نشرت لجنة دائرة المعارف الإسلامية في الأيام الأخيرة كتابا قيما لشفيق غربال بك عن محمد على الكبير ضمن سلسلة اعلام الإسلام . وطالعت الكتاب فحفزتني للكتابة عنه خصائص عامة ، قد يكون من الخير ان نتمهل في استعراضها بعد أن أخذت تتعدد لدينا كتب التاريخ واتجاهات المؤلفين .
لو أبي لم أكن أعلم أن المؤلف قد استهل حياته العلمية بدراسة العصر الذي كتب عنه ) ١ ( لاستطعت أن أستنتج ذلك من كتابه ، فقد ذكرني بكلمة قالها مؤرخ فرنسي شهير هو فوستيل ديكولانج : " تلزمنا سنوات في التحليل لكي نعمل يوما واحدا في التركيب " وفي هذه الكلمة جماع من التاريخ . ومعناها هو ان المؤرخ لا يستطيع ان يعرض لوحة عامة لعصر من العصور او لشخصية من الشخصيات ، ما لم يمهد لذلك بالعمل سنين طويلة في جمع الوثائق وتحليلها ، واستخراج جزئيات الحقائق التى تحملها كل وثيقة ، قبل أن يسمح لنفسه بتركيب تلك الجزئيات في اللوحة ، وبغير ذلك لا يستطيع ان يكتب شيئا ذا قيمة علمية صحيحة
وكتاب شفيق غربال بك وإن كان معدا للقراءة العامة ، ولم يقصد منه مؤلفه إلى التنقيب العلمي الذي لا يتقدم خطوة إلا ووثائقه بيده ؛ بل ولا يجازف فيمتد إلى شخصية بأكملها أو عصر برمته ، بل يقف عند ناحية من النواحي ليفصل القول من نظم الحكم او الاقتصاد او التعليم أو الحياة الخاصة أو غيرها من النواحي ؛ اقول إن كتاب مؤلفنا وإن لم يكن من كتب التنقيب العلمي التي من هذا النوع ، إلا أنه بلا ريب كتاب أستاذ ملك ناصية فنه ، ويتميز في منهجه وروحه بخصائص العلم الدقيق ، بحيث
يعتبر عرض مبادئه ومناقشتها دراسة لفن التأريخ في ذاته . فأما منهج المؤلف التاريخي فباستطاعة القارئ أن يلاحظه في امرين كبيرين : أولهما سير المؤلف من العام إلى الخاص وربط كل ظاهرة بالحالة الدولية السائدة ؛ وثانيهما عدم اكتفاء المؤلف باستعراض حوادث التاريخ وحقائقه ، بل مد بصره او على الاصح بصيرته إلي احتمالات التاريخ
فهو لا ينبئك بما كان فحسب ، بل يحدثك أيضا عما كان يمكن أن يكون ، ويرتب على تلك الاحتمالات ما كان من الجائز أن ينتج من نتائج . وهذان أمران عظيما الخطر ، ولا بد من إيضاحهما بضرب المثل
لكي يستطيع المؤرخ أن يضع الظاهرة المفردة في مكانها من التاريخ العام لابد ان يكون واسع الأفق الفكري ، ممتد الثقافة العامة ، وهذا ما نجده في كتاب المؤلف ؛ فالفتح العثماني وأسبابه ونتائجه يربطه المؤلف بحالة أوروبا العامة من جميع نواحيها سياسية واقتصادية ؛ وسياسة محمد علي الاقتصادية يضعها في موضعها من الاقتصاد الإسلامي عامة ، وبذلك يرسل ضوء قويا علي حوادث التاريخ وتفسير مجراه .
وكذلك الأمر في احتمالات التاريخ ، فإنما يستطيعها من يملك من قوة الخيال ونفاذ الحكم ، ما يستطيع معه ان يتصور للتاريخ سيرا غير ما اختط ، وبذلك يفتح للتفكير آفاقا جديدة ، بل ويعيننا على فهم ما كان فهما ادق . ومن غريب الأمر أن نعثر في استطراد المؤلف إلى تلك الاحتمالات على حقائق عامة صارمة الصدق ، فهو يتطرق مثلا إلي الحديث عما كان يمكن ان ينتهجه الاستعمار الفرنسي من خطط ، لو أنه استمر ، فيقول : " الحاكم الغربي يحب أن تكون قواعد الإنتاج المادي غربية صرفة ، لان هذه القواعد تزيد الإنتاج ، والزيادة مما يهمه . ولكن يكره من المحكومين الشرقيين الأنقلاب الاجتماعي والبحث العلمي الحر ، وذلك لأسباب : منها حرصه علي الا يظهر للعامة في مظهر الهادم للعادات المشجع على التحرر من قواعد الدين .
ومنها ظنه أن تلك الانقلابات لابد وان تؤدي في النهاية إلي الرغبة في الاستقلال ، ومنها الميل إلي المحافظة على
المظاهر الشرقية من قبيل الاحتفاظ باللطائف والتحف . وأستاذية الكاتب تظهر فيما يحوط به تلك الاحتمالات من قيود ، فهي ليست مجرد استنتاجات ذهنية ، ولا هي مقحمة علي الموضوع ، وإنما استمدها المؤلف مما كتبه بونابرت وغيره من نواياهم ، ومما شرعوا في تحقيقه فعلا
ومما رأيناه من طرق الحكم الفرنسي في غير مصر من الأقطار الإسلامية ، ثم إنه يتخذ منها عونا على تفسير كراهية المصريين للفرنسيين ، وذلك عند ما اضطرت الظروف هؤلاء الفرنسيين إلي عدم الدقة في تنفيذ تلك السياسة في غير رفق فمسوا ما تواضع عليه المصريون من عادات اجتماعية ، ثم إن في عرضها ما يعين على زيادة فهمنا لسياسة محمد على ، وذلك عن طريق المقاربة .
وكما يطالعك من ثنايا الكتاب المنهج الذي عرضناه تحس أيضا بالروح العلمية التى تشربتها عقلية المؤلف .
وأظهر ما تكون تلك الروح في تفسير الظواهر واستخلاص النتائج بغير تحيز . ثم القدرة على أن يتقمص الأفكار العامة للعصر الذي يدرسه ، وأن يحكم على الظواهر وفقا لتلك الأفكار . وليس في كتابة التاريخ ما هو أخطر من أن نحكم على القاضي بعقليتنا الحاضرة ، كما أن فيه أكبر مخالفة للروح العلمية الصحيحة . ولسنا نقول جديدا إذا أوضحنا أن العلم لا تضطرب أحكامه بشهوات نفسية حتى ولو كانت أسماها ، فالنزعة الوطنية ذاتها لا يجوز أن تطغي على نظرتنا إلي الماضي ، ما دمنا نبحث عن الحقيقة في ذاتها وهذا هو ما يدفع المؤلف إلي أن يحكم على المصريين أيام المماليك بأن خضوعهم إنما كان " لأنهم بكرهون النصب أكثر مما يحبون الحرية ؛ وإلى أن يفسر ثورتهم على الفرنسيين بأنها كانت لغضبهم من اخراج المحتلين لهم عما ألفوه من طرق الحياة ، وتلك روح تنم عن محاولات جدية من المؤلف لكي يجرد نفسه من كل اعتبار ، ولكننا لا ندري إلي أي حد قد نجحت دائما تلك المحاولات . وفي موضع بالذات من الكتاب نتساءل هل استطاع المؤلف أن يكبح من إعجابه بعاهل مصر العظيم
وذلك عند حديثه عن مذبحة القلعة ، فقد حرص على ان يلقي تبعتها على الجند الآلبانيين ، ولم يترك لمحمد علي في حدوثها غير الإذعان لأولئك الجند الذين كانوا يخشون الامراء على أموالهم وحريمهم ، فأرادوا التخلص منهم قبل ان يرحلوا إلى حرب الوهابيين . وهذا رأي قد تكون له وجاهته ولكننا إذا ذكرنا الوسائل السياسية التي كان يستخدمها محمد على وغيره من باشاوات مصر وامرائها في ذلك الحين ،
لاندرى كيف وقف محمد على من هذه الحركة الخطيرة ذلك الموقف السلبي وخاصة واننا لا نستطيع ان نقطع في الحكم إذا كان الصحيح هو ان محمد على قد دبر او ساهم في تدبير تلك المذبحة على نحو إيجابى ؟ ! ولم يكن بد من ان يسلك إلى النصر كافة السبل التى يسلكها خصومه
هذا عن منهج المؤلف التاريخي وروحه العلمية ، وهو فيهما مثل يحتذي في جملته . ولكن فن التاريخ ليس منهجا وروحا فحسب ، بل هو أيضا أسلوب كتابة ، وهنا موضع الضعف ؛ فالجمل ليست دائما سليمة البناء ، فهو يقول مثلا عن الألبانيين : " وأخيرا أقاموا حاكم الإسكندرية من قبل الباب العالي خور شيد قائمقاما والأصح أن توضع لفظة خورشيد بعد أقاموا . وأمثال ذلك . وتأثير اللغة الإنجليزية على الأسلوب واضح في عدم الربط بين الجمل ، وهذه ظاهرة كثيرة الحدوث ، ونكتفي بذكر مثل لها أو مثلين : ففي ص ١٢٨ يقول : " ولم تطل إقامة إبراهيم في السودان ، الزمه المرض بالعودة لوطنه " . واللغة العربيه تستلزم الربط بين الجملتين بلفظة مثل " إذ " أو " فقد " وفي ص ١٤٤ يقول : " ألا ترى استحالة المحافظة على الدولة العثمانية ، قد ترقع هنا وقد ترقع هناك ولكن بلا جدوي . . " وكان الأفضل الربط بين الجملتين بقوله " فهي قد ترقع والاسلوب في جملته أقرب مما ينبغي إلي لغة الحديث ، فتري المؤلف يقول ص ١٢٢ : " هل قنعوا بذلك ؟ لم يقنعوا بذلك " وأصول الكتابة أن يكتفى ) بكلا ( أو أن يضيفها قبل الجواب . وكثيرا ما يسوق إهمال المؤلف للأسلوب إلي الغموض ،
كقوله ص ١٤٣ عن محمد علي : " واندهش من منع فرنسا في عرضها الشئ الوحيد في نظره الذي أعطي الموضوع أية قيمة ؟ أربع سفن حربية كبيرة يضمها لأسطوله " بدلا من " واندهش من عدم عرض فرنسا الشئ الوحيد الذي يعطي الموضوع قيمة في نظره ، ٠
وليست القيمة الآدبية للأسلوب بالشئ الهين الذي يحوز لمؤرخ من هذا الطراز ان يهمله ، فللصياغة جمالها وتأثيرها في النفس ، وقديما كل افلاطون : " لو صيغت الحقيقة امرأة لأحبها جميع الناس " .
ولكنه كتاب فيه من غزارة التفكير الجديد ومن القدرة على الإيحاء ما يشغل القارئ . لقد استفدت منه
الكثير ، وبودي لو استفاد غيري !
