مس ايفانس سيدة انجليزية قليلة الكلام محبة للعزلة ، اتت إلي لبنان عقب أزمة نفسية أوحت إليها بفلسفة عارضا في الحياة ، تريد نفضه الآلم علي السطح . " كانت مثلنا تسعي للاستمتاع بتلك الزخارف البراقة حتي تكشف لها المجتمع عن حقيقته وبان لها زيفه وبهتانه . . وثقت بدنيانا هذه فأودعتها أعز ما تملك ، أودعتها قلبها ، ولكنها ردت اليها هذا القلب مطعونا . . . فكرت دنيانا . كرهتها !
حب خاب ، مأساة النساء بل والرجال منذ ان وجد الزمن وإلي أن يفي الزمن . . والنفس إذا حزت فيها الآلام حاولت أن تتمل بأي شيء ، بالمغامرة مثلا . وهذا ما كان ؛ " فمس إيفانس " قد سمعت بوجود قصر مسحور في الجبل وقد تسقطت أحاديثه فنزعت إلي السير إليه ، وكأن مجهولا يناديها منه نداء لاقي صدي بنفسها التي لم يعد بعمرها شيء ، فاتسمت لنداء المجهول ، ولا غرابة في ذلك ، فلا بد لكل قلب من شاغل ، إن لم يكن معلوما فليكن الجهول . وكونت مس ايفانس بمحض المصادفة قافلة صغيرة للبحث عن القصر ، أفرادها هم من ذكرت : الشيخ عاد ، وراوي القصة ، ومجاعص ، ثم هي . وساروا في رحلة شاقة تجدها في القصة ، حتى انتهوا إلي القصر ، وهنا قد يقول القارئ ولكن هذه مغامرة خيالية . أبدا ، فالقصر حقيقة واقعة بناه الشيخ " بشير الصافي " وكان رجلا عظيم السلطان علي بني قومه تؤازره عشائر شتي ، وكانت له مع الدولة العثمانية مواقف مشهورة . وكان الولاة يرهبون جانبه ويجاملونه ما استطاعوا ،
ويضمرون له الشر للايقاع به عند إمكان الفرصة ، ولكن فطنته وسعة حيلته جعلته يخشى أن يتنكر له الدهر ، فاختار مكانا في ركن يخفيه الجبل يصعب الاهتداء إليه ، وشيد فيه قصرا محصنا يعتصم به هو ومن معه إذا اضطرهم الأمر إلي الاختفاء . . " كان ذلك منذ زمن العثمانيين ، وأما الآن فقد آل القصر إلي حفيد الشيخ بشير ، إلي يوسف الصافي . ولقد كان لهذا الأخير قصة مؤثرة ، إذ أنه أحب فتاة وطلبها إلي أبيها ، ولكن الأب رفض وهم بتزويجها إلى رجل آخر ، ورغم حب الفتاة ليوسف ، واتفق الشاب مع حبيبته على أن يقتلها ويقتل نفسه ، وفعلا قتلها في ليلة زفافها ، وأما هو فقد ضعفت يده عن قتل نفسه ؛ ولئن شاع بين الناس أنه قد انتحر فان هذا لم يكن صحيحا ، إذ أنه هام على وجهه وما يزال يتخبط في بقاع الأرض حتي انتهي بالوصول إلي قصر جده ، وهناك أقام مصدر رعب لكل من يدنو من القصر يهيل عليه الصخور أو ينصب له الشراك حتى شاع وذاع أن القصر مسحور ، وكانت بالقصر حدائق دانية الجنان استطاع أن يحيا فيها يوسف ربع قرن بأكمله . وصلت القافلة إلي القصر بعد أن نجت من حبائل يوسف بحسن توفيق ، فقد شاء القضاء ألا يصيب خنجره منهم أحدا بينما استطاع " الراوي " أن يصيبه بطلقة نارية من غدارته وهنا أخذت مس ايفانس " تعني بأمر يوسف الجريح ويوسف يهذي فيناديها صفاء واهما أنها خطيبته التى كانت تحمل هذا الاسم ، وفي ذلك ما يحرك قلب " مس إيفانس " ويرتح خيالها ، حتى إذا شفي الرجل وتاب إلي رشده ، لم يعد يناديها بهذا الاسم الجميل ، وكأنه قد فطن إلي أنها غير حبيبته التي غادر الأحياء من أجلها ونحن بعد لا ندري ماذا أحست " مس إيفانس " عند ما عرفت تلك الحقيقة ورأت يوسف ينادبها ب " مس إيفانس " فهذه أسرار نضيفها إلي غيرها مما يملأ نفس مس ايفانس " وإن تكن كلها أسرارا واضحة . هل هي إلا فراغ النفس ؟
فراغها المؤلم . وايا ما يكون الامى فقد ضاقت " مس ايفانس ، بالبقاء في هذا المكان الموحش ، واصبحت تقول " إني أسمى هذه العزلة مرضا اجتماعيا . . لكل امرئ في الحياة رسالة يجب أن يؤديها لبني جنسه . فإذا نكص على عقبيه عد ذلك فرارا من الميدان وهذا تحول عجيب في فلسفة ) مس إيفانس ( في الحياة ، ولكن ألم أقل لك إن فلسفتها زيد نفضه الألم على السطح
وغادرت القافلة المكان عائدة بعد ان فقدت " مجاعص " ولكن مس ايفانس ظلت " تقضي وقتنا غير قصير تطيل النظر إلي الجهة التي يقوم فيها قصرنا المسحور وفي اليوم الثالث من الرحلة صحا الراوي من منامه واجتمع ب الشيخ عاد لتناول الفطور ، ولكنه لم يجد ) مس إيفانس " فسأل الشيخ عاد عنها فلم يجيبه بل اقتصر على ابتسامة " هادئة مديدة " فيها معني الاستسلام والاستخفاف بكل شئ . إلي أين ذهبت ؟ الم تفهم ؟ لقد استجابت لنداء المجهول الذي كانت تبحث عنه . عادت إلي يوسف إن لم يكن بد من الإفصاح ، وأما ما كان من امرها بعد العودة إليه فذلك ما ليس لنا به علم ، إذ ان الراوي ثم يحدثنا عن شئ بعد هذا ، ولي ولك ايها القارئ ، وسيكون للاجيال المتلاحقة بعدنا ان نفكر في مصير " مس إيفانس التي ستهز خيالنا لزمن طويل
ولعل القارئ يعود فيسألني : هل " مس ايفانس " هذه من الحياة حقا . أم هي خيال شاعر ؟ وانا في الحق لا أكاد أتصور هذه الفتاة العجيبة في وضوح ، لأن الراوي كان أيضا معجبا بها ؛ بل لقد داعب حبها قلبه فلم يمعن فيها النظر كما لم يمعنه في " الشيخ عاد ، وهنا تظهر حقيقة أدبية كبيرة ، تفسر لنا كيف ان الأدب الواقعي امعن في وصف الشاذ والقبيح الدال منه في وصف الجمال . فصفات الجمال كما قلت ألفاظ عامة كلها من نوع
الكلمات المبتذلة التى تلوكها ألسن . اليافعين واليافعات " فلان زي القمر " فلان زي البدر " وأمثال ذلك وهكذا يقول الراوي عن " مس ايفانس " وجلست على المقعد متمددة فظهرت معالم جسمها الفاتن . وحدقت في السماء بعينيها الصافيتين الزرقة اللتين تكشفان عن عراقة منبت وسلامة قلب " وهذه اوصاف جميلة موحية أجلها عن الابتذال ولكن هل أفادت تحديدا ؟ وهل في لغة الحياة تحديد . كم في العالم من " مفاتن جسمية ، وكم فيه من " أعين زرق صافية تكشف عن عراقة منبت وسلامة قلب " . ونحن نلتمس للراوى العذر ، فهذه مشكلة لا حل لها إلا أن تغير لغة البشر . وهو بعد قد تورط في التعلق " بمس إيفانس " حتى لقد اخذته الغيرة من يوسف . وإلي اليوم ما زالت افكر في الأثر الذي خلفته بنفسه تلك المغامرة .
نداء المجهول إذا قصة واقعية . واقعية في تفاصيل موضوعها . واقعية في طريقة قصصها . واقعية بشخصياتها . ولئن أحاط " إيفانس " جر من الشعر فإنه لا يستطيع ان يخفى ما فيها من حقائق نفسية ، فهي شخصية نفسية إن لم تمكن شخصية من دم ولحم . نداء الجهول واقعية بأسلوب ولتيمور اسلوب اصيل . اسلوب خطفات دالة موجزة مركزة موحية دقيقة ، أتريد أمثلة ؟ اذكر اسماء الأعلام وما فيها من بيان . الشيخ عاد والأستاذ كنعان ثم مجاعص . مجاعص بنوع خاص وما فيه من " جعاصة " تدعونا إلى الابتسام المشفق
وأخيرا صفاء وإن لم تخل من دهشة لاتفاق اسم " الصافي وصفاء " فقد تم في سهولة مسرفة كنت اود ان لو نجا منها تيمور . ثم اذكر جمله ولوحاته العديدة في القصة " ورأيت الشمس تنحدر الهويني في الأفق . وقد أخذ يبتلعها خضم الضباب القاني ( وقت الغروب في الجبل ) المترامي بأطراف الوديان الزاحف علينا مع طلائع الليل . "
أو لست تري المنظر أو لست تحس بزحف الضباب . أذكر " الرعاة بوجوههم الطويلة المشدودة البشرة " ثم تصور مجاعص وهو يحاول " إخضاع لقمة كبيرة حشا بها فمه ، وقارن صورته هذه بصورته أثناء الرحلة ( ومر بعد ذلك يومان أيضا وأوشك الزاد أن ينفذ على الرغم من تقتيرنا فيما نأكل منه ( فيما نأكل منه ، حشو هممنا بحذفه ) واعتري " مجاعص " وجوم غريب وغشيته " كآبة صماء " ولم يعد " يسمعنا " مبالغاته المستفيضة في وصف شجاعته والادلال بخبرته ، وتراخي شارباه وانحنت قامته . وكان إذا صادفته في الطريق عقبة كؤود طمح ببصره إلى السماء وصرخ من أعماق قلبه ؛ الله يخرب القصر ويحرق اللي بناء " . ثم هذه اللوحة التي كأنها رسمت بريشة مصور ماهر يعرف كيف يجمع شخصياته ويميز بينها . لوحة أفراد الرحلة الأولية وهم بمأوي في الجبل في إحدي الليالي " ثم رأينا المأوي وقد بدأت تغيره أشعة القمر فتنهدت طويلا وطفت بعيني فألقيت " مس إيفانس " منكمشة بجواري تدور برأسها الدقيق حولها ، وعيناها لامعتان كما تلمع الماسة المصقولة والشيخ عاد " ينظر أمامه نظرا تائها مسترسلا في أحلامه . أما " مجاعص " فقد كوم نفسه وراح في سبات عميق ! " .
وأخيرا دعنا من هفوات الكاتب كقوله عن ترحيلة الأستاذ كنعان ليلة كانوا ينصتون إلي المعلومات التي استطاع الشيخ عاد أن يجمعها عن القصر . ولا تستمع إلى دعواه أنه " انبعث لمائها هدر عال كأنما هي أيضا تطالبه ( تطالب الشيخ عاد ) أن يروي لنا حكاية هذه الفاجعة ) فاجعة يوسف الصافي ) فهذا ليس صحيحا وما سمعنا أن نرجيلة تهدر مطالبة بقص حكاية . هذا ظن تافه لا ندري كيف وقع فيه تيمور الدقيق الحس الصادق الذوق . ودعنا من العبارات المحفوظة التي أمقتها لأنه لم يعد لها لون وقد أكلها التحات حتى أصبحت لا تدل إلا على الكسل العقلي
الذي يحجم عن البحث عن العبارة الدقيقة ، وذلك أمثال " بقلب له الدهر يوما ظهر المجن ( ص ٤٨ ) و " ولا حياة لم تنادي ) فهي أيضا على تفاوت في النسب عبارة بالية . ثم انظر في كل ما بقي ، تر أسلوبا دقيقا لرجل يعرف أسرار اللغة ويحسن استخدامها . " أصبح عند بعض الناس " خرافة ليس لها وجود وعند " بعض آخرين " مكانا تعمره الشياطين . " وتأمل في قوله بعض الناس . وبعض آخرين ، فهو لم يقل " البعض الآخر " حتي لا يفيد تعميما لا يريده . وانس لتيمور حفيد اللغوي تيمور باشا الجمع " أميالي " ) ص ٥٥ ( بدلا من " ميولي الدارجة الجميلة ثم تأمل في " الصمت الرازح " ( ص ٦٥ ) و " شحيح البغلتين " و " ما عتمت أن غشيني النعاس ؟ ( ص ٦٨ ) و " جسمى يشجب دما " ( ص ٨٢ ) وخيطين من الدموع يتهاديان علي خديه و كلمة صفاء المنقوشة في الصخر الأملس تتدفق عليها مياه الينبوع فتدعها تختلج حروفها كأن لها قلبا حيا ينبض ) ص ١٢١ ( " ونار المدفئة تتلاعب على سقف المأوي في أشكال بشعة " وذلك في ليلة هاجت فيها نفس الراوي وتألمت وسمع فيها عواء حسبه صدى " لصوت نفسه العليلة المضطرية " ثم أطل التحديق " بنظرة الشيخ جاد الثابتة " وقد بلغ من ثباتها أن حملت الراوي على أن يصدع بأمر الشيخ رغم ما في أمره من مجازفة خطرة ، ثم الشعلة ) التي لاحت ( ص ١٣٣ ) في بقاع البئر كأنها بصيص ثقاب " ( ص ١٣٦ ) وأخيرا تصور " اليأس يعشش في نفسي " ( ص ١٤٩ ) . أليست هذه كلها أمارة الدقة عند كاتب يعرف كيف يختار ألفاظه ، ويرسم صوره كما يعرف فن القصة وأصولها ، محمود تيمور كاتب واقعي . كاتب ممتاز . إنني لا أكتم محبتي لأدب هذا الكاتب .
