الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 913الرجوع إلى "الرسالة"

في النظم الإسلامية

Share

لما انعقدت بالقاهرة أخيراً الدراسات الاجتماعية للدول  العربية ناقشت المساكن وتخطيط القرى في الريف،  وفي رأينا أنه كان يجمل بالمؤتمرين - وهم مندوبو دول عربية  إسلامية - يلتفتوا إلى آراء النظم الإسلامية في هذا الشأن،  ولكنهم لم يفعلوا، والظن أنهم في غمرة التقدير المسرف لنظم  الغرب وأفكاره وتشريعاته شغلوا عن الإفادة من النظر في  تضاعيف التاريخ الإسلامي ما يحوى من ثروات اجتماعية فكرية  وتشريعية، وهي ثروات يمكن الانتفاع منها في الطلب للمشكلة  والملاءمة عند الاقتضاء بين بعضها وبين الزمن. وربما كان من  دواعي هذا الإغفال أن نظامنا  الإسلامية لم يستخرج بعد الكثير  من غرائب نصوصها، ولم تدرس بعد على نحو علمي عميق يجلوها  نصوصاً وروحاً ومعقولاً.

وفي موضوع المساكن، تسبق النظم الإسلامية إلى مبدأ بالغ  لأهمية هو إلزام الدولة بتدبير مساكن للفقراء، ذلك أن الشريعة  تقتضي أغنياء كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، وأن يجبرهم السلطان

على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم. والقيام بالفقراء لا يكون بتدبير  القوت وكسوة الشتاء والصيف فحسب، ولكن أيضاً بتجهيز  مساكن لهم يصفها ابن حزم بأنها   (تكنهم من المطر والصيف  والشمس وعيون المارة)1

وتوفير المساكن أمر عمراني تستهدفه النظم الإسلامية،  فليس لمالك دار أن يهدمها إذا كان في ذلك - كما يعبر المفتون -    (ضرر لأهل السكة بخراب المحلة)2

والمسلمون في سياستهم المسكنية يعنون بقوانين الصحة  الوقائية، فهم مثلا لا يغفلون عن وجوب نقاء ماء الشرب،  ويعرفون للماء خطرة في توفير النظافة، ولذلك فهم حين تواتيهم  الفرصة بفضل الظروف الطبيعية يزيدون البيوت كبيرها وصغيرها  بالمياه النقية. يتحدث المرحوم الأستاذ أمير على عن مياه الشرب  في دمشق أيام الأمويين فيقول: (ومع أن نهر   (بردي)  كان  يجهز المدينة ولا شك بالمياه الكافية إلا أن الأمويين أبدوا مهارة  منقطعة النظير في تجهيز حتى أحقر دور المدينة بأحواض خاصة  تنبثق منها المياه الصافية، كما حفروا سبعة جداول رئيسية تنساب  في أنحاء المدينة، وعلاوة على المجاري العديدة الأخرى التي كانت تربط كل منزل بالمجرى الرئيسي.)3 ولقد زار ناصر خسروا  المسجد الأقصى فرأى هناك   (ميازيب من الرصاص ينزل منها  الماء إلى أحواض حجرية تحتها,وقد ثقبت هذه الأحواض ليخرج  منها الماء وبصب ي الصهاريج قنوات بينها غير ملوث  أو عفن)4

ويبدو أن العناية بالمرافق العامة كانت مبذولة في مختلف  البلاد الإسلامية صغيرها وكبيرها، فمن وصف ناصر خسرو  لمسجد   (ميافارقين)  في فارس أن   (لميضأته أربعين مرحاضا تمر

أمامها قناتان كبيرتان: الأولى ظاهرة ليستعمل ماؤها، والثانية  تحت الأرض لحمل الثقل والصرف)1  ومن صفة لمسجد    (آمد)    (أن به ميضأة عظيمة جميلة الصنع بحيث لا يوجد أحسن  منها)2  وكذلك من وصفة لسوق طرابلس الشام أن فيها  مشرعة ذات خمسة صنابير يخرج منها ماء كثير، ويأخذ منه  الناس حاجتهم)2 ويذكر ابن دقماق عن وزير لآل طولون  أنه (عمل المجاري في سنة ٣٠٤ أو ٣٠٣ ه4ـ. وكشفت  حفريات الفسطاط عن كثرة المعدات الصحية وانتشارها فيها؛  يقول صاحبا هذه الحفريات المرحوم علي بك بهجت والمسيو ألبير  جبرييل في هذا الشأن:   (يستدل من كثرة المعدات الصحية  وانتشارها على زيادة العناية بأمور الصحة العمومية لأنا لم نر داراً  خلت من وجود مجارير للمراحيض  متسلطة على بيارة تنصرف  إليها مياه الدار)4  وقد وصف هذان الأثريان تفصيلاً  نظم بناء المراحيض والمجاري بالفسطاط ونظم توزيع الماء في هذا  البلد، سواء بالآبار أو بالقنوات والأنابيب أو بالفساقي وأحواض  غسل الأيدي فنستدل من هذا الوصف على تقدم في الهندسة  الصحية.6

ونقل المؤلفان عن مخطوط في الحسبة بمكتبة الجامعة الفرنسية  ببيروت نصا مؤداه أنه لا يجوز لأحد إخراج كل ما فيه أذية وأضرار  على السالكين في الشوارع كمجاري الأوساخ الخارجة من الدار  في زمن الصيف إلى وسط الطريق7، كما نقلاأيضاً نصا يفيد  أن على من ينقلون السماد إلى ظاهر البلدان أن يحفروا له حفائر،  فإذا نقل إليها يطم عليه حتى تنقطع رائحته، فلا يتأذى منه أحد،  ويمنعون من نقل ذلك إلى الماء وطرحه فيه أو ما حوله.8 ومن القواعد الشرعية الإسلامية أنه إذا  كان لدار مسيل قذر

في الطريق العام، وكان مضرا بالعامة، أو حتى في الطريق الخاص  وكان مضرابأهله,يرفع ضرره ولو كان قديماً ولا يعتبر قدمه1.

وهكذا تتظاهر أدلة التاريخ الآثار والشريعة في الشهادة  بأن النظم الإسلامية أولت الصحة الوقائية عناية تامة.

وتلتفت النظم الإسلامية إلى الأماكن الموصوفة في مصطلح  وزارة الصحةالآن بأنها   (مقلقة للراحة أو ضارة بالصحة)   وتتصرف تلقاءها على نحو يشبهه ما تجري عليه اللوائح المتعارفة حالياً

فلا يجوز مثلاً إقامة مخبز أو مطحن أو مدق في   (الحيطان)   التي كانت وقتئذ بمثابة مرافق صحية2. ويمنع نصب المنوال  لاستخراج الحرير من دود القز إذا تضرر الجيران بالدخان ورائحة  الديدان3. بل أن حق الجيران منع يتخذ داره حماماً  إذا تأذوا من دخانه4. ويمنع دقائق الذهب من دقة بعد العشاء  إلى طلوع الفجر إذا تضرر الجيران من ذلك. ليس لأحد أن  ينشئ بستاناً في أرض رخوة  يتعدى ضررها إلى جدار الجيران،  وكذا يمنع من يجعل دكانه طاحونة أو معصرة أو حماماً أو إسطبلا،  وليس لأحد أن يقيم تنوراً في وسط تجار الأقمشة إذا كان  يضرهم دخانه.5

وقد كان المسلمون أول الأمر يكرهون المغالاة في البنيان  والإسراف فيه، ولكنهم بعد سايروا مقتضيات الزمن. كتب  عمر بن الخطاب إلى عتبة بن مروان وأصحابه بالبصرة لنا بنوا  باللبن: فقد كنت أكره لكم ذلك، فإذا ما فعلتم فعرضوا  الحيطان وارفعوا السمك وقاربوا بين الخشب)6.

والاجتماع الإسلامي يعرف راشداً ما تجب مراعاته في أوضاع  البلدان. يقول ابن خلدون:   (ومما يراعي في ذلك للحماية على  الآفات السماوية طيب الهواء للسلامة من الأمراض، فإن الهواء  إذا كان راكداً خبيثاً او مجاورا للمياه الفاسدة أو منافع متعفنة  أو مروج خبيثة أسرع إليها العفن من مجاورتها ، فأسرع المرض

للحيوان الكائن فيه لا محالة...المدن التي لم يراع فيها طيب  الهواء كثيرة الأمراض في الغالب) 1 ويمضي ابن خلدون  فيتحدث عن المرافق العامة التي يستلزمها نفع البلد ودفع الشقة  عن أهله، فيشير إلى أهمية قرب الماء وطيب المرعى للساعة2 .

وعناية النظم الإسلامية باتساع الطرق عناية بالغة. يذكر  الماوردي - وهو بسبيل تعداد مواضع ولاية القاضي - أن  منها   (النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات  والأفنية وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية)  ويذكر  أن للقاضي أن ينفرد بالنظر فيها وإن لم يحضره خصم لأنها من  حقوق الله تعالى التي يستوي فيها المستعدي وغير المستعدي، فكان تفرد الولاية بها أخص)3

وآية نضج ذوقي وتقدم حضاري أن من أوقاف المسلمين  ما كان على تعديل الطرق ورصفها4

وعند الماوردي انه إذا بنى قوم في طريق سابل منع والى                                                                                                                                                        الحسبة من ذلك وإن اتسع الطريق ,((ويأخذهم بهدم ما بنوه                                                                                                                                               ولو كان المبنى مسجدا,لأن مرافق الطرق للسلوك لا للأبنية))5

والفقه يحرص حرصاً بعيد المثالية على حق الجمهورفي الانتفاع  بالطرق العامة، فليس لأهل سكة أن يسدوا رأسها، ولا أن  يبيعوها ولو كانوا أصحابها وأنفقوا عليها، ولا أن يقتسموها فيما  بينهم، ذلك أن الطريق الأعظم - كما يقول أبو حنيفة -   (إذا  كثر فيه الناس كان لهم أن يدخلوا هذه السكة حتى يخف  الزحام)1واخراج مصاطب الدكاكين إلى ممر الجمهور  عدوان على المارة يجب على المحتسب و إزالته و المنع من فعله2 ولا يجوز لأحد أن بيني ظله تضر الطريق، (ومن خاصمة من المسلمين قبل البناء فله أن يمنعه، وبعد البناء له أن يهدمه3. وتمضي الحسبة الإسلامية في النهوض بما تنهض به الآن

مصلحة التنظيم والمجالس البلدية، فالميازيب الظاهرة من الحيطان  في زمن الشتاء يأمر المحتسب أصحابها   (أن يجعلوا عوضها مسيلاً  محفوراً في الحائط مكلساً يجري فيه ماء السطح؛ وكل من كان  في داره مخرج للرسخ إلى الطريق فإنه يكلف سدة)4

وعلى المحتسب أن يأمر الأسواق بكنسها وتنظيفها من  الأوساخ والطين المجتمع وغير ذلك مما يضر بالناس.5

ومن قول الرسول: إماطة الأذى عن الطريق صدقة،  وهو - صلوات الله عليه - يقرر أن من قضى حاجته تحت  شجرة مثمرة أو على طريق للسير أو على حافة النهر فعليه لعنة الله  والملائكة والناس أجمعين6 والمسلمون بعده يتناهون عن  توسيع الطرقات، فالسمر قندي مثلا يقول:   (ولا ينبغي للعاقل  أن يتمخط أو يبزق في ممر الناس لكيلا يصيب اقدامهم ))7

لذلك، كانت نظافة الطرقات لافتة، وقد رأى ناصر خسرو  شوارع طرابلس الشام وأسواقها من الجمال والنظافة بحيث ظن  أن كل سوق قصر مزين7. وفي صيدا رأى سوقا جميلة نظيفة  ظن أنها زينب لمقدم السلطان أو بمناسبة بشرى سعيدة، ثم  ما 8لبث أن عرف أنها عادة المدينة دائماً9

ومن اللفتات الفقهية الكبيرة الدلالة أن شغل البائع  للطريق الضيق على نحو يتضرر منه الناس يوجب عدم الشراء  منه   (لأن القعود على الطريق بغير عذر مكروه. ولهذا لو عثر  به إنسان وهلك كان ضامنا، فالشراء منه يكون حملاً له على  المعصية وإعانة له على ذلك) 10.

والمرور في الطرق له قواعده، فيستحب للراجل مشيه في  جانب الطريق، وللراكب في وسطه إذا كان في مصر، وإن كان  في الفضاء فوسط الطريق للراجل وحافتاه للراكب. ويستحب  للمتنقل أن يوسع للحافي عن سهل الطريق1. وقد أشار ابن  بطوطة إلى أن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه  يمر عليها المترجلون ويمر الركبان بين ذلك2.

وترى الشريعة الإسلامية أن المنافع العامة كالقناطر والطرق  النافذة والشوارع العامة التي ليست بملك لعين لا يجوز لأحد أن  يختص بها ولا أن يمنع غيره الانتفاع بها بل تبقى لمنفعة عامة3.

وشطوط الأنهار - ويا طالما نراها الآن مخصوصة بمبانى الأغنياء - ينعقد الإجماع فى الإسلام على منع البناء فيها

ولا شك أن الشريعة تستهدف من هذا أن يكون نفع  الشطوط ومتعتها مشاعاً بين الأهلين غنيهم وفقيرهم. وقد ذكر  ابن إياس في أخبار ستة ٨٦٦هـ أن الشيخ جلال الدين الأسيوطي  أفتى بأنه لا يجوز البناء على ساحل الروضة بناء على ذلك الإجماع،  وأن ما ذكر من جواز ذلك في مذهب الشافعي باطل وليس له  صحة في كتب الشافعية قاطبة.4

والبيوت لا تترك الحرية المطلقة لأصحابها في تعليمتها على حساب  مصلحة الجيران. قيل: يا رسول الله، ما حق الجار على الجار؟  قال: - وعدا أموراً -. . وأن لا تطيل بناءك عليه إلا بطيبة  من نفسه.5

ولا يفوت النظم الإسلامية أن تهتم بمطارح الحصائد أو  ما نسميه الأجران، فهي تقر حاجة القرية إليها وتعدها   (بمنزلة  الطريق والنهر، ولذلك لا تعتبر مواتا، بل تعتبر للعامر  لأنها من مرافقه) 1.

بقى أن نسأل استيفاء للبحث: كيف كانت حال المساكن  وتخطيط البلدان في حواضر أوربا بله في ريعها؟ سندع العلامة

Draper، يجيب عن هذا وهو يصف اوروبا إبان القرون الوسطى  يقول وقوله واضح الدلالات : " كانت القارة مغطاة تقريبا بالغابات الكثيفة (يقصد لطول ما أهمل الناس الزراعة ( وكانت المستنقعات تحيط بالدائن والأدبرة ، وكانت تتصاعد منها روائح مهلكة ترمى الناس بالموت . وفى باريس ولندن كانوا يتخذون المساكن من الخشب والطين المخلوط بالتبن والقصب . ولم تكن فيها نوافذ ، وحتى بعد اختراع آلات النشر الميكانيكية لم تكن أرضيات الساكن من الخشب . أما البسط فلم يكونوا يعرفونها ، وكانوا يستعيضون عنها بالقش يفرشونه على الارض . ولم تكن المداخن معروفة لديهم ، فكان الدخان يتصاعد من ثقب فى سقف الدار بعد أن يجوس خلالها معرضا أهلها لكل خطر . ولم يكن الناس يعرفون النظافة ما معناها ، وكانوا يلقون بأحشاء الحيوان وفضلات الخضر تجاه بيوتهم فى أكوام تنبعث منها ريح متلفة . وكان الرجال والنساء والاطفال يحتشدون للنوم في حجرة واحدة ومعهم فى حالات كثيرة حيواناتهم المنزلية ، ووسط هذه

الفوضى الأسرية كان من المستحيل أن تظفر الفضيلة والحياء بشيء من الاهتمام"2 ويمضى المؤلف فى وصفه مشيرا إلى عدم وجود المجارى وكيف كانت تلقي المياه والاقذار فتصيب المارة ، وكيف كانت الشواوع متربة ضيقة مظلمة3

وبعد ، فلسنا نكتم أننا شديدو الإيمان بالأثر الصالح الذي نستنبعه إحاطتنا بأساليب الغرب فى علاج مشكلاته الاجتماعية ، ولكننا مع ذلك نلح فى الدعوة إلى التوفر على دراسة الحضارة الاسلامية ، وبخاصة فى جوانبها الاجتماعية . تدعو إلى ذلك لا ابتغاء معلومات فحسب ، فالعلومات وحدها قد تكون ميئة ، ولكن استيحاء التراث أثبت حيوبته وفاعليته ، ولا تدعو إلى ذلك بدافع من عصبية وإنما قضاء لواجب العلم والتاريخ والانسانية

اشترك في نشرتنا البريدية