الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 194الرجوع إلى "الثقافة"

في الميزان الجديد، ١- نداء المجهول، والأدب الواقعي

Share

لست أريد أن أتعجل القول عن تيارات أدبنا الحديث ، لأني شديد الحذر من كل تعميم لا يصدر عن استقصاء ، وها أنا اقصر مقالاتي علي كتاب واحد لكل مؤلف ، ومع ذلك فإنني كلما عاودت النظر في الكتب الأخرى لأدبائنا الذين اتحدث عنهم وجدت اننا لا نبعد كثيرا عن الصواب عندما تحاول استخلاص اتجاه كل منهم من الكتاب الذي ننقده ، بل أظن أنه باستطاعتنا أن ترسم منذ اليوم تخطيطا عاما لمذاهب ادبائنا مرجئين التفاصيل إلي المقالات التالية أو إلي كتاب نرجو أن نعالج فيه تاريخ أدبنا الحديث منذ نصف قرن لنري أصوله ومصادره ومدارسه

وللنظرة الأولى يبدو ان لدينا في القصة : الاتجاه التاريخي الذي ابتدأه جرجي زيدان وجاء فريد أبو حديد فجدد من معناه وحدد من وسائله وأوشك ان يخلقه خلقا جديدا في " الملك الضليل و " زتوبيا " وتبعه في ذلك شاب ينبعث عنه الأمل هو على أحمد يا كثير كاتب " اخناتون ! وسلامة النفس وجهاد التي نالت إحدي جوائر وزارة المعارف ؛ والقصة التحليلية تمثلها " سارة للعقاد ، ثم أدب الفكرة الذي يصدر عنه توفيق الحكيم ، ومنحي طه حسين الذي يتميز بموسيقاه وتدفق عواطفه ، وأخيرا لدينا الأدب الواقعى الذي برع فيه محمود تيمور

وهذه بعد اتجاهات عامة لا نزعم ان بينها فواصل قاطمة ، فقد يكون في القصة التاريخية تحليل دقيق ، وقد يكون في أدب الفكرة شخصيات واقعية وقد يجتمع النفاذ النفسي إلي انهمار الإحساس ، بل قد لا يخلو واقع تيمور من نغمات

الشعر ؛ ولكنني رغم ذلك مطمئن إلي هذا التقسيم إن لم يكن بد من التحديد العام . وانا أري بعد فيه نغما ، إذ قد يساعد الكتاب والقراء علي التحمس لهذا المذهب أو ذاك والدفاع عنه والاقتتال في سبيله ثم مما يجدد ادبنا ويوضح سبله .

وها أنا اليوم أعرض " نداء المجهول كنموذج دقيق للأدب الواقعى ، وانا اقدر ان القارئ قد يصيح بي : رويدك لقد ضللت الطريق . فنداء المجهول ليست قصة واقعية ، وكاتبها وإن يكني قد عرف بقصص الواقع فقد تحدد فنه وكتب هذه القصة من نوع جديد . هذه قصة اسرار قصة مغامرات ، نداء المجهول . فأين هذا من الواقع ومتي كان المجهول واقعا ؟

وإنا اعرف هذا الاعتراض وقد سبق ان قرأت قصص تيمور الأخرى ، إن لم يمكن كلها فمعظمها . ومع ذلك أصر على ان نداء المجهول قصة واقعية وان محمود تيمور لم يتغير ولم يتجدد ولا تنكر لماضيه. فله هو هو ، وأسلوب الرجل هو الرجل نفسه . ولننظر في ذلك

وأول ما يطالعنا من تلك القصة هو أنك لا تستطيع أن تلخصها في جملة ، فهي غير  بجماليون المبنية علي فكرة التعارض بين الفن والحياة وتحريك الشخصيات كرموز لعلاج تلك الفكرة ، وهي غير دعاء الكروان " التي تجد فيها كل شئ الشعر في صوت الطائر ، ووصف أخلاق الريف المصري في ليالي العمدة ، والدراما في قتل هنادي ، والقصص التحليلى في غرام امنة بالمهندس وأما وحدة القصة فأوضح ما تكون في موسيقى المؤلف وسحر أسلوبه .

نداء المجهول يهو شحبت به عدة صور ولكنها صور ليست ساكنة فهي تتحرك ملائمة بين حقائقها النفسية وما سبقت إليه من مغامرات . أتريد ان تعرف تلك الصور ، بل أن تعرف أصحابها وتتميزهم من بين الناس كافة ؟

دعنا من الراوي فهو المؤلف نفسه ، وما لنا نقسو على الكاتب فنطالبه بأن يخرج عن حياته فيرسم لنفسه صورة لان مصادقات الحياة قد ساقته إلي ان يكون احد

أبطال الرواية ، وانظر إلي زملائه : فالشيخ( عاد ) صاحب فندق في لبنان قد " تعود أن يظهر أمامنا بملابسه الشرقية البديعة . القفاطين الوطنية ذات الألوان الزاهية والجيب بالجريرية الفضفاضة الموشبة بالقصب . دائما دائما بالابتسام (؟) يروح فيها ويغدو بمشبته المتزنة الهادئة ووجهه الصبيح مشرق فتخاله سلطانا من سلاطين ألف ليلة " وأنا أعترف مع القارئ أنه لو اتفق لي أن ذهبت إلي لبنان وبحثت عن الشيخ(عاد ) بين أصحاب الفنادق ما استطعت أن أتميزه لان الكثيرين منهم يلبسون القفاطين الوطنية ذات الألوان الزاهية والجيب الحريرية الفضفاضة الموشية بالقصب كما يتسمون بوجوه سمحة فيشبهون سلاطين ألف ليلة ومع ذلك فلنغتفر للكاتب إهماله في عدم تدقيق البصر وتمييزه للشيخ ( عاد ) بشيء يفرق بينه وبين غيره . ولعل للراوي عذره ، فهو معجب بالشيخ ( عاد) لأن الرجل " حار الحديث ، غاية في السماحة وكرم الضيافة " وهو بعد قد دل في القصة علي شجاعة نادرة وروح كامن للتضحية بل والمجازفة النبيلة . وفي هذا ما يدعو الكاتب بلا ريب إلي أن لا يري فيه غير كل جميل ، في روحه وفي ملابسه . والفاظ الجمال عامة لا تحديد فيها وهي ليست من الواقعية في شيء كثير .

لنترك إذا الشيخ ( عاد ) فصورته ممحوة المعالم وقسماته الروحية لا تجد لها في نفوسنا مستقرا من اللحم والدم ، ولكن لننظر إلي نزلاء الفندق الذين اشتركوا في " الحكاية " فثمة " رجل سوري مترهل الجسم له رقبة مجعدة ناحلة كرقبة النسر الهرم اسمه " كنعان " يدعي أنه أستاذ للتاريخ في دار الفنون ب " استانبول تراه دائما في الحديقة حيث يفترش العشب الأخضر ويتوسد حزمة من الهشيم ويمضى يدخن " النارجيله في اطمئنان . وهذه صورة بل لوحة لا يمكن ان يخطئها احد . وهبنا لاقينا الرجل بحديقة الفندق أنحسب أننا لا نعرفه للحظتنا ؟ وهل بعد " رقبته المجعدة الناحلة كرقبة النسر الهرم " من امارة مميزة

هذه قسمة من الواقع . طوبي لمن يقع على مثلها ، ما احدها ملاحظة وما أقواها عبارة ! وكنعان " يدعي " أنه أستاذ للتاريخ في دار الفنون ب استانبول ولقد يكون هذا صحيحا لأن الراوي لم يجزم بشيء ، ونحن أيضا لا نستطيع أن نجزم بشئ ، ولكن كنعان على أي حال أستاذ " فريد " " أصيل " متفقه " شخصية تدعو إلي الابتسام ، وقد عالجها المؤلف في عبث Humour نافذ ألا تراء يقص علينا كيف أن " حبيبا " الخادم لا يجد حرجا في أن يأخذ من الأستاذ كنعان صحفه خلسة . ولم لا و " حبيب " يلاحظ أن تلك الصحف تطل في لفائقها أبد الدهر ، وان الأستاذ عند ما يضيق بها ذرعه برصها تحت السرير لتكون طعمة الفيران لا شك أن " حبيبا  مصيب عند ما يري أنه أولى بها من الفيران . ولقد يتحدث الراوي مع الشيخ عاد و مس ابقالس " السيدة الانجليزية التي سيأتي ذكرها عما قريب عن قصر حديث منحوت في الجبل ، فينحي الأستاذ كنعان فمه عن مبسم الترجيلة ويقول : " كان بجدربكم أن تسألوني في هذا الأثر العظيم ، إنه من بقايا الرومان ، وعمارته بيزنطية بحتة ، والذي شيده الأمبراطور يونان . . " فنبتسم لهذا العلم الغزير الذي يجمع بين الرومان والطراز البيزنطي وأمبراطور يونان ، ولا عجب ، فالأسناد كنعان مثال خالد للعالم المتفقه المغرور الكسول المضحك ، الأستاذ كنعمان هو ما يسمونه بالفرنسية Cuistre لوصف مثل هذا الأستاذ الجليل ، وابتسامنا من الأستاذ كنعان لا يلبث أن ينقلب ضحكا صراحا عند ما نراه يحدث الراوي عن تلك المنطقة الجبلية

- إنك لو سألت حصباء هذا الوادي ، واستجوبت صخور ذلك الجبل ، لروت لك ما عاينت من مشقة في بحثى واستقصائي ، أنت تجهل بلا ريب أني أعد محاضرة في طبقات أرض هذه المنطقة وأطوارها في التاريخ ،

- بحث ممتع بلا ريب !

ولكنه متعب يا ولدي ! أتصدق أني قضيت ليلة

أمس لم يغمض لي جفن ، وأنا مكب علي أوراقي وكتبى والقلم لم يبرح يدي لحظة ؟

كان الله في العون

والآن أنا في حاجة إلي التمدد قليلا في الحديقة . أليس لأبداننا علينا حق

أي سخرية في هذا الحوار الممتع ؟ وأي صدق في تصوير هذا الغرور الملتوي ، وذلك التواضع الكاذب هذا حوار كاتب كبير . وتصل مهزلة الأستاذ كنعان Tarceالذي يحدثنا الراوي نفسه بأنه عالم كبير . . إلي غايتها عندما يتفق الجماعة على السير إلي الجبل لاكتشاف " القصر المسحور " المنحوت في الصخر ، ويأتي الصباح والقافلة تنتظر الأستاذ كنعان على باب الفندق ، والأستاذ لم يظهر بعد . وقالت "مس إيفالس : نذهب إليه . . وقصدنا إلي حجرة " الأستاذ كنعان " ، فراعنا صوت غريب يتجاوب في أرجائها ، فأنصتنا فإذا به غطيط مزعج يعلو ويهبط في نغمات ساذجة ، وفي حشرجة سقيمة ؛ فتقدم " الشيخ عاد " ودق الباب ؛ فلم يجبه إلا الغطيط ، وتابع دقه والنائم على حاله يملا الجو بصوته الكريه وانفاسه الجافة .وأخيرا تقدمت ( الراوي ) تعاون الشيخ في دق الباب . ولكن لا حياة لمن تنادي ! وقامت بي رغبة صادقة في استطلاع سر هذا الغطيط غير الطبيعى . فاستأذنت صديقتي وصديقى وجعلت أنظر من ثقب المفتاح . فإذا بي أري " الأستاذ كنعان " جالسا علي سريره يتميز غيظا وهو منهمك في إرسال غطيطه العجيب ، يوهمنا ، أنه مستغرق في نوم عميق . فرفعت رأسي وأشرت إلي " مس إيفانس " أن تنظر ففعلت ، ثم أشارت هي إلي " الشيخ عاد " أن ينظر ففعل . . وتبادلنا النظرات المصحوبة بالابتسامات ، وتركنا المكان نمشي على أطراف الأصابع ولو أنني رأيتهم في ذلك اليوم لاستغرقت في الضحك . هذه لوحة يجمع الخيال بين عناصرها فيضحك . الأستاذ كنعان الذي يتناوم بل ويغط في نومه خوفا من

صعود جبل يعرف خصباءه ، وهؤلاء الاخوان الذين يرونه من ثقب الباب متربعا علي سريره يتميز غيظا وهو منهمك في إرسال غطيطه العجيب ؟ ثم منظرهم وقد تبادلوا النظرات المصحوبة بالابتسامات ، ويتركون المكان على أطراف الأصابع كي لا يوقظوا الأستاذ . أليست هذه صور من واقع الحياة كما إن شخصية الأستاذ كنعان وكل ما كان لها من أحداث أنموذج بشري صادق ، لو لم يكن في الرواية غيره لكفي لنعتبر من عيون الأدب الواقعى

فكيف بنا لو نظرنا إلي تلك الشخصية الأخري العجيبة ، شخصية " مجاعص دليل الرحلة إلي القصر ، تراه لأول مرة في حديقة الفندق ، حيث كان يجلس الراوي مع " مس إيفانس , وإذا " بحبيب " الخادم بشيء بقدومه ، ويسمح له بالمجيء ، وغاب " حبيب " هنيهة ثم عاد ومعه رجل منبسط القامة ، عريض الجوانب ، مكنز العضلات ، له شارب غليظ كأنه مصنوع من الأبنوس ، ورقبة كأنها الجذع العتيق . . ينظر إلينا نظرات حادة كأنه يزدرينا ! واقترب الرجل من " مس  إيفانس " وحياها ، فأحلت لقاءه ، ثم التفتت نحوي ( نحو الراوي ) وقالت وهي تتلطف في بسمتها : أقدم لك دليلي الذي اعتمد عليه في ارتياد هذه المنطقة . ودنا الرجل مني وصافحني في شيء من التحفظ ، وقال بصوت خشن وهو يفتل شاربه ، أو بالأحري يداعبه مزهوا : " محسوبك " مجاعص " ابن الجبل . . أعرف هذه الجهة ومخابئها وطرقائها كما أعرف أصابع يدي . . يمكنني - صيفا وشتاء - أن أسير في الليل كما أسير في النهار ، لا تعوقنى ظلمة ولا رياح ولا لصوص ولا ضوار ولا ونحن وإن كنا لن نستطيع أن نميزه عند ما نذهب إلي لبنان إن قدر لنا ذلك - بنفس السهولة التي ستميز بها الأستاذ كنعان ذا الرقبة المجعدة الناحلة كرقبة النسر الهرم ، إلا أننا فيما أظن سننجح في التعرف إليه ، وخصوصا  إذا ذكرنا أخلاقه ، فهذا المسكين رغم مكابرته الساذجة قد

أنتهى بأن أظهر علما واضحا عند ما وصلت الجماعة في رحلتها في الجبل إلي مقاوز مخيفة ، ولعل له العذر في ذلك فقد تكالبت عليه المحن فانهارت به الصخور مرة وجرح ، ولولا شجاعة ( الشيخ عاد ) الذي تدلي بالحبل لينقذه من الهاوية التي سقط فيها لمات ، ومع ذلك فقد انته به الأمر إلي الموت في سقطة اخري في القصر نفسه وفي ذلك اليوم لم نجد شجاعة الشيخ عاد شيئا ، فإنه عندما نزل بالحبل إلي الهاوية التي سقط فيها مجاعص وجده جثة هامدة ، مهشم الراس ، فعاد به ودفنوه ، وبللت " مس إيتانس " قبره بالورد ، وقد حزنا لموته لان الراوي نفسه قد حزن هو ورفيقاه ، إذ عثروا وهم عائدون ببغلتين كالمتين كانتا معهم في الذهاب ، واللتين اضطروا إلي التخفي فيهما لضيق المقاوز ، وتأملوا في البغلتين فوجدوهما محجلتين كيغلبهم ؛ ولكن أبي لهم أن يحزموا بشيء ، وهل كان

يستطيع أن يحزم بشيء كهذا غير المسكين مجاعص وقال الراوي : " صحيح ، هما محجلتان . . ولكن ليس هذا دليلا قاطعا . لو كان المرحوم " مجاعص بيننا لانقذنا من هذه الحيرة بالخير اليقين بالله ! بهذه الجملة البسيطة ، بهذه الحادثة الصغيرة استطاع الكاتب أن يحيي ذكري مجاعص في نفوسنا ، بل وأن يلونها تلوينا عاطفيا بالغ الرقة .

والآن لم يبقى في " البهو " غير حبيب الخادم و مس ايفانس وحبيب خادم ككل الخدم ، وإن كان مغرما بالقراءة وهذا نادر حتي بين الأسياد ، واما " مس إيغانس فبطلة القصة فيما يظهر ، وإن كنت عن نفسي لا أعدل " بالأستاذ كنعان " أحدا ، لا لأنه استاذ فحسب ، بل لأنه الأستاذ كنعان الذي سأراه دائما أمام بصري وسأبتسم ، بل قد أضحك كما ذكرته .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية