الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 191الرجوع إلى "الثقافة"

في الميزان الجديد، الشعر المهموس، ٢ - " يا نفس" لنسيب عريضه

Share

وتنتقل إلي فرض آخر يودعه الشاعر صورا جديدة ؟

أعشقت مثلك في السماء .. اعنتا نحن إلى اللقاء

فجلست في سجن الرجاء .. نحو الأعالي تنظرين

وهنا للأسف تمس الأغراب وتلمس المعاني البعيدة والصور المقتسرة " فالجلوس في سجن الرجاء "  ليس من الشعر القريب الحبيب إلي النفس ، ولكن لنعد عن ذلك إلي ما يليه ؛

لوحت باليد والرداء .. لتراك لكن لا رجاء

لم تدر أنك في كساء .. قد حيك من ماء وطين

وننظر فإذا بالصورة الجميلة المألوفة " لوحت باليد والرداء" تتجسم امام ابصارنا ، وبذلك ترفع من سقطة البيت السابق وإن كنا لا نلبث ان نقع في سقطة اخرى ، هي ذلك " الكساء الذي يحاك من ماء وطين " فالكساء لا يحاك من ماء وطين . والصور لا تصدق إلا إذا كانت ممكنة في الواقع إن لم تنتزع منه فعلا

أتحول دونكما حياء .. لو كان يبلوها الاله

لبكي علي بشر براء .. رحما يصارعها الجنين

وهذا استمرار لفكرة النفس السجينة التي لو بلا الله أمرها لأخذته بأصحابها الشفقة فبكى ، والنفس في الجسم تصارعه كالجنين في الرحم . معنى بعيد وصورة بعيدة وإن لم تخل من قوة .

يا نفس انت لك الخلود .. ومصير جسمي للحود سيبعث عينك فيه دود .. فعلام لا تترفقين ؟  

والآن إنتهي الأفكار الفلسفية وما جرت الشاعر اليه من صور بعضها قوي موفق وبعضها مقتسر بعيد ، وذلك لما في طبيعة شعر الفكرة من مجازفة خطرة لم يسلم منها أحد من الشعراء فيما اعتقد ، حتى ولو كان الشاعر شيلى أو قليري

ولكننا لا نكاد نصل إلى الإحساس الخالص والصور التى تصاغ للعبارة عنه حتى نري في نسيب عريضة شاعرا كبيرا .

يا نفس هل لك في النضال ..  فالجسم أعياه الوصال

حملته ثقل الجبال .. وردلته لا تحفلين

عطش وجوع واشتياق .. أسف وحزن واحتراق

يا ويح عيشي هل تطاق .. نزعات نفس لا تلين

وتمر من الإحساس إلي الصور العاطفية فيبلغ الشاعر قمة المجد .

والقلب وا أسفي عليه  .. كالطفل يبسط لي يديه

هلا مددت يدا إليه  .. كالأمهات إلي البنين ؟

ها هو الشاعر قد انطلق نفسه وتحركت حياته كلها . وتسبب عريضة من أولئك المجاهدين الذين نزحوا إلي العالم الجديد يجالدون في سبيل الحياة ، وفي قسوة تلك المجالدة ما لا يترك لهم راحة ولا سبيلا إلى الأخذ من لذات الوجود بنصيب . مأساة خليقة بأن تنطقهم بأنبل الشعر ، ونسمعه فإذا هو كخير ما نعرف من شعر روماتيكي ونقصد بالروماتيكي لا شعر أولئك الشعراء الصغار الذين اتخذوا من الرومانتزم مذهبا أدبيا يتصنعون فيه النحيب ,بل كبارهم الذين صدروا عن حالات نفسية صادقة

ثم أي بساطة مؤثرة في هذه الصورة الجميلة : صورة القلب الذي يبسط يديه كالطفل ، والشاعر الذي يرجو نفسه المأخوذة بروعة الجهاد والتحليق في عالم المثل " ان تمد إليه

يدا بالأمهات إلي البنين) صورة ساذجة ولكن كم فيها من إنسانية ! كم فيها من جمال ! كم فيها من قرب إلي النفوس ! وتستمر الصورة :

غذيته من القطام .. وحرمته ذوق الغرام

وصنع شيخا من غلام .. يحبو على باب السنين

ومن منا لا تهزه هذه الصورة الأخيرة . صورة الغلام الذي جعلت منه النفس القاسية شيخا يحبو علي باب السنين ولما يلج أبوابها .

فغدا كحفار القبور .. العواصف في الصدور

ويبيت يهتف بالثبور .. يشكو إليك وتشمتين

وهنا يجب أن نقف عند البيت الأول . فالغلام قد اصبح كحفار القبور ، وهذا تشبيه يقبض النفس ويهز كيانها والحفار يشد العواصف ، بشدها ، وإذا فهي لا تكاد تنمو بل لا تكاد تظهر حتي يسارع بها إلي الدفن حية ، كما كان العرب بئدون بناتهم صغاراً ، والعواصف شئ قوي مدو ، لأنها شهوات القلب المكبوت الذي يهم بالإنفجار كما طال به الضيق . أليس في وأد العواصف قوة الشعر ؛ وهو يئدها في الصدور .

أعمي تطاعنه الشجون .. وجراحه صارت عيون

وبها يري سبل المنون .. فيسير سير الظافرين

ولقد يكون في مطاعنة الشجون واستحالة الجراح عيونا يسير بها الشاعر في سبل النون سير الظافرين - الذين يعتبرون الموت غنيمة - من القرة ما يكاد يمس المبالغة البعيدة او تكلف الأداء ، ولكننا مع ذلك لا ننفر من الصورة .

حتي إذا اقترب السراد .. تعلقي رؤاء بالسواد

فيعود أعمى لا يقاد .. إلا بعكاز الحنين

وهو رغم إحساسه بالظفر لا يلبث عندما يصل إلي

نهاية الشوط أن يضطرب بصره فتطلي رؤاه بالسواد ، وقد عاوده ضعف البشر فاذا به يقاد بعكاز الحنين ؟ وهذه حقائق نفسية صادقة رغم ما حولها من ضباب الشعر ، وفي طرق أداتها بساطة جميلة وبخاصة في " عكاز الحنين " يتكئ عليه متحسا سبيلة ، ونحن إذا جمعنا بين هذه المقطوعة وسابقها استطعنا أن نفهم إسرافه في الأولى ، إذ تدرك ما يرمي إليه من إظهار المكابرة التي تموه ما فينا من ضعف

يتلمس النور البعيد ..  بأنامل الفكر الشريد

ويسيل من فمه النشيد ..  سيل الدماء من الطعين

في البيت الأول صورة دالة . صورة الشاعر وهو يتلمس النور البعيد بأنامل الفكر الشريد ، تجسيم جميل يتركز في " الأنامل التى تتلمس "  وفي البيت الثاني يتحدث الشاعر عن نشيده ، ولكنه غير حديث شعرائنا عن قصائدهم الخطابية السقيمة . فالنشيد يسيل من فمه كما نسيل الدماء من الطعين . يسيل لان الشاعر يتالم ، لا لانه يريد أن يخلع الخلود على عباد الله ، أو لأن الآلهة قد اختصته مملكة الشعر

أرأيت بيت العنكبوت .. وذبابة فيه تموت

رقصت على نغم السكوت .. ألماً فلم يغن الطنين

فكذاك في شرك الرجاء .. قلبي يلذ له الغناء

ماذاك شدواً بل رثاء .. يبكى به الأمل الدفين

ويذا يحدثنا عما تحسه في نشيده : صوت الألم . رثاء يبكي به الأمل الدفين . وأخيرا نعود إلي الفكرة فإذا بالروح تصعد

يا نفس إن حم القضاء .. ورجعت أنت إلي السماء

وعلى قميصك من دما .. قلبي فماذا تصنعين ؟

ضحيت قلبي للوصول .. وهرعت تبغين المئول

فإذا دعيت إلي الدخول ..فبأي عين تنظرين ؟

وتعود الصور وقد بعدنا عن حياتنا الأرضية فنرفع

من استواء الفكرة كما قلنا " فالدم على قميص النفس " " والعين التي ستنظر بها إذا دعيت إلي الدخول أمام الله " كل هذه صور قريبة تزيد من روحانية هذه الخاتمة الجميلة ، وتقوي من احساسنا بذلك الصراع العنيف الذي يدور بنفس الشاعر وقد القت به الحياة إلي الجهاد المستمر .

والآن قد يتساءل القارئ : لم استطاع شعراء المهجر ما لم يستطعه غيرهم ؟ وجوابي هو : لأنهم قد يكونون من بلاد تحرك مناظرها الجبلية من الخيال ما لا تحركه السهول ، ومن جنس (1) يشهد له التاريخ بالنزوع إلي المغامرة والتوتب ، ثم إن غربتهم بأمريكا وكفاحهم من أجل الحياة قد أرهف حسهم وقوي من نفوسهم .

وأخيرا - وهذا هو السبب المهم - لأنهم قوم مثقفون ، قد امعنوا النظر في الثقافات الغربية التي لا غني لنا اليوم عنها ، وعرفوا كيف يستفيدون منها بعد ان هضموها في لغاتها الأصلية . فهم إذاً ليسوا كأولئك الذين يسرفون في الغرور عن جهل وكسل ، ظانين ان الأدب في متناول كل إنسان وأن كل كلام منظوم هو شعر . الثقافة هي التي تشع في ألفاظ هؤلاء الشعراء ، وإنك لتقرأ الجملة لهم فتحس أن خلفها ثروة من التفكير والإحساس

اشترك في نشرتنا البريدية