عبد الله فكري:
هذه ولا ريب نهضة مباركة أن يقوم شبابنا المثقف بتعريف الجيل الحديث بأعلام القرن الماضي، حتى تتم حلقات التاريخ، ويعتمد الحاضر على دعائم وثيقة من الزمن. وحياة الأمم تقاس برجالها وتاريخها وماضيها.
وليس الأستاذ محمد عبد الغني حسن غريباٌ عن قراء العربية، فهم يعرفونه أديباً شاعراً كاتباً، وقد أحسن الكتابة عن عبد الله باشا فكري، لأنه كان أديباً وكاتباً وشاعراً كذلك. فهذه المماثلة بين صاحب الترجمة وبين المؤلف هي في نظرنا السر في ظهور هذا الكتاب في هذه القوة وهذا الإشراق.
بيّن المؤلف نشأته ومولده، وتعليمه في الكتّاب، ودراسته في الأزهر، وصور حياة الأزهر في ذلك الوقت أحسن تصوير، ولقد كانت حياة العلم في الأزهر في القرن الماضي أفضل منها في العصر الحاضر بعد أن تقيد الطلبة بالمناهج، وتقيد الأساتذة بطائفة من الحصص. لقد كانت الحرية الواسعة التي يلقاها الأساتذة والطلاب في الأزهر القديم سر نجاحه ومصدر بروز بعض المتخرجين فيه. لقد كانوا يطلبون العلم للعلم وهو أفضل الغايات. تقلب عبد الله فكري في وظائف الحكومة حتى بلغ نظارة المعارف وهو مثال الموظف الأمين على وظيفته، الناظر في مصلحة الشعب، المخلص لعمله، فليتدبر من يقرأ هذا الكتاب من الموظفين في الحكومة ماذا تكون نتيجة الإخلاص للوطن
ولم تمنعه الوظيفة الحكومية على ما فيها من أعباء ثقال، وعلى الأخص في ذلك العهد العصيب من الناحية السياسية، الذي
ظهرت فيه حركة عرابي وانتهت بالاحتلال، لم تمنعه هذه الأمور كلها من التأليف وقرض الشعر.
وبعد، فهذه دراسة جدية بذل فيها المؤلف جهداً واضحا، ورجع إلى نحو ثلاثين مرجعاً أثبتها في صدر الكتاب مما يدل على التحقيق وسعة الاطلاع.
ونرجو إن يستمر الأستاذ عبد الغني حسن على هذا النمط، فيترجم لنا عن بعض الشخصيات الأخرى من أعلام الجيل الماضي، ليكون ذلك نبراساً يهتدي به شبان هذا الجيل.
