الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 257الرجوع إلى "الثقافة"

في الميزان الجديد : ، ١ - زهرة العمر

Share

حمل إلي البريد أمس الكتاب الجديد لتوفيق الحكيم ، وهو عبارة عن مجموعة "رسائل حقيقية" كتبت بالفرنسية  في ذلك العهد الذي يسمونه "زهرة العمر" ، وهي موجهة إلي المسيو أندريه ، الذي جاء وصفه في "عصفور من الشرق" . وقد بدأ الصديقان يتراسلان بعد مغادرة أندرية باريس للعمل في مصانع "ليل" بشمال فرنسا ؛ واستمرت المراسلة إلي ما بعد عودة الحكم إلي مصر والتحاقه بالسلك القضائي . ثم انقطعت بينهما الوسائل والأخبار وانتهي كل شئ ، وجرفهما تيار الحياة كلا " في واديه" (1) . وأما موضوع الرسائل فحياة توفيق الحكيم - حياته الفنية - جهاده في تحصيل الثقافة من منابعها الحقة ، ومحاولاته في سبيل الخلق الفني ، وخواطره في قيمة ما يعمل ، وخصائص ما ينتج ، ولمحات كثيرة عميقة عن التربية النفسية ، ووسائل تلك التربية من تفكير وفن وأدب ورثناها عن الغرب والشرق

لقد انشرح صدري لهذا الكتاب . وأنا بعد لست بغافل  عما يمكن أن يكون في هذا الانشراح من عامل الأثرة ؛ فلقد مرت بي أيام شديدة الشبه بما يقص الحكيم ، وفي النفس إيمان بكثير من القيم التي أفنى الكاتب في سبيلها زهرة حياته . والناقد مهما حاول أن ينحي نفسه عما ينقد لابد مستجيب لتلك النفس الآسرة في الجهر والخفاء ولكنني مع ذلك قد أدركت في وضوح أن هذا الكتاب أوسع أفقاً وأعمق أثراً من حياة الحكيم وما يشابهها من حيوات . إنه مرحلة من مراحل حياتنا الروحية والثقافية .

مرحلة اعتقد أنه سيعيننا على اجتيازها لا بمادته - فالأمم  لا ينقلها كتاب ، مهما غرر تفكيره - بل بتوجيهه  سيجتاز تلك المرحلة من قادة الفكر عندنا من يؤمنون بصدق هذا التوجيه ثم يسايرون خطاء .

وذلك مع تحفظات أبداً أيها لأخلص بعد ذلك إلي قيمة هذا الكتاب الخطيرة .

وأولها ما ألاحظ من رهبة الحكيم للحياة ، وانطوائه على نفسه ، وهو رجل تأمل داخلي "لم يتح لي في لحظة من لحظات حياتي أن أحزن لحزن الطبيعة ، وأبتسم  لابتسامها ، وذلك لأن ما عندي من أزمات داخلية قد شغل قلبي دائما عن الطبيعة . إن عيني مصوبتان دائما إلي أعماق قلبي" (1) وهذا في الحق ليس إلا جانباً من ظاهرة عامة عند الحكيم ، فمن البين أن في نفسه شهوة مسيطرة ، هي شهوة الفن ، وهذه الشهوة هي مصدر ما يجد من قلق وشك وآلام . ولقد اتفق أن ألقي بنفسه إلي أوربا ، وهو المرن التفكير ، المفتح النوافذ ، السمح الطبع ، السلس القياد ، السريع التأثر ، الوديع المزاج ، فإذا بآيات الفنون والآداب تملك عليه أمره ملكا تاما فلا يعود يري غيرها ، وكان في هذا موضع الخطر ؛ فإن المعرفة غير المباشرة من كتب ومحاضرات ومتاحف لم تلبث أن طغت في نفسه على المعرفة المباشرة . فهو يحدثنا أنه كان يفضل البقاء في باريس مكبا على القراءة والتحصيل علي أن يصاحب إخوانه المصريين إلي شاطيء بحر أو قمة جبل ، وهو يحلل سر إعراضه عن "ساشا" فيما أظن من فتيات باستغراقه في تغذية نفسه بألوان الفنون . وهكذا تولدت في قلبه رهبة من الحياة التي أصبح يخشى أن تصرفه عن هدفه فصدف عن وسائل المعرفة المباشرة من مغامرة في المجتمع ، وسياحة في بقاع الأرض ، وتقليب للبصر في مناظر الجمال والقبح التي نستطيع أن

نلاحظها بكل مكان ، إذا استطعنا أن ننتزع أنفسنا من انطوائها الداخلي لننشرها في الخارج ، على أن نستردها بعد ذلك ، أوفر غني وأرهف نفاذا . ولقد كنا نفهم عندئذ أن يتجه الحكيم اتجاهاً روحياً صوفياً خالصاً ، ولكنه لم يفعل ، وذلك لأن معدن نفسه فيما يبدو لم يخلق المتصوف . أين نغماته من نغمات الخيام ؟ بل من نغمات تاجور ؟ الحكيم مفكر . مفكر في الحياة : حياته وحياتنا ولكن تفكيره لم ينهض على الملاحظة المباشرة . قارن بينه وبين بلزاك مثلا ، تدرك الفرق الواضح لساعتك . بلزاك يفكر بحواسه ، أما الحكيم فيعقله ، ولا أدل على ذلك من أن تراه يعالج كبري المسائل الإنسانية علاج من لم تمسه عن قرب ، استمع إليه يقول عن الحب هذا اللفظ الخطير الذي لن يليه ابتذال ، لأنه جوهر الحياة  - جوهر الشباب على الأقل - : " يخيل إلي أن الحب في هذا العالم عضو سوف يتمكن العلم الحديث من ينزه واستئصاله دون أن تخسر الإنسانية شيئا كبيراً " (1)  وفي موضع آخر : " وإنك لتعرف أن للحب مقاماً كبيراً عندي في الحياة . في كل حياة وربما كان الحب هو الشئ الوحيد الجميل الذي نعيش به ومن أجله نحن البشر" : ما سر هذا التناقض ؟ أو ما تراه في صدور الرأيين عن العقل ؟ أما الحياة فتسخر من كل ذلك . الحياة لا تعرف الفروض العلية ومهارة التفكير . الحياة سيل ذو اتجاه واحد .

هذا النحي العقلي هو ما سبق أن أوضحته في نقدي ليجماليون ، وإنه لما يشجينى من توفيق الحكيم أن روحه النبيلة المدركة قد رأت ما رأت وعبرت عنه في قوة ووضوح "صدقت يا أندرية في قولك إني أصلح أن أكون رياضيا ، وأن أفكاري وتصرفاتى تكاد تشير على طريقة هندسية أو حسابية أو جبرية . هذا صحيح ، ولا أدري كيف

اهتديت إلي ذلك ! مع الاسف كذلك . وهذا ما سوف يهدم كل عمل مسرحي أو فني أحاول إنشاؤه . إن إسقاطى الحياة والعواطف كما هي ، وكما يراها ويحسها دهماء الناس ، وركوني إلي الطريقة الرياضية في تعريف أفكاري وتأملاتي لمصيبة كبرى ، وإليك دليل آخر في قطعة "الحلم" التي أرسلتها إليك . إنك ولا شك لم تجد فيها أي صورة تنطبق على الحياة وعواطف الحياة . ولكنك قد وجدتها متمشية مع العقل والمنطق الذي تقتضيه فروض خاصة انشأتها أنا في البداية . تلك هي الرياضة فرض وعقل ومنطق . التصوير الحديث أخرج من حسابه العواطف البشرية وجعل أساسه الهندسة والمنطق العقلي الواعي وغير الواعي ، والموسيقى الحديثة أيضا ... يا للبلاء ! إلى أحب الفن الحديث وأقلده أحيانا وأخشاء وأخشى منه على نفس ... " (1)

ودع عنك شك الكاتب في قيمة ما عمل ، فهذا الشك لا تعرفه غير النفوس الكبيرة . ودع عنك جهره بهذا الشك ، فدلك مالا يستطيعه إلا من ضمن الخلود ، ثم انظر معى إلي نمو الروح الهندسية esprit de geonetric كما يسميها بسكال ، عند كاتبنا ، وطغيانها على ما يسميه نفس الكاتب الفرنسي " روح الدقة " esprit de pinesse ثم ابحث عن أسباب ذلك ؛ أو ما تري أن سيطرة الشهوة العقلية - شهوة المعرفة غير المباشرة - وما استتبع ذلك من انصراف عن الحياة ، وضيق بها ، كما تشهد الصفحات التي يتبرم فيها الكاتب بالإحتكاك بالمجرمين في حياته القضائية ، كانت من أهم الأسباب الموجهة . الحكيم سجين نفسه . سجين عقله .

ولقد حاول كاتبنا النافذ الذكاء أن يري في بنائه لموضوعه وتصريفه للحرار أسلوبه الخاص . ولكننا

نلاحظ ما سبق أن وضحناه ، وهو أن بناء لقصصه ومسرحياته رائده دائما الفكر ، والحياة لسوء الحظ أشد نفورا من أن تنطوي تحت خط من خطوط العقل ، والشخصية الروائية مهما آمنا بالجبر الداخلي لابد ممزفة - في الحياة - كل منهج مرسوم . أولا تري إلي كاتب كدستويفسكي كيف تتدفق بعض رواياته - العبيط مثلا - كما يتدفق سيل الحياة لا يحده شاطئ ولا يسجنه مهد . والحكيم كرجل تفكير لم يعد يري للصورة جمالا يعتد به ، فاللغة عنده " أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة " (1) ؛ والأسلوب عنده هو روح الكاتب وشخصيته ومنهجه في التأليف ، وهذا حق ولكنه ليس كل الحق . فهناك أيضا فن العبارة ، وما ينبغى أن تدفعنا ثورتنا المشروعة على أدب اللفظ الذي أفسد حياتنا الروحية قرونا طويلة إلي تحطيم ذلك الفن ، فالسجع والتكلف الأجوف كما عهدناهما لا يقدحان في المبدأ العام الذي نهض على أساسه جميع الفنون وأعني به فن الآراء . ونحن لا نقول ، كما قال مذهب من المذاهب الحديثة ، إن اللغة كمقاطع الرخام يصاغ منها الأدب كما تنحت التماثيل ، ولكننا نؤمن . ويجب أن نؤمن ، أن الكثير من الأفكار الرائعة والأحاسيس العميقة تفقد من جمالها ، إن لم تفقده كله . إذا عزبت عن جمال الصورة ، بل إن التفكير والإحساس كثيرا ما يضيعان ، إذا عجزنا عن إسكاتهما ، اللفظ الدال . وكم من كاتب يحدثنا عن موضع الصعوبة في الخلق الفني الإنساني فنجده في الاحتيال على الفكر أو الإحساس حتى يطمئن إلي اللفظ . وليس من شك في أن سر الخلود في الكثير من عيون الأدب يرجع جانب كبير منه إلي خصائص الصياغة . وهل أدل على صحة ما نقول من استحاله ترجمة الشعر الخالص ؟ (2) .

وهكذا نستطيع أن نجمل التحفظات التي تراها :

١ - عدم الإمعان في الحياة طلباً للمعرفة المباشرة

٢ - شدة وطأة التفكير الرياضي وعدم تنمية روح الدقة التي تري التفاصيل والمفارقات وتحرص عليها لدلالتها الإنسانية لا لتأييدها لفكرة عامة أو اتجاه نفسى مسيطر ، كما يريد المؤلف في إحدي صفحات كتابه .

٣ - عدم الإيمان بجمال الصياغة والشكل Le culse de la forme مع أنه إيمان بالجمال المطلق ، ورحم الله أفلاطون إذ قال : "لو صبغت الحقيقة امرأة" لأحبها جميع الناس "

هذه هي مواضع نقدي علي الكتاب وصاحب الكتاب . حرصت على البدء بها لأني أقدر مبلغ الأثر الذي سيحدثه هذا الكتاب في النفوس ، كما أقدر قوة كاتبه ، وقد خشيت أن يحتاج المؤلف القراء فيها هو محق فيه وغير محق . ولا شك أن القارئ عندما يقرأ الكتاب - وهذا ما أرجوه أن يفعله - سيحس بإيمان كاتبه إيمانا لا يدفع ، ايماناً مخلصا من نفس مخلصة . ثم كم فيه من ضياء ! كم فيه من فهم عميق سليم لمعنى الثقافة الإنسانية !

هذا الكتاب سيمثل ، كما قلت ، مرحلة من مراحل حياتنا الروحية والثقافية . وذلك ما سوف أبينه في المقال الآتي . وأما هذا المقال فلست أتجه به لغير ملكة النقد عند القارئ . وهناك ملكة أخرى هي التي أدعو القاريء إلى أن يتناول بها هذا الكتاب ؛ تلك هي ملكة الفهم . بل ملكة المشاركة في الحس والإيمان .

اشترك في نشرتنا البريدية