه ، او عن يساره ، أو قدامه ، فما يكاد يذكر ، فقد كانت عينه امتلأت بسواد المداد ، فاشتغلت به عن بياض الوجوه .
وكنا نعود في المساء ، من المدينة إلي الضاحية ، والجسم هامد ، والأعضاء متخاذلة ، فتراهم يقرأون صحف المساء ، وهي صحف غير صحف الصباح في طبيعتها ، فقد غير ناشروها
من صفاتها حتى توافق ما في المساء من همود أجسام وتخاذل اعضاء . ففيها السياسة قلة ؛ وفيها أحداث اليوم الكبرى اختصارا . وهي تنبو عن تكرار اخبار الصباح إلا ما لزم للمتابعة . ثم هي تأتيك بكل نادر ممتع فكه من حياة الناس ، مما يقرؤه المرء والظهر في ارتخاء ، والعين حالمة ، والفم ذو ابتسامة فاترة
والرجل يفرغ هناك من مشاغل اليوم ، ومن مشاغل الجسم ومشاغل الأهل ، فيأوى إلي مقعده المختار ، بجوار النار ، وجليسه بيته وكتاب يملأ بهما فراغ ما بين العشاء والنوم .
والقراءة هناك ميسورة غاية اليسر ، في صحف سيارة أو كتب عامرة
كنا في عهد الثورة المصرية ، فما بعدها ، لا يكتفي الطالب منا من أخبارها بما يقرؤه في الصحيفة الواحدة يشتريها ، فيطلب الآراء عنها من كل حزب وكل لون ، فيذهب إلي أقرب دار كتب ، فيجد صحف اليوم منشرة على الالواح قائمة ، يقرؤها العامل الفقير بقبعته المفرطحة الرقطاء، وصاحب العمل غير الفقير بقبعته المستديرة السوداء .
ويطلب الطالب منا الكتب فيجد ألوانا لا حصر لها فإن طلب القصة وجد الالاف ، ووجدها مبوبة مفرعة وإن طلب الأدب وجد الالوف مقسمة منوعة . وإن طلب الاجتماع ، أو طلب الطب ، أو العلم ، أو التاريخ ، أو ما شئت من سائر أنتجة القرائح وجد من ذلك عدد الحصى وإن طلب الكتب للطفل ذي السنوات الثلاث وجدها . وإن طلبها له صبيا أو يافعا او شابا كاملا أو رجلا كهلا أو هرما عاجزا وجدها . وإن طلبها للانوثة الصرفة وملاهي الأنوثة ومشاغلها وجدها . وللصم يجدها وللبكم ومن لا يبصرون . وهي كتب للحاضر وسيعة مديدة ، تمتد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، وفي كل زاوية بين هذه ، ترمي إلى غاية من غايات الإنسان ، وتمس كل ملكة من ملكاته ، وحس من احاسيسه وهي للماضي إن طلبت
الماضي . وهي للمستقبل والآمال إن طلبت المستقبل والآمال.
وكل هذه الكتب المتراكمة في هذه اللغات الحية لامم أوروبا الحديثة هي نتاج أربعة قرون أو خمسة ، أي منذ كانت " النهضة الأوروبية إلي اليوم
ونحن اليوم في مصر ، وفي الشرق العربي ، نقع من تاريخنا حيث وقعت اوروبا من تاريخها في عصر " النهضة " في القرن الخامس عشر . فالمكتبة العربية الحديثة لا وجود لها ، أو هي صغيرة الحجم صغيرة القيمة بحيث يحسن بنا حفظا للكرامة إغفالها . والمكتبة العربية القديمة لها وجود حقا ، ولكن على صورة تجعل ورودها صعبا فهي مورد الرجل المختص لا رجل الحياة العادي . والمكتبة القديمة بعضها نافع حقا ، وبعضها قد ينفع ، وكثيرها لا ينفع أبدا وهي مهوشة كالأثاث المركوم علاة التراب ونسج العناكب ، فلا تكاد تصل إلي قطعة منه حتى يبلغ منك جهد الطلب كل مبلغ . فالمكتبتان العربيتان ، الحديثة والقديمة ، أولاهما غير موجودة ، والأخرى غير ميسورة لرجل اليوم الذي يريد أن يحيا الحياة الحاضرة السريعة التي لا تمهل من يتمهل.
إن الدولة الرومانية بعد سيطرتها الأوروبية ودخولها في المسيحية تدهورت وانحلت ، وجاء بعد انحلالها عصور كلها ظلام ، حتى إذا جاء القرن الرابع عشر فالخامس عشر اخذت تستفيق من سبات تلك الجهالة ، فوجدت مخلصها في الرجوع إلى القديم الأقدم ، إلى ما خلفه الرومان والإغريق من علوم . ونحن كذلك انحلت دولنا الإسلامية انحلالا . فمن اموية إلى عباسية ، إلى فاطمية ، إلي . . إلي.. وانتهينا بالدولة التركية ، وهذه زالت باعتبارها دولة إمبراطورية . وعدنا بزوالها وانحلالها من جديد إلي بوتقة الصائغ كما عادت دول اوروبا عند فجر دورها الحديث . فإن كان التاريخ يعيد نفسه ، فهو معيد نفسه فينا على
اختلاف الأجناس واختلاف البقاع وتأخر القرون .
وعلى هذا التشابه في الموقفين ، موقف أمم الشرق من نهضتها الحاضرة ، وموقف أمم الغرب من نهضتها الغابرة ، توجد بينهما فروق تجعل هذه النهضة الإنسانية الشرقية الحاضرة أسرع وأوحي من تلك النهضة الإنسانية الغربية الغابرة . ففي النهضة الغابرة كانت كنيسة تسيطر ، وكان " إقطاع " يسيطر ، فكان لا بد للنهضة من رفع هذين النيرين. أما نحن في هذا الشرق فالإسلام لم يكن فينا يوما كنيسة ذات سلطان ؛ وفقهاؤنا لم يكونوا يوما قساوسة ؛ فليس في الإسلام بين العبد وربه حجاب . والإسلام لا يعترف بالفقه صناعة ، ولا بالفقهاء أربابا من دون الله . فإن استعبدتنا بعض آرائهم العتيقة الطائشة ، فعن طواعية منا كان هذا الاستعباد ، وعن طواعية منا سيكون التحرر ؛ وعن طواعية منا ، وبأيسر طاقة ، نسترد عقولنا ونزاحمهم فيما ذهبوا إليه من تفسير ، وما أولوا من تأويل ، وسيكون لرأينا في هذا الزمن الرجحان لأنه زماننا وأما الإقطاع فقد زال من الشرق إلا آثارا ، وهذه ذاهب بها لا محالة ما يجري الآن في الشرق من حرية في العمل ، وسهولة في التقنين ، واستعداد العقول للقبول .
والطباعة التي كانت غير معروفة في أول تلك النهضة الغربية ، ثم اكتشفت ، فسارعت من خطاها ، هي اليوم في متناول الشرق ، لا بأبخس الأثمان فحسب ، بل على احسن ما ابدع المبدعون . والورق لا حاجة إلي ابتداعه كما احتاج الأولون . فنهضتنا هذه الحاضر قد تهيأ لها من اسباب النجاح ما لم يتهيأ لتلك النهضة الأوروبية الغابرة .
ولنا في هذه النهضة سبيلان ، كما كان لهم فيها سبيلان ، إحداهما قديمة والأخري حديثة . أما السبيل الأولى القديمة " فاحياء العلوم . وقد قصد الأوروبيون بهذا اللفظ إحياء علوم الرومان واليونان كما قدمنا ؛ ونقصد به نحن إحياء علوم العرب ، وعلوم مصر إن كان للمصريين الأقدمين
علوم باقية تحيى . وبالإحياء نقصد كسر هذه الأغلال عن تلك الذخائر ، ونفض التراب عنها ، وترتيبها وتنظيمها ، وتنجيرها ، حتى وحلها ثم تركيبها ، حتى تخرج على طراز يلتئم وأطرزة العصر ، وعلى اسلوب ينسجم وأفهام هذه الأيام . إن " دار الكتب " المصرية اشبه اليوم شيئا بالمتاحف لا بدور الكتب ، وتلك الأرفف الكثيرة العديدة التي بها أشبه شيء بخشبات الموتى . وقد درجت الدار حديثا على طبع كتبها فخرجت على ورق أبيض بعد آخر اصفر " وصقيل بعد آخر أخشن ولكنها بذلك لم تفعل إلا أن غيرت الاكفان القديمة السمراء البالية بأخرى جديدة بيضاء زاهية . إن الذي تريده ، ويريده عصر الإحياء " إحياء العلوم القديمة ، هدم هذه البيوت الأثرية الفكرية العتيقة ، وبناء أبيات جديدة من لبناتها ، لا ليسكنها راعي الشاة وراكب البعير ، ولكن ليسكنها صاحب المغزل المكني وراكب الطائرة.
وذاك العلم القديم ليس فيه خطير إلا ما كان ادبا أو دينا ، وبكليهما نفخر . ومن كليهما نود ان نغترف ونرتوي . ولكنا نريد ان نرتوي ، لا ارتواء الرجل البدائي الذي ينبطح على الأرض ليصل بفمه إلى غدير الماء . ولكنا نريد أن نرتوي بالأنابيب والصنابير . ولا نريد أن نرتوي الماء عكرا ولو كان ماء النيل ، ولو قيل في أوصاف العكر ومزاياه ما قيل .
نريد أن نعرف الدين بغير هذا الأسلوب العقيم ، وبغير تلك الحواشي وذاك الزيف . نريد ان يكتب الدين كما يكتب كتاب في الطبيعة والنبات . ونريد ان نراه مخرجا من أصوله الأولى تخريج منطق فنستبين به الحلال البين من الحرام البين ، ونتعرف به اين ينتهي الفرض ويبتدي الجواز ، واين الصدق فيه واين المين ، واين ما مصادره الله ورسوله وما مصادره أخلاف رفعهم العامة والعرف فوق مكان الله ورسوله . إن لدينا اليوم في الورق الأصفر دين لو اطلع محمد ) ص ( على جملته ، لاقشعر جسده من جملته ،
واستعاذ بالله منه على جموح في الفكر تارة ، وجمود في العقل تارة ، وعلي سذاجة من أطهار بلغوا حد البله ، فجروا بالدين مجراهم في الشعر والأقاصيص . والشعر ينشد للنغم ، والأقصوصة تروى لدغدغة الخيال . والدين ينشد لمناغمة العقول فيما تستطيعه ، ويروى للضرب على أوتار القلوب وهي صاحية فيما لا تستطيعه العقول .
فنحن نريد غربلة هذا الإرث الديني العظيم ، ونرفع ما راكمت عليه عصور الظلام الديني من كثلكة . نريد أن نقرأ عن حياة محمد في المائة من الصفحات ، وفي الثلاثمائة وفي الألف ، كتبا يتلقفها المسرع ، ويستمهل عندها المستمهل ، ويجلس لها الفاحص الدارس ونريد ان نقرأ عن حياة خلفائه وخلفاء خلفائه مثل ذلك ونريد أن نقرأ عن النظم الاجتماعية في الإسلام نظاما نظاما : وان نقرأ عن الأسرة والبيت ؛ وان نقرأ عن المعاملات صنفا صنفا ، والحقوق المدنية والواجبات واجبا واجبا ونريد ان نعرف ، ويريد كل طالب حديث ان يعرف ، من مالك ومن الشافعي ، ومن أبو حنيفة ومن ابن حنبل ، ومن غيرهم من اكابر الرجال واكابر العقول . ولكنه يريد أن يعرف كل هذا بلغة هذا القرن لا بلغة القرن السادس الهجري والعاشر ، وبلغة الدراسة في المكاتب لا لغة الحلقات في الأروقة ، وعلى اسلوب المقاعد عند التخت لا أسلوب التقرفص على الحصير . نريد أن نتعلم كل هذا بلغة الأزهر وأسلوبه في غده الزاهر القريب ، لا في أمسه الغابر البعيد . وما كان في أمسه إلا حميدا .
والأدب العربي ثروة عظمي لا يجحدها إلا الجاهلون ، والعربية من بعد لغة ابائنا من الأزل ، او هي على الاقل لغتهم من أكثر من ألف عام ، وفي هذه اللغة عصروا عقولهم ، وعلى صفحاتها اراقوا الدماء من قلوبهم . وهي دماء لا تزال تجري مجراها من عروقنا ، وينزف مثلها من قلوبنا فهذه الخزائن من تراث الأجداد نريد أن نفتحها
ونرتبها من جديد علي مثال ما رتب الفرنسيون آدابهم ونبوبها على مثال ما يبوب الإنجليز وامم الغرب أبوابهم . نريد ان نعرف من بشار ، ومن ابوفراس ، ومن البحتري ومن أبو تمام ، ومن الجاحظ ، ومن الثعالبي ، ومن ابن خلدون ، وألا نحال إذا طلبنا شيئا من ذلك إلي كتب شتى وموسوعات مطولة لنجمع مما نطلب نتفا من هنا ونتفا من هناك ، أو نحال إلي كتب هي للأفهام كالبندقة التي لا تكسر بين الأسنان .
تريد إحياء آثارنا القديمة وتهذيبها من دين وأدب وتاريخ ، وأن يكون إحياء تقوم به الدولة والأمة والجامعة والجامعات ، مقصودا لذاته ومتكزا عليه ، ومخططا له ، حتى نبلغ منه الكفاية . ونريد ألا تبني الخطبة فيه على تملق الجمهور ، ولكن تملق الثقافة ، والزلفى للنهضة ، وإن لم يكن من الجمهور رد فعل لها قريب .
فهذه السبيل الأولى لنهضتنا التي نرجوها - سبيل إحياء العلم القديم . أما سبيلها الآخر ، فسبيل العلم الحديث . ولن تجد نهضتنا في ذلك من العنت ما وجدت نهضة أوروبا في القرن الخامس عشر فالسادس عشر من ذلك . فالعلم الحديث عند ذاك لم يكن له وجود . فكان لا بد لهم من اختراعه . وقد قضوا في اختراعه إلي اليوم خمسة قرون . ومن محاسن هذه العصور التي نعيش فيها ان العلم فيها مباح لكل مقتبس . وقد اغنتنا هذا الشعوب الإنسانية التي شاء الله أن تسكن تلك البقاع الأوروبية ، أغنتنا مشقة الاختراع ، فما علينا إلا أن نغترف من بحرها الطامي بمقدار ما تحمل أوعيتنا . وسبيلنا في ذلك الترجمة . فعصر نهضتنا الحاضر مدموغ بأنه عصر ترجمة ، وهو يرغمنا كذلك . فنحن أمة بثقافتها قديمة ، صحت منذ سنوات لتجد نفسها وسط ثقافة جديدة لا عهد لها بها . وهي لازمة لعيشها . ولا بد أن تهضم هذه الثقافة بالنقل قبل
) البقية على صفحة ٢٣ (

