الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 184 الرجوع إلى "الثقافة"

في النافذة :، مصر المستقلة دائما

Share

كنا نريد أن يكون حديثنا اليوم عن تعطل المصريين وعن رأينا في وسائل علاج ذلك التعطل ، وعن مستوي حياة عامة الشعب ، وعن الطرق المؤدية إلى إعلائه ؛ وهو ما وعدنا بالتحدث عنه في العدد السابق من " الثقافة " ولكن

ولكن كيف السبيل إلي أن يقبل القلم على مثل هذا البحث ، والحال من بين أيدينا ومن خلفنا لا تدع فراغا للذهن إلا أن يفكر في موقف مصر ، ولا يدع انصرفا للقلب إلا إلى الشعور بموقف مصر ، ولا يدع للعلم قدرة إلا على التحدث عن موقف مصر ؟

لقد أقبلت الجيوش تلج أبواب مصر ، وتحارب في دهاليز مصر ، ولا تزال تجوس خلال صحاريها عند حافة الريف ؛ ونحن ننظر إلى السماء ، وتذهب ابصارنا عبر السنين من الوف اعوام مضت إلي اليوم ، ومن اليوم إلي سنين كثيرة مقبلة ؛ وتزدحم الاسئلة في القلوب ، وتتنازع خوالج العواطف في الصدور ، وتلمع العبر من ثنايا كل ذلك لمعات خاطفة لا تكاد تضئ حتى تخبو ، ويغطي عليها الواقع الغامض الملىء بالاحتمالات .

لقد كانت مصر أم العالم المتمدن منذ آلاف السنين وكانت سيدة العالم المتمدن منذ مئات السنين ؛ ثم دار بها

الفلك الدوار ، فاعترتها عصور غطت على فضلها القديم ، وانست العالم سيادتها الغابرة ؛ فإذا هي اليوم ميدان حرب الأمم المناضلة ، تنظر نظرة إلي الماضي ، ونظرة إلى المستقبل ثم تفضي ويطول بها الإفضاء

عقدت مصر مع بريطانيا العظمي محالفة صداقة شريفة ، عقب نضال سياسي طويل ؛ ورهث حق هذه المحالفة منذا رمتها ، وقامت على إنفاذها شريفة مخلصة ، وكان الشرف يختم عليها ان ترعاها ، وكانت بذلك مثلا لا للشرف في هذا العالم المضطرب الثائر ؛ ووقت لحليفها في غير من ولا كبرياء ، فلم يعل صوتها بالمن عند النصر ، ولم يخالطها وهن في الهزيمة ؛ فكانت بذلك جديرة عبراتها القديم من خلق مصري صميم .

إن الأقدار لا تزال سائرة في مجراها ، وكل شئ معلق في خيط الفضاء ، والسيف ليس فيه إلا شرف ، وسنة الحروب لا بد فيها من نصر وهزيمة .

والحرب اليوم حرب جبابرة عماليق ، لا تطمع مصر فيها إلا ان تخرج ناجية من الويلات والنكبات ؛ فلقد كفاها منها ما قاسته في تاريخها الطويل

ولكن أمرا واحدا يجب أن نقف عنده قليلا ، لكى نؤدي حقا علينا نحو الحقيقة ، أو لكي تقرر امر لا مناص لنا من تقريره .

لقد حددت المحالفة المصرية البريطانية موقف مصر مع بربطانيا ، وشهدت وثائقها باستقلالها ، ورسمت لها خطواتها نحو الجلاء ، فاطمأن بها المصريون على مستقبل بلادهم ، واثقين أن الزمن كفيل بإكمال ما ينقصهم وتحقيق ما يجول في أمانيهم . ولكن هذه الحرب قد عاجلت العالم قبل ان يمضي علي هذه المعاهدة زمن يكفل ان تسيطر مصر على مصايرها ، وتستعمل قوتها ، وتقف ثابتة على قدميها ؟ واضطارتها حوادث الحرب ان تشهد في أرضها نضالا قاسيا لم يشهد العالم مثله من قبل في عصر

من العصور ؛ فكانت بذلك في موقف لا يشبهه موقف آخر في العالم كله ، لا في هذا الوقت ولا في أي وقت مضي من الأوقات ؛ ولكن كل ذلك لا يغير الحقائق ، ولا ينبغي أن يطمس الحقوق ، فمصر مستقلة ، وهي تعتقد في استقلالها ، ومصر قلب الاسلام ، وهي تؤمن بأنها قلب العالم الاسلامي ، ومصر مركز العروبة ، وهي شاعرة بما بينها وبين سائر الأمم العربية من روابط مادية وصلات روحية ؛ وهي ثابتة العقيدة في حقها ، لا تحس يوما أن ضعف قوتها يستطيع أن ينال من تلك العقيدة ! وهي صريحة في إيمانها ، لا تعرف مداجاة ولا خوفا في المجاهرة بذلك الإيمان . ولقد شهد التاريخ منذ قرون أنها قد تسكن أحيانا ولكن سكونها هذا لا ينسيها وجودها ، وانها قد تعترف للقوى بقوته ، ولكن ذلك الاعتراف لا يشعرها ذلة ولا يخضع كبرياءها . إن النصر في الغيب ، يهبه الله من يشاء ، ولكن شيئا واحدا يظل في كل الحالات ثابتا ، ويبقي مع كل الظروف محققا ، وهو أن مصر مستقلة كريمة وثيقة الإيمان بمستقبلها .

وإن الهدوء الذي يظهره المصريون في هذه الآزمة لأكبر دليل على تقديرها للحوادث التي تمر بها ؛ فهي إن كانت حوادث جليلة ، لا تمس إلا سطحها ، وأما قلبها النابض ، وامانيها الحارة ، وعزتها العميقة ، وإيمانها الثابت في المستقبل ، فلن تبلغ إليها الحوادث ، وإن كانت مما تزعزع غيرها من الشعوب

اشترك في نشرتنا البريدية