1- أرواح وأشباح : لعلي محمود طه 2- بيجماليون : لتوفيق الحكيم
من المصادفات الطريفة أن يصدر هذان الكتابان في وقت واحد ، وان يغترفا من معين واحد ، هو أساطير الاغريق .
والحق أن أدبنا متأخر في الاغتراف من هذا المعين الذي لا ينضب . فأساطير الأغريق كانت ولا تزال منهلا عذبا يرتاده أدباء الغرب ، وهي بطبيعتها طريق ممهد جلس خلالها الفكر الغربي فأخرج منها ثمارا تحمل طابعه ، ولا زال على الشرق أن يخرج منها ثماره التي تصطبغ بتفكيره الخاص .
أما الكتاب الأول فهو ديوان شعر ، لشاعر يحمل لواء التجديد ويرتكز على دعائـم ثابتة من اطلاع موفور وخيال خصب واسلوب شاعري ، وديوانه رحلة يعبر فيها شاعر بسماء آلهة الأساطير ، فتختلف عنده الظنون كما اختلفت عند آلهة اليونان ، فمنها من يراه حيواناً لا يطلب غير اللحم والدم كما تراه بليتيس الشاعرة :
تأثم بالفن حتى غوي
فمج الرحيق وذم الصباح هو الدم واللحم ما يشتهي
هو الخمر والمتعة الطارئة
ومنها من يراء روحاً جميلا كتابيس الراقصة :
نعم هو روح جميل الأهاب بنيل الرياح جناحي ملك
عرفناه . . لا شك هذا فتي
سيسلكة الفن فيمن سلك
وحتي الفن لا تكاد الآلهة تستقر على رأي فيه ، أهو حقاً يسمو بالآدمية ام إنه أعجز من أن يعلو بها لأنها بنت " ماء وطين " ؟
" يريد لها الفن أفق النجوم
فيقعدها جسم عبد سجين "
ويمضي الشاعر في ركاب الاله هرميس صعدا في السماء ، حتى يلتقي ببليتيس وسافو وتابيس ، وهن من نساء الأساطير ، منهن الراقصة ومنهن الشاعرة ، وعند تفكير كل منهن نلمس نزعة من نزعات التفكير الانساني في الكون والفن والجمال . وما أحسب أن الملاحم الشعرية قصة تلخص ، وإنما هي نشيد يتلي ، فيه الموسيقي وفيه الفكر ؛ وغاية ما يجب أن يقف عنده العرض ان يتأمل مدى ما في القصة من صياغة ومدى ما أفاد الشاعر من المورد .
ولقد استطاع الأستاذ على طه أن يقف بنا طويلا في سماء الآلهة ليسرد لنا على ألسنتهم وعلى ألسنة شخصيات الأساطير الأخري قصة الشاعر التي تملأ حياته هو فتبعثها إيمانا برسالة الفن يبدو في كل بيت يزهو فيه بمكانة الشاعر .
أما مسرحية بيجماليون لتوفيق الحكيم فهي الثالثة
فيما أعلم ، التي وضعت عن أسطورة بيجماليون وجالاتيـــــا اليونانية ؛ فالسرحية الأولى هي التي وضعها سير ويليم جلبرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وقد تناولها من ناحية القصة الظاهرة كما ترويها الأسطورة . أما الثانية وهي التي وضعها برنارد شو ، والتي اخرجتها للسينما شركة مترو جولدوين ، وعرضت في العام الماضي في مصر . وقد دار فيها شو حول فكرة الخلق على طريقته الساخرة ، إذ أخرج من فتاة الشارع سيدة راقية صنعها الفنان العالم ، واستخدم فيها قواعد العلم الحديث . ولكن شو الساخر أبي إلا أن ينتهي بجالاتيا الحديثة إلى الأرض والأوحال حيث بدأت ، فجعلها أضحوكة العالم وأضحوكة نفسها آخر الأمر .
وعند توفيق الحكيم انتهي الحال بجالاتيا إلي نفس المصير ؛ فقد خرجت من رأسه فكرة ومن يديه فناً ،
لتجحد فضله وتهرب مع ترسيس ، ثم لا تلبث أن تعود إليه .
والفارق بين قصة شو وقصة توفيق هو الفارق بين التفكير الشرقي والتفكير الغربي ، فتوفيق في هذه القصة يري في جالاتيا المرأة التي خرجت من بين جنبي الرجل
بيجماليون هو آدم ، وابتكار توفيق في القصة هو ذلك العرض الجميل لعديد الآراء والأفكار في الفن والحياة على لسان شخصيات الأسطورة عرضاً يبسط به التفكير الشرقي . وليس معنى ذلك أنه يسير وشو على طرفي نقيض كلا . بل إنـهما ليتممان الصورة .صورة التفكير في مظهرية المادي الغربي والروحاني الشرقي .
ولك أن تعود إلي القصة أيها القارئ لتلمس فيها جهد الكاتب في إبراز مشاكل الفكر في حوار رقيق رائع ، ولتحكم أن مسرحية بيجماليون تقفز من بين مؤلفات توفيق الحكيم لتقف جنبا إلي جنب مع مسرحيتية : أهل الكهف وشهر زاد . .
٣ - تاريخ الوقائع المصرية : للاستاذ إبراهيم عبده
هذا هو الكتاب الثاني الذي يصدره الأستاذ إبراهيم عبده هذا العام . وقد كان الأول عن تاريخ الصحافة خلال الحملة الفرنسية . أما هذا الكتاب فهو تاريخ الصحيفة الرسمية المصرية ، أو هو على الأصح صفحة من تاريخ مصر الحديثة ؛ فالوقائـع المصرية لازمت تطورات مصر الحديثة منذ عام ١٨٢٨ وسجلت فيما طرأ عليها من تغيير أهم هذه التطورات . وهذا الكتاب هو الأول من نوعه في المكتبة العربية . ولعل ذلك يدلنا على مقدار الجهد الذي بذله المؤلف في جمع شتات هذا التاريخ من المراجع المختلفة والوثائق المخطوطة
وقد حرص الأستاذ براهيم عبده على الصبغة العلمية في الكتاب ، فرتب بحثه ترتيباً علمياً ، وقدم له بنبذة عن
الصحف الرسمية التي سبقت الوقائع ، ثم تتبع تاريخ الوقائع منذ إنشائها في عهد محمد علي إلي اليوم ، مبيناً طريقة تحريرها وأثرها في الحياة الحكومية والحياة الاجتماعية والأدبية ، وأثر من تولوا تحريرها في توجيهها ، حتى وصل بها إلى العصر الحاضر ؛ ولم يغفل الناحية المادية من تاريخها ، فتناول ما طرأ على مطبعتها من تطورات .
ومع ما لهذا الكتاب من صبغة علمية ، فقد استطاع الكاتب بأسلوبه أن يجعل منه كتاباً عاماً يستطيع أن يقرأه غير المعنيين بهذه الدراسة على أنه ناحية طريفة من الثقافة التاريخية . وحبذا لو أضاف الأستاذ إلي هذا البحث بحثا مكملا يتم به تاريخ الصحافة ، فيتناول تطورات الصحافة بعد الحملة ، إذاً لأتم بذلك دراسة ناحية هامة من نواحي النشاط التي تمخضت عنها نهضة مصر الحديثة .
