الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 185الرجوع إلى "الثقافة"

في المكتبة العربية :

Share

- الحب الضائع - للدكتور طه حسين بك

هذا العنوان لقصة أستاذنا الدكتور طه ، يضع القارئ في حيرة ، ففي القصة اكثر من حب واحد يضيع ، حب الزوجة وحب الحبيبة

وتقع حوادث هذه القصة في أعقاب الحرب الماضية ، وهي ترسم إلي جانب احداث القصة صورة واضحة لحال الأسر بعد الحرب ، الأسر المنكوبة التي تحصى ما تفتقد خلال الحرب في الوقت الذي يجني الدول ثمار الحروب بين مرة وحلوة .

أما الأسر فماذا تجني ؟ تجني الذكريات المريرة لأعز ما تملك من أبناء قد حصدتهم الحروب . تجني هذه الذكريات في كل ما تري ، وما تسمع ، وما تشهد ولا تزيد الأيام هذه الذكريات إلا ألما ومرارة

ويشاء الدكتور طه أن تكون هذه القصة على سياق قصته السابقة ) دعاء الكروان ( : فتسوق بطلتها ) مادلين قصة حياتها في حديث مشوق إلي مذكراتها ، ويستمع القارئ إلي هذه القصة وهي تروي ، ويأخذه الحديث حتى يصل إلي نهايتها وهو مأخوذ بالأسلوب الرائع لمحدث بارع . .

ومادلين هي الفتاة الوحيدة لأسرة فرنسية فقدت اثنين من أبنائها في الحرب ، وبقي لها اثنان هما مادلين واخوها

وتتزوج مادلين بشاب تلقاه في بيت عمتها ، فتعجب ولا تكاد ترزق طفلا حتى تشغل به " قليلا عن زوجها ويجد الزوج متسعا ليبادل صديقة للاسرة - هي لورنس أرملة واحد من ضحايا الحرب غراما عنيفا قويا لا تجدي معه مقاومة الضمير ، فهو لا يلبث أن يغلب العاشقين على امرهما ، وتكشف الزوجة التعسة الأمر عفوا ، فتشقي بما عرفت ، وترثي أول الأمر للعاشقين ، ثم لا تلبث أن تسخط ، ثم لا تلبث ان تهدم حياتها بعد ان تكتب لصديقتها لورنس رسالة دامية فيها العتاب العنيف والرئاء الرقيق ، وذلك الاستسلام المستضعف الذي لا تملك غيره المرأة العاشقة .

واتبع أستاذنا الدكتور طه يقص علينا ختام القصة فيقول : " وأصبح الناس ذات يوم وقد قرأوا في صحف الاقليم تنعي سيدتين اهدت كل واحدة منهما إلى الموت ، أو أهدت نفسها إلى الموت . وجعل الناس في المدينة إذا القي بعضهم بعضا يعلمون بهذا النبأ ، ويقول بعضهم لبعض : يا عجبا ، كأنما كانتا علي ميعاد " .

وهاتان السيدتان هما الزوجة المحبة والأرملة العاشقة ، هما مادلين الزوجة ، ولورنس الصديقة . ضاع حب كلتيهما ، في قصة الحب الضائع في صورتين من صوره .

وما هذا التلخيص بمعني القارئ ، فهو إجمال الهيكل الذي تقوم عليه القصة ؛ وفي القصة غير هذا الهيكل البناء القوي المتين ، فيها الالوان وفيها مواد البناء ، وفيها الصور المختلفة ، وكلها تثبت ما تتسع له اللغة والأسلوب من وسائل اداء الأدب الحديث ، وما يمكنهما أن يؤديا من أغراض توفرت في الأدب الأوربي . وإنما أردت أن أشير إلى الناحية التي اختارها الدكتور طه في

قصته ، فقد ساق القصة في جو فرنسي ، وهي قصة المجتمع في كل بلد ، وقد لمس فيها داء تسلل إلى الأسر في كثير من الأحيان ؛ فمادلين قد تكون أي زوجة ، وهي من غير شك كل زوجة تشغلها شئون الحياة والولد ؛ ولورنس هي واحدة من النساء اللواتي تنتزع الأقدار عناءهن ، وتخلقهن سحبا تلوح في حياة الأسر ، قد تعبث احيانا بصفائها دون أن تدري ، أو قد تدري ، ولكنها لا تملك رد ما تسوقه على يديها الأقدار ؛ فهي كما يقول عنها الدكتور : " تلقي من قوة الإرادة وضعف الغريزة أشد العذاب ولكنها مع ذلك ، هي دائما التي تقود المأساة إلي حياة الأسر الهادئة الوادعة

مثل لورنس كثير ، ومثل مادلين كثير ، والقصة إذا صورة من صور المجتمع ، وإن كان الدكتور لم يحل موضوعها مكان الاولوية من الحديث ؛ ومثلها في ذلك مثل ماثلاها من قصص قصيرة ، هي فيما اعرف أول قصير يعرضه الدكتور في كتاب ، وقد تكون لنا عودة إلي هذه القصص على حدة ، على اعتبارها لونا من الوان الادب القصصي ،بمثل ناحية واتجاها في الأدب القصصي .

٢ - قال الراوي

" أنت تكره هذا وتفر منه ، وكثيرا ما يخيل إلينا ان الموضوع يدفعك إلى التأنق لأن طبيعته تقتضي هذا التأنق ، ولكنك تأبي عليه هذا الذي يردك عليه ، ويكون بينك وبينه صراع يحس الفنيون عنفه

بصور الدكتور طه حسين بك بهذا الرأي ، الذي يورده في مقدمته لكتاب الأستاذ محمود تيمور الجديد " قال الراوي " ، الاتجاه الجديد في أدب تيمور . فالذين قرأوا لتيمور مجموعات قصصه الأولى ، وأحسوا ما فيها من سهولة وببساطة ، يلمسون حقا ذلك الصراع الذي يتحدث عنه الدكتور طه فيما صدر عن تيمور من قصص خلال الأعوام الأخيرة .

ذلك الصراع الذي يفرضه النضح الفني والأدبى ، حين يتمكن الفنان من مواد عمله ، وتصبح ريشته طوع بنانه ، فينصرف جهده إلي المحسنات ، ويعتني بالتفاصيل متفرقة ، بعد ان كانت غاية جهده ان يبرز الوحدة مجتمعة ، هو طابع قصص تيمور الجديد ؛ فنحن نجد عنده الان شخصيات كشخصيات قصصه القديمة ، وتجد عنده مواضيع منتزعة من صميم الحياة ، كمواضيع قصصه القديمة أيضا .

ولكننا مع ذلك نحس الفرق واضحا بين عم متولى مثلا في مجموعة " قال الراوي " وبين " الشيخ عفا الله " التي صدرت منذ ستة أعوام ، كما تحس الفرق واضحا بين قصته " العودة " من مجموعة " قال الراوي " وبين قصته " اليتيمة التي صدرت مع قصته الشيخ عفا الله في مجموعة واحدة

ذلك الفرق بين صورة " الشيخ عفا الله " و " عم متولى " ان الأولى صورة رسمتها يد فنان بذل وقته في إخراج الصورة ، وان الثانية رسمتها يد فنان رسم الصورة في وقت أقل من سابقه ثم تفرغ للصقل . . القسمات الواضحة في الصور الجديدة ، اليد التي كفت عن الاهتزاز ، واخذت تتألق في رسم الخطوط ، وفي انتقاء الالوان ، وفي تهيئة الجو

كذلك في مواضيع تيمور نلمس هذا الفرق ، فمع أن الحياة ظلت هي المورد ، فإن ريشته أضحت ذات أثر في إبراز هذه الحياة ، وفي إبرازها أكثر صقلا .

الشئ الثاني الذي يلحظه القارئ لمجموعة الأستاذ تيمور الجديدة انها تحتوي ثمانية عشر قصة ليس بينها قصة غرام عنيف واحدة . . أو حتى شبه عنيف .

هل سر ذلك ان هذه القصص كما يقول الاستاذ تيمور " للنشء والأسرة " ؟ أم أن السر هو نفس السبب : ان تيمور قد وصل

إلي مرحلة من النضج جعلته يري من صور الحياة ألوانا أكثر عمقا من ألوان الحب والهوي .

الذي نعرفه أن تيمور واقعي في قصصه ، وأن نزعته الساخرة في كتابته هي أثر من أثر طابعه الواقعي ، وليس العكس . وإنما كانت قصص تيمور الوجدانية التي نشرت قبل اليوم محاولات تجري مع طابع العصر ؛ وهو اليوم ، حين أضحت القصة لونا معترفا به من الوان الأدب وفنا قائما ، يستغني عن هذه المحاولات . . ويري الحياة كلها مواضيع صالحة للفن

هذه الظاهرة نلمحها اليوم في اتجاه غالبية القصصين ؛ وإنما يجدها عند تيمور أكثر وضوح حالا لأنه لم يكن وجدانيا في يوم من الأيام ، فهي إذا أكثر صدقا عنده ولعل ذلك هو السر في أن شخصياته ومواضعيه اكثر حرارة وصدقا من كثير عما تقبض ( سوق القصة القصيرة في هذه الأيام .

اشترك في نشرتنا البريدية