حاولنا في مقال سابق أن ندل على ما في قصيدة ميخائيل نعيمة " أخي " من عناصر إنسانية نعتقد أنها كفيلة بأن تضمن لها الخلود بين الناس كافة رغم ما قيلت فيه من ملابسات خاصة . وها هي قصيدة أخرى لنسب عريضه نحللها ، لأنها تحرك عدة مسائل لابد من أن نجلوها بضرب المثل : منها الغموض والوضوح ، ومنها مشكلة
العبارة وما يأخذه البعض ظلما على شعراء الهجر من هلهلة النسج ؛ ثم إن فيها إشارات كثيرة إلى نظريات فلسفية معروفة ، ومع ذلك استطاع الشاعر بقوة إحساسه وروعة صوره أن ينجو بها عن استواء الافكار المجردة ؛ وأخيرا فيها ما يمكننا من معالجة العناصر الموسيقية في الشعر العربي وكيفية استخدامها .
القصيدة حديث يخاطب به الشاعر نفسه :
يا نفس مالك والأنين ؟
تتألمين وتؤلمين ؟
عذبت قلبي بالحنين
وكتمته ما تقصدين
وها نحن منذ المقطوعة الأولى في جو الشعر ، فالنفس تئن . وننظر في السؤال " يا نفس مالك والأنين ؟ " فلا تدري أهو عتاب أم لوم أم شفقة ؛ وهي تتألم وتؤلم على نحو لا نعلمه ، ولكننا نحس بصدق الشاعر ، وهي تعذب القلب بالحنين وتكتمه ما تقصد ، حنين إلى المجهول . ومن عجب أن تكتم النفس ما تجهل ثم هل هي غير القلب ؟ هل هي تعارضه ؟ أسئلة لا محل لإلقائها ، وما يجوز أن نبحث لها عن حلول توضحها ، وإلا ضاع جمال الشعر . حالة نفسية غامضة لا نستطيع
إدراكها بعقولنا ، لأنها أعمق من أن تجتلي وأغنى من أن تنثر . نفس تشع
قد نام أرباب الغرام
وتدثروا لحف السلام
وأبيت يا نفس المنام
أفأنت وحدك تشعرين
ثم :
والليل مر على سواك
أفما دهاهم ما دهاك
فلم التمرد والعراك ؟
ما سور جسمي بالمتين
وبذا نسير إلى قلب الفكرة الفلسفية التي ترمي الجسم سجنا للنفس ، فكرة إغريقية قديمة ، ومع هذا تكسبها الحركة خفة الشعر ، " الليل مر على سواك " تقرير بعقبه " أفما دهاهم ما دهاك " استفهام لا نستطيع أن ندرك معناه ، وإن كان في السؤال الآخر : " فلم التمرد والعراك " ما يشعر بأنه إنكاري . وأخيرا تأتي القافلة " ما سور جسمى بالمتين منفية مؤكدة في قوة يقف عندها النفس ويطمئن السيل الموسيقي . وهكذا بالمرور من الخبر إلى الانشاء ، ثم العودة إلى الخبر ، قد استطاع الشاعر أن يخلق تلك الحركة التي تحاكى ما بنفسه من اضطراب .
وتنصت إلى الموسيقى ، فإذا هي أجمل ما في القصيدة . وفي الحق أن شعراء الهجر قد جددوا موسيقى الشعر العربي تجديدا يستحق أن نطيل فيه النظر . ونحن الآن إزاء بحر تقليدي ( مجزوء الكامل ) ، ولكن انظر كيف استخدمه الشاعر ، فالوحدة لم تعد البيت بل المقطوعة ( قد نام ....... تشعرين ) ، وفي كل مقطوعة نجد أربعة أشطر ، الثلاثة الأول يقفي بعضها البعض ، وأما الشطر الرابع الذي نسميه ) القافلة فيقفي القوافل الأخرى ، وعلى هذا النحو تطرد القصيدة . كل وحدة تتكون إذا من ثماني تقاعيل تسيل إلى أن توقفها القافلة النونية الساكنة ، ثم تعود فتستأنف سيرها في المقطوعة التالية إلى أن تقف . . وكان من دقة إحساس الشاعر
أن وقع على الكامل المتساوي التفاعيل ، وذلك لأن الاضمار (إسكان الثاني المتحرك ) ليس في الحقيقة زحافا . وهو لا ينقص شيئا من كم التفعيلة ، وإنما يستبدل مقطعين قصيرين(متفاعلن ) بمقطع واحد مغلق ( متفاعلن ) يبلغ في الكم مبلغ المقطعين الآخرين وهذا لا يتغير في التفعيلة المزاحفة غير الايقاع بسبب التسكين ، وأما طول التفعيلة فيظل ثابتا . وإذا ذكرنا أن الاضمار هو الزحاف الكثير الدخول على الكامل ،
وأن الطي ( حذف الرابع الساكن ) لا يكاد يجتمع إلى الاضمار إلا في التفعيلة الأولى من الشطر الثاني ، وأنه في تلك الحالة يغلب أن يعوضه الترفيل ) زيادة مقطع في تفعيلة القافية ( - إذا ذكرنا كل ذلك أدركنا أن هذا البحر من البحور المتساوية التفاعل على نحو مطرد لا يكاد يكون فيه شذوذ . والكامل والوافر هما البحران الوحيدان اللذان تنطبق عليهما تلك الصفة ، ولربما كان
في ذلك سبب لتسمية الخليل لهما بهذين الاسمين . ونضيف اننا لم نعثر بطي في القصيدة التي ندرسها الآن ، وإذا صحت ملاحظاتنا وضح السر في إيحاء هذا الوزن بالإطراد ، وكل اطراد يلائم الاضناء والحيرة اللذين يزيدهما وضوحا طول المقطوعة ، وهي لا تقف عند سكون القافلة إلا لتعود من جديد ، كأمواج البحر التي
تتحطم تباعا مرتدة عند صخر الشاطئ ؛ وهذا يماشى . بناء القصيدة المكونة من فروض متتابعة وموجات نفسية متجددة ؛ وهذه وتلك يطول نفسها ويطرد ، ثم تفنى ليعود غيرها إلى الظهور . توفيق رائع إلى الملاءمة بين موسيقى الشعر وموسيقي الاحساس ، بين الصياغة
ونفس الشاعر . ثم إن الإطراد هنا لا ينتهي إلى الفقر والاملال كما يحدث أحيانا ، فقد عرف الشاعر كيف يتجنبه بالحركة الشعرية ، ثم بتقسيمه لتفاعيله الثمان إلى أربع وحدات ، ثلاث منها تفصل وتجمع بينها القوافي ،
ثم يأتي سكون القافلة فيفصل ويجمع بين وحدات القصيدة كلها
وننظر في اللفظ فتعرض لنا مشكلة طالما آثرناها في مصر . هي أخذنا على شعراء المهجر ما نسميه ضعف العربية في الأسلوب ، وهذه تهمة يجب أن نقلع عنها . لأنني كلما أمعنت النظر في ألفاظهم وتراكيبهم لم أجد لها مثيلا في شعرنا الحديث ، من حيث الدقة والقدرة على إثارة الاحساس . نعم قد يخطئون في النحو أو الصرف ، ولكن هذه في نظري أشياء تافهة نادرة لها نظائرها عند
أكبر الكتاب ، وإلى اليوم لا يزال الفرنسيون يضربون المثل بفلتير في الخطأ في الاملاء . وإنما يعيب الأسلوب عدم التحديد أو العجز عن الايحاء ، وتلك عيوب لا وجود لها في شعرهم . أما استخدامهم للألفاظ المألوفة فلست أرى فيه موضع ضعف بل قوة ؛ وذلك لأن الألفاظ المألوفة ، ولا أقول المبتذلة ، هي التي تستطيع في الغالب أن تستنفذ إحساس الشاعر ، كما انها أقدر
من الألفاظ المهجورة على دفع مشاعرنا إلي التداعي ، وقد كثر استعمالنا لها في الحياة ، فتحددت معانيها ، وتلونت بلون نفوسنا ، فحملت شحنة عاطفية . وهذه صفات من أولى خصائص الاسلوب الشعري ، بل أسلوب الأدب بوجه عام . وها نحن نسمع عريضه يقول : " أفما دهاهم مادهاك " ، أو ( ما سور جسمى بالمتين) فندرك الداعية التي لها وقع متميز في نفوسنا ، ونتصور " السور " في يسر قد لا يستطيعه خيالنا لو استبدلناه ب(السياج)
أطلقت نوحك للظلام
إياك يسمعك الأنام
فيظن زفرتك النيام
بوق النشور ليوم دين
وهذا بلا ريب إسراف في الصور ، لا ننكر أنه قلق ، وأن نغماته أقوى من الهمس ، فيه مبالغة تخرجنا عن الألفة ، ونحن لا نكاد نتصور كيف يصل نوح النفس إلى أن يكون " بوق النشور ليوم دين " ولا نرى
ضرورة لهذا العنف في التعبير ، ولكن هذا قليل .
يا نفس مالك في اضطراب
كفريسة بين الذئاب
هلا رجعت إلى الصواب
وبدلت ربيك باليقين ؟
أحمامة بين الرياح
قد ساقها القدر المتاح
فابتل بالمطر الجناح
يا نفس ما لك ترجفين
أسئلة متدفقة توحي بما في نفس الشاعر من حيرة ، وصور جميلة دالة . النفس المضطربة كفريسة بين الذئاب . النفس التي ترجف كحمامة بين الرياح قد بلل المطر جناحها . وفي اختيار الألفاظ ذوق دقيق ودليل واضح على أن الشاعر يرى ما يقول . وهل أدل على تلك الرؤية الشعرية من أن " تضطرب " النفس بين الذئاب بينما هي " ترجف " وسط الرياح وقد بلل المطر جناحها ؟
أو ما لحزنك من براح
حتى ولو أزف الصباح
ياليت سرك لي مباح
لأعي صدي ما قد تعين
والشاعر لا يحس في وضوح بغير حزنه ، وأما السر في ذلك فتراه يتساءل عنه وهو بعد لا يعلم أتعرفه نفسه أم لا . أو لا تراه يقول : " لأعي صدي ما قد تعين " فهي قد تعي شيئا ، وهو - إذا أباحت له سرها - لن يستطيع أن يعي منه غير الصدى
أسبتك أرواح القتام
فأرتك ما خلف اللتام
فطمعت فيما لا يرام
يا نفس كم ذا تطمحين ؟ !
وهنا ندخل في سلسلة من الفروض الشعرية ، يريد بها الشاعر أن يحاول الفهم ، وهو في الحق يكاد يكون يائسا منه ، وإنما هو احساس نفس طموح تطمع فيما لا يرام ، وكأني بها قد استشرقت يوما اسرار الوجود . ثم كم في التفاته (يا نفس كم ذا تطمحين ؟ ! ) من نفاذ يصل إلى القلوب .
أصعدت في ركب النزوع
حتى وصلت إلى الربوع
فأتاك أمر بالرجوع
أعلى هبوطك تأسفين ؟ !
وتلك نغمات أفلاطون الشعرية الجميلة يوم حدثنا عن
هبوط النفس من عالم المثل الذي لن نستطيع أن نغالب الحنين إليه . ولكم جرت بذلك أنفاس الشعراء منذ " هبطت إليك من المحل الأرفع " إلى " الإنسان ملك هوى ، فما يزال يذكر السماء ، منذ ابن سيناء إلى لامرتين
أم شاقك الذكر القديم
ذكر الحمى قبل السديم
فوقفت في سجن الأديم
نحو الحمى تتلفتين
أأضعت فكرا في القضاء
فتبعته فوق الهواء
فنأى وغلغل في العلاء
فرجعت ثكلى تندبين
أسلكت في قطر الخيال
دربا يقود إلى المحال
فخططت رحلك عند آل
يمتص ري الصادرين
فروض لاشك من تصورات العقل ، ومع ذلك تنجيها الصور من البرود ، بل تجعل منها شعرا رائعا ، فالنفس نراها تطل من سجنها نحو الحمى ) متلفتة " في لهفة ، وهي تحلق في الهواء كمن يبحث عن مفقود لا يجده ، فتعود حزينة(" ثكلي تندب " مسرفة مبتذلة ) وهي تسلك في عالم الخيال ( قطر لفظة نثرية ) ، دربا يقود إلى المحال ، ثم تحط رحالها عند سراب " يمتص ري الصادرين وهذه صورة بالغة الجمال والقوة ، فالسراب الذي وصلت إليه لم يكتف بأن أسفر عن خلاء ، بل سلبها ما تملك وامتص ريها ، فصدرت عنه أشد ظمأ منها عند الورود
فنسيت قصدك والطلاب
ووقفت بذهلك السراب
وهرقت فضلات الوطاب
طمعا بماء تأملين
استقصاء للصورة واستمرار فيها ، وهو مذهب قديم عند كبار الشعراء ، إذ نراه من أهم خصائص شعر هوميروس الذي يشبه البشر بأوراق الخريف في إحدى أغانيه ، فيرى في تساقطها ما يحكي فناءنا ، ثم يتابع التشبيه ، فذكر نهوض الأجيال بعضها في أعقاب بعض كما تخلف الأوراق غيرها . . وهو واضح عند
بعض شعرائنا كذي الرمة الذي يصف إشعال النار فيستقصي المراحل ويتابع الصور ، وكابن الرومي الذي يضرب المثل بوصفه لصانع الرقاقة ؛ ومع ذلك فثمة مفارقات ، فوصف ذى الرمة لاشعال النار ، ووصف ابن الرومي لدحو الرفاقة حرص على التفاصيل التي تنعم اللوحة وتكسبها غنى الواقع . وأما استمرار هوميروس أو استمرار عريضه الآن فهو في خدمة الفكرة أو الاحساس ، وهذا أسلوب في الكتابة له جماله ، وهو يعد غير تنمية الأفكار على نحو مجرد ، لأن التجريد في ذاته إفقار للواقع ، فلا أقل من تركيزه لتحتفظ للأسلوب
بشيء من القدرة على الايحاء .
حتى إذا اشتد الآوام
والآل أسفر عن ركام
غيبت رأسك كالنعام
في رمل قلبي تحفرين
وهكذا تأتي الصور الجميلة الدالة ، ينتزعها الشاعر من معطيات حواسه المباشرة ، فتكسو الفكرة بأغشية الشعر ، وتنشر أمامنا مناظر يدركها الخيال ، بل تهتز لها النفس ؛ فالآل أسفر عن ركام ، والنفس تغيب رأسها في رمال القلب كالنعام . وكلنا لا ريب يحس بجمال " رمال القلب " المحطم ومعناها الانساني العميق .
( يتبع )
