الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 335الرجوع إلى "الرسالة"

في المسرح

Share

١ -  فجع المسرح الفرنسي بل العالمي في الإخراج والتمثيل  بوفاة جورج بيتويف pitoeff وقد شارك بيتويف المجددين من  المخرجين الفرنسيين في فك قيود المسرح. فأتم هو وجوفيه    jouvetودولان DULLIN وباتي مسمي كوبو Copeau (ومن  قبله Antoine: في مسرحه الذي ثار فيه على الأوضاع المربوطة وأسم  المسرح  Le Vieux _ Colombier- والذي أحدثه هؤلاء النفر  أنهم أنزلوا نص المسرحية في المنزل الأول فجعلوه كالصورة المنصوبة،  وأخذوا هم يسلطون عليه الضوء من هنا والظل من هنا، من طريق  الإخراج والتمثيل، حتى يبرز للعين وخصائصه تكاد تجسدها اليد،  ودفائنه تتعلق بها البصيرة فتتصورها الحواس. وقديماً كان النص  كالعجين يعجنه المخرج والممثل على أهوائهما. ومزية بيتويف أنه  ذهب في الطريقة المستحدثة أبعد مذهب، وأشتهر بالبساطة  بل بالسذاجة، وقد كنت أمل أداءه أو الأمر حتى فطنت إلى  قوته المستترة وجلاله المتواري، فأدركت كم يجتهد الرجل (وزوجته  أيضا:LUdmilla في ساعات التدريب حتى يبرز للنظارة كأنه غائب  عنهم أو كأنه شبح يذهب ويجيء في عالم ثان. وكان بيتويف يختار  من المسرحيات أبعدها غاية وأدقها لمحة وألطفها وضعاً. فأدى فيما  أدى مسرحيات لأندرييف وتشيكوف الروسيين وإبسن النرويجي  وشكسبير، وأقدم على بيرندللو الإيطالي فأقام باريس وأقعدها إذ أدى    (ستة أشخاص يفتشون عن مؤلف)  ثم أقدم على رابندرانات تاغور فأدى   (رسالة أمال) . فشق بتلك المسرحيات الدخيلة  كوى ونوافذ في المسرح الفرنسي. وكان اعتماده على الجمهور  المثقف، على الخاصة، وكثيراً ما راعتني قلة النظارة في مسرحه،  ولكنه الفن الخالص، وبيتويف وأحزابه خدامه وسدنته. حتى  أن الرجل كان يؤدي المسرحية الواقعية البينة المعالم في أسلوب

يغلب عليه اللطف، رغبة في الإيحاء والإيهام؛ وهل المسرح  سوى هذا؟

٢ -  وأما الفرقة القومية عندنا فلا تزال تقول: إن جمهورنا  يريد كذا أو لا ينشط لكذا. بالله لم أنشئت الفرقة: ألتسلي  الناس أم لترفع قدر المسرح وتستدرج النظارة إلى تذوق الفن  الدقيق؟ إن في مصر عدداً من المسارح القائمة للتسلية وللترويج  عن النفس، والربح من وراء ذلك. وإن كان هذا غرض الفرقة  فلتهجر دار الأوبرة ولتقصد إلى شارع عماد الدين تنافس فيه  ما تشاء. وإنا لنبرأ بالفرقة أن يستهويها مثل هذا. ولكن ماذا  نصنع وهي تمنينا كذا وكذا ولا تصنع شيئاً. فإذا أصرت على  أنها خرجت إلينا بأموالنا لتخدم الفن فهل راجعت ما هي عليه  سائرة؟ هل نظرت في أمر لجنة القراءة التي تأذن في تأدية  مسرحيات موضوعة قد نفض لونها وأختل أتساقها؟ هل جعلت  لجنة من أهل الإطلاع والمعرفة تختار من المسرحيات الإفرنجية  ما له شأن؟ هل عزمت على أن تطلب المدد ممن وقف حياته على  فن المسرح؟ هل فطنت إلى إرضاء الخاصة؟ هل ذكرت أن  في أوربة ما يقال له:   (تأدية الشعر) representation poetique   وهي أن ينشد رجال الفرقة الحين بعد الحين قصائد ومقطوعات  في كذا وكذا من الموضوعات؟

أن في رجال الفرقة وفيمن أقصوا عنها بغير حق من يقدر  على معالجة الفن الخالص. فقد شهدت من سنوات   (أهل  الكهف) . ثم شهدت أو من أمس   (تحت سماء إسبانيا)  ، فرأيت إخراجاً حسناً وتمثيلاً صحيحاً؛ ولن أنسى مشهداً أجتمع  فيه زوزو الحكيم وعلام ومنسي فهمي وعباس فارس فتجلى الصدق  في الإحساس والتعبير، ومن وراء ذلك فتوح نشاطي. إلا أن  المسرحية نفسها ليست بآية، وهي أقرب إلى رواية سينمائية منها

إلى مسرحية، وذلك لما فيها من التأثير المباشر والحوادث النفاضة  فكيف يكون السبيل إلى التلطف في الإخراج وبث الأوهام؟ ولم  أر اسم المؤلف ولا عنوان المسرحية في لغتها على صفحات البرنامج  الذي دفع إلي وأنا أدخل إلى دار الأوبرة، وهذا غريب. وعلى  كل حال فإن في المسرحيات الإفرنجية ما هو خير وأعلى

وبعد فقد كتبت   (الرسالة ٣٣٢)  أن إدارة الفرقة   (وغيرها)   تسرف في بذل تذاكر الدخول لهذا ولذاك على حين أنها تضن  بها على الكتاب المقدمين والنقاد البصراء، فسألت من سألت  أن يتدارك الأمر. وبلغني بعد ذلك أن وزارة الشؤون الاجتماعية  جعلت للإسراف حداً عنيفاً. على أن التشديد هنا كالترخص؛ أفلا  نطلب الاعتدال؟ والوجه أن تعمل قائمة تدون فيها أسماء الذين  يدعون في الليلة الأولى la premiere وفيهم النقاد والكتاب . أما الممثلون فلهم أن يظفروا بعدد من التذاكر على ألا يدعوا  حلاقهم وطباخهم وبقال الناحية. . . إلا إذا كانوا من طلاب  الفن. ومتى أقول الفن الخالص؟

اشترك في نشرتنا البريدية