أصدرت لجنة التأليف كتابا بهذا العنوان لمعالي مصطفي عبد الرازق باشا . والمؤلف رجل طويل الاناة ولكنها اناة القراءة المتصلة والدقة في جمع العناصر وتمييزها ، ووضع كل منها حيث يجب أن يوضع من البناء العام . ومن قبل ألح على المؤلف تلاميذه ان ينشر ما تلقوه عنه من دراسات ولكنه لم يسارع على إجابة هذا الرجاء وها هو اليوم ينشر " التمهيد " فيحس القارئ عند الفراغ منه أنه كتاب من موسوعة كبيرة لابد ان المؤلف كان يضمرها ، ثم صرفته لسوء الحظ مشاغل الحياة العامة فينزل علي حكمها ونشر ما فرغ منه على أنه تمهيد كامل مكتف بذاته
فالكتاب ينقسم إلى ثلاثة اقسام كبيرة : القسم الاول يتناول مقالات الغربيين والإسلاميين في الفلسفة الإسلامية ، وفيه يستعرض المؤلف احكام المؤرخين للفلسفة الإسلامية من مستشرقين وشرقيين . والمؤلف رجل هاديء الطبع حتى لتأتي أحكامه متآخية لا اثر فيها لانفعال تراه ينقل ما كتبه بعض الغربيين كتبتمان ورينان وكوزان وغيرهم ممن تحاملوا على فلاسفة المسلمين وانكروا اصالتهم
ثم يهوله ما يحسه في أقوالهم من مجانبة للحق فيناقشهم في رفق وإن لم يخل من حزم . وكثيرا ما يترك لغيرهم من الغربيين كجوتييه مثلا أو مونك مئونة الرد وإظهار فضل العرب المجحود . وهو في استعراضه يماشى التاريخ ، وإنك لتحس بفرح حقيقي يخالط نفس المؤلف عند ما يلاحظ ان المستشرقين بتقدم الزمن أخذ تعصبهم ضد العرب يخف ،
وحرصهم على الحق يقوي ، وإن يكن قد عاد فابتأس إذ رأي فكرة الآرية تظهر فتوقظ التعصب القديم سائرة
به وجهة أخري . والمؤلف من الاعتدال وإصابة الرأي والحرص على الأمانة العلمية بحيث لا يكابر أحدا ، فلا يدعي أن الفلسفة الإسلامية أصيلة أصالة مطلقة ؛ بل كل ما يري هو انها لم تكن مستعبدة لأرسطو خاصة أو لليونان بوجه عام - ففلاسفة العربية قد أخذوا عن غير ارسطو من اليونان وبخاصة أفلوطين ، كما أخذوا عن الفرس والهنود ، بل وكانت لهم منذ صدر الإسلام بل من ايام الجاهلية حكم عملية ونظرات ، إن لم تصل إلي حد النظام الفلسفي فإنها لم تعدم روح الفلسفة . ولقد استطاع المؤلف ان يستخلص من استعراضه لدراسات المستشرقين اتجاههم العام في تلك الدراسة ، ودلنا علي هذا الاتجاه في مقدمته إذ قال : " الباحثون من الغربيين كأنما يقصدون إلي استخلاص عناصر اجنبية في هذه الفلسفة ليردوها إلى مصدر غير عربي ولا إسلامي ،
وليكشفوا عن أثرها في توجيه الفكر الإسلامي وهذا حق ، فالغربيون بحكم المامهم بالفلسفة الغربية القديمة وخاصة اليونانية قادرون على أن يناقشوا مصادر الفلسفة الإسلامية ، وأن يبصرونا بالكثير من حقائقها ، وذلك على شريطة أن يناقش آراءهم علماؤنا الذين أفنوا أعمارهم في دراسة تلك الفلسفة حتى يقوموا ما قد يكون فيها من مجافاة للحقيقة من الشاق الاعتصام منها وإنها لمكرمة نفسية وعلمية للمؤلف أن لم يلاق تحاملا بتحامل ، وأكبر ظني أن المستشرقين أنفسهم سيقرأون كتاب هذا العالم الفاضل بتقدير واحترام . ولا يقف المؤلف في هذا القسم الاستهلالي من الكتاب عند استعراض مقالات المؤلفين الغربيين والإسلاميين في الفلسفة الإسلامية ، قيمتها ، بل يضيف إليها فصلين هامين : أولهما عن تعريف الفلسفة وتقسيمها عند الإسلاميين ، فيستعرض آراء الكندي والفارابي وإخوان الصفا وابن سينا ، ثم يمهد لنظرته الخاصة إلى الفلسفة ومنهج دراستها ، فيقودنا في رفق إلي التدليل علي
أن حكمة الإشراق وعلم الكلام واتجاهات التصوف وأصول الفقه من صميم الفلسفة بمبادئها ومناهجها ، وهذا من مواضع الجدة في الكتاب ؛ فقد وسع المؤلف من نظرته إلي الفلسفة الإسلامية ، وبذلك أعطاها كل قيمتها . وليس من شك في ان هذه المباحث التي عددناها هي التي ظهرت فيها اصالة الفكرين من العرب ، وهي لا ريب احق بأن يدرسها الباحثون من الاكتفاء بالرياضيات والطبيعيات والإلهيات التي عنى بها فلاسفة الإسلام بالمعنى الضيق ؛
فقد كانت جهودهم فيها مهما بلغت من الدقة والتفصيل لا تعدو ان تكون إلي حد بعيد قائمة على فلسفة ارسطو ،
كذلك الكلام أو التصوف مثلا ، حيث تظهر اصالة المتحدثين فيها كما تتجلي روحانية الشرق . والفصل الثاني يتناول الصلة بين الدين والفلسفة مستعرضا رأي الفلاسفة ورأي علماء الدين . ولقد اختار المؤلف في هذا الاستعراض وجهة خصبة موحية ، إذ ذكر النظرة إلي الهدف النهائي من الفلسفة والدين من حيث إن كلا منهما يسعي إلي ان يسوق الفرد إلي الكمال وهو بذلك يمهد تمهيدا قويا إلي حل الخلاف الذي احتدمت ناره بين الفلاسفة وعلماء الدين
هذا الجزء كله بفصوله الثلاثة : آراء الشرقيين والغربيين في الفلسفة الإسلامية ، وتعريف الفلسفة وتقسيمها بين الإسلاميين ؟ والصلة بين الدين والفلسفة عند الإسلاميين ، هذا القسم كله لا يعدو ان يكون مقدمة عامة لموسوعة كبيرة في تاريخ الفلسفة الإسلامية وهو وإن لم يخل من روح المؤلف وتوجيهه العام إلا أنه إلى الاستعراض أقرب
وأما الجزآن الآخران ففيهما تظهر شخصية المؤلف سافرة ، ويتضح منهجه حتى لكأنهما فصلان كبيران من الموسوعة التي كان يعتزمها . وأول هذين القسمين يبتديء بمجمل سريع عن بداية التفكير الفلسفي الإسلامي ، ثم ينتقل
إلي النظريات المختلفة في الفقه الإسلامي وتاريخه ؛ وهنا تظهر أستاذه ، بحيث يتضح أن هذا الجزء من خير واعمق ما كتبه باحثونا في العصر الحاضر : ففيه نجد دراسة تاريخية مفصلة لمصادر التشريع في الإسلام ، وتتبع دقيق لنشأة كل مصدر واستحصاده ، ثم موازنة بينها وتقدير لاثارها ، مع تفسير القول في اتجاهات اصحاب المذاهب الأربعة وتحديد خصائص كل منهم على أدق وجه وأحكمه .
وأما الجزء الأخير فقد سماه المؤلف " ضميمة في علم الكلام وتاريخه ؟ ولا غرابة ان نري هذه الضميمة في " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية " فقد بصرنا المؤلف بمنحاه في فهم الفلسفة ومشتملاتها ، وقد رأي بحق ان الكلام والتصوف أجزاء منها ، وأكبر ظني ان هذا الجزء أيضا كان في تقدير المؤلف فصلا من الموسوعة . وهو ينهج فيه نفس النهج الذي انتهجه في السابقين ، فيساير خطي الزمن ويتتبع نشأة العلم منذ بدايته في عهد النبي إلي أن انتهي الأمر بتدوينه في عهد العباسيين ، وما اظن ان هناك منهجا أسلم من هذا المنهج .
منهج المؤلف في الدراسة هو المنهج التاريخي ، وهو بذلك يحل في سياق دراسته أنواعا لا تحصى من المشاكل التى يتخبط فيها الباحثون عندما يختارون مناهج اخرى ،
كالمقارنة بعد التقرير . وإنك لتتابع المؤلف فتستطيع ان تستخلص الأصيل من تفكير العرب والمستعار ، وتميز بين ما أخذ وما أضيف ، بل إنك لتماشى العقل العربي كله في حرارة عمله ومجهود خلقه ، وهذا كسب ليس بالقليل
وإن يكن هناك مأخذ على المؤلف فقد فطن اليه هو نفسه ، عند ما اعتذر عن كثرة إيراد النصوص بأن كتابه هو مجموعة الدراسات التي القاها على طلبته بالجامعة ، وقد حرص على ان يتركها في صيغتها الاولى بما تحوي من نصوص يحتاجها الطلبة ليتمرسوا بفهمها والتدقيق في
كشف معناها . ولكنها شنشنة قديمة ، فقد تلقيت العلم على المؤلف وكان منهجه هو هو في اخذنا بقراءة النصوص والتدقيق فيها ، ولكننا كنا عندئد نجد فيه من رحابة الصدر ما يمكننا من حمله على الوقوف معنا ، فلا نغادر نصا في أثناء الدرس حتى نقتله فهما . وأما في الكتابة فقد كنا نفضل أن لو تناول هو الحديث مجملا الرأي ، موضحا غامضه ،
ولكننا عندئذ ربما نطالبه بما يصعب على طبعه لا على عقله ! حتي لأذكر كلمة صادقة للأستاذ أحمد الشايب هي قوله : " إن الدكتور طه حسين بك يقف أمام النصوص ،
والأستاذ مصطفي عبد الرازق باشا يقف خلفها ، وأما الأستاذ أحمد أمين بك فيقف إلي جوارها " .
لقد سررت بهذا الكتاب إذ استطعت به أن أصل ما انقطع من أخذ العلم عن هذا الأستاذ الثبت المحقق ، وإن يكن قد أحزنني أن الموسوعة لم تتم .
