أخبرنا جوته بنفسه أن مؤلفاته سوف تظل من أدب الخاصة ، ولن تكون من أدب العامة ، وقد تحقق رأيه في أدبه . فلم يتسع مدى إعجاب الجماهير بأدبه وإقبالهم عليه ، وخاصة الروايات الثلاثة التى كتبها . ونحن حين نقدر قيمة هذه الروايات ، ينبغي علينا ألا ننظر إليها إلا على أنها مراحل ثلاثة في تطور الرواية ، باعتبارها نوعًا من أنواع التعبير الفني ، ومراحل ثلاثة في تطور جوته نفسه ، وهي روايات شبابه ورجولته وشيخوخته.
وأول هذه الروايات " فرتر " وتعد أبسطها وأقربها إلى نفوس القراء . وأشهرها في مصر ؛ فقد ترجمت إلى العربية ، وقد أضحى بها جوته معبرًا عن جيل بأكمله ، وهو جيل أشعل فيه جان جاك روسو مبدأ الرجوع إلى الطبيعة ، وكتبها جوته ، فأصبحت للتو ملهمة لألمانيا وأوربا بشكل عام وما زالت حتى اليوم تثير في قارئها اضطرابًا وقلقًا . كتها في أسلوب شاعري رقيق تدوي فيه اصداء العواطف الثائرة والانفعالات المضطربة ، فرحب بها معاصروه باعتبار أنها دفاع عن الفرد وعواطفه وطبيعته ، وثورة على القواعد والقيود المادية ، وذرفوا الدمع السخين على مصير فرتر الحزين.
ودوافع فرتر بطل الرواية دوافع نبيلة خالصة ، وكان إنسانًا ضعيف الإرادة ، سهل الانقياد ، لا يستطيع السيطرة على نفسه وعلى عواطفه ، وقد عاش في عالم خلقه لنفسه يهرب إليه من حقائق الحياة . وأحب شارلوت باعتبار أنها رمز البراءة والطهارة والاستكانة وسلامة الطوية . ووجد الراحة والهناء في قراءة القصص والالتجاء إلى عالمها المصنوع وأنسته ملحمة الأوديسة للشاعر الإغريقي هوميروس همومه وأحزانه ، ولكن بعض أغاني هذه الملحمة كادت تسبب له
الجنون . وكان يجب أن يكون في صحبة الأطفال والبسطاء . وظل حتى النهاية كما هو لا يفكر إلا في نفسه ، ولا يشعر بوجود أحد في العالم سواه ، ولا يلين لأوضاع الحياة ونظمها وتقاليدها ، ولا يستطيع أن يلائم بين نفسه وبين العالم الذي يعيش فيه ، فاختل وتداعى ثم انتحر .
وظل الشعراء مدى قرنين يتبعون نهج فرتر ، ويطلقون العنان لعواطفهم وأخيلتهم ، ولم يستطع الخلاص من ذلك إلا هؤلاء الذين وهبوا عبقرية وقوة في الشخصية مثل جوته .
على أن حياة جوته ومؤلفاته ترينا كيف استطاع أن يتغلب تدريجيًا على الأخطار التي تعرض لها فرتر بفضل شدة حساسته ، وكيف سيطر على نفسه . وقد شعر بعد أن نفس عن نفسه بتأليف رواية " فرتر " بأنه حر سعيد مرة أخرى ، وله الحق في أن يحيا من جديد . ولكنه لم يستطع أن يحمي نفسه بالكتابة نهائيًا من خطر الإغراق في الحساسية ، بل ظل يعارض هذا الإغراق ويقاومه ، فزادت قدرته على التحكم في نفسه ، واستطاع أن يخرج من نطاق ذاته ، وأن ينظر إلى الحياة نظرة موضوعية مجردة ، على أنه ظل حتى آخر ساعة من ساعات حياته يسمع صدى ذلك النغم القديم الذي كان فرتر يردده في نفسه .
والرواية الثانية " ولهلم ميستر " هي رواية متناهية في الطول ، تتكون من جزأين : الأول منهما يسمى " سنوات الشرب " ، والثاني يسمى " سنوات الترحال " . وتتطور الرواية تطورًا وتيدًا ، وتغدو كالطود الشامخ ، وقد أصبحت من يوم كتابتها حتى اليوم نسيج وحدها لا تضارعها رواية أخرى من نوعها .
ونحن نجد بطل هذه الرواية أول الأمر يشعر مدفوعًا بروح الشباب والمخاطرة بفسحة الحياة وانبساط العالم ،
فيغب منهما غبًا ؛ ثم ينقشع قرب نهاية الجزء الأول ذلك الضباب الخفيف الذي يغلفه . فيصحو البطل من أحلامه وأفكاره الخيالية ، ويترك ميوله للمسرح ، ويهجر أماله الخاطئة في أن يحقق الشهرة بأن يكون ممثلًا أو كاتبًا للمسرح ، وينبذ أحلامه عن المجد الشخصى ، ويفكر جديًا في خدمة المجتمع ، ويقرر أن يصبح جراحًا ، ويأخذ في تدريب نفسه على معرفة نفسه ، ورؤية حياته في معناها الحقيقي .
والجزء الثاني يحتوي على عالم شاسع من الآراء والمثل العليا . ونجد فيه آراء جوته عن التربية ، واهتمامه بالناحية العملية منها ، مما يتفق إلى حد كبير مع الآراء الحديثة . ونلمس خلال هذه الرواية كما نلمس في مؤلفات جوته الأخرى ، اهتمامًا دائمًا بالمجهودات الإنسانية ، وبأحسن وسائل نماء الفرد وتطوره ، وذلك بواسطة التربية وتدريب النفس ؛ وهو لا يستهدف هنا مستوى عامًا معينًا ، بل يستهدف الكمال الذاتي في طبيعة كل إنسان على حدة ، ولا غرو فقد كان يمثل مدرسة كانت متطرفة في الفردية ونجد في هذه الرواية أيضًا الوسائل التي بلغ بها جوته النضوج باعتباره رجلًا وفنانًا ، ونلمس وجود الشاعر في نفسه قويًا جبارًا ، وهو يقاومه بأفكاره وإخضاعه وينظم تلك الناحية المضطرمة في عقله ويسيطر عليها ، فيحقق التوازن والتوافق في نفسه .
وهناك من النقاد من لا يرضى عن الجزء الثاني من هذه الرواية ، الذي يهجر فيه جوته أحلام شبابه ، ويقبل على حياة تسيطر فيها الإرادة ويسودها العقل . ويقولون إنه قد خان عهده للفن . ويبدو جوته في هذا الجزء كأنه يلقي علينا درسًا عن عظمة النثر في أسلوب شعري رائع وإنه مملوء بالمتناقضات ، وفيه ما يخيل إلينا أنه اضطراب ، وهي أخطاء لا يستطيع كاتب أقل من جوته مقدرة أن يتخلص منها ، ولكننا نشعر طوال الوقت بروعة عبقريته . فتبدو لنا هذه المتناقضات كأنها متناقضات الحياة . والحياة مملوءة منها ، وتتبدل الأخطاء فتصبح حسنات بفضل مقدرته وبراعته . ولكن لا جدال في أن الجزء الأول يمتاز على الجزء الثاني بذلك الغلاف الرقيق الذي تبدو منه
القصة كأنها حلم ذهبي جميل ، وقد خلا من كل ما لا لزوم له فبدا رصينًا متماسكًا.
والرواية الثالثة هي تجاذب الأشياء . وهي أكثر رواياته متانة في بنيانها . وكأنا قد أقام هيكلها مهندس بارع أزال عنها كلا ما لا ضرورة له ولم يجعل فيها موقفًا واحدًا عمطه حقه أو بدت له أهمية أكثر من اللازم . وأسلوبها النثري محكم نقي صاف ، يضارع أروع الأساليب النثرية جمالًا وجلالًا . والرواية تعد دفاعًا عن قدسية الزواج ، ونجد فيها كما وجدنا في " فرتر " تلك العواطف والانفعالات التي تنهار أمام حقائق الحياة . على أن الرواية لا تعالج الشخوص إلا بقدر ما يتم عن الأفكار ، وتدور حول قانون تجاذب الأشياء ، ذلك القانون الذي عمل أصحاب الميول المشابهة يتقاربون وينتخب بعضهم البعض على الرغم منهم ، ويعالج جوته هذا القانون باعتبار أنه مبدأ هام يقوم بدور هام في تكييف الرواية وتقريرها . ويفسر جوته هذا القانون قائلا :
" تصور ( ا ) الذي يلتصق ب ( ب ) ولا يستطيع عنه انفصالا ، وتصور ( جا ) الذي يلتصق ب ( د ) ولا يستطيع أيضًا عنه انفصالا ، ثم يتصل الزوج الأول بالزوج الثاني ، فتكون الفتحة أن يصل ١ ب ( د ) و ج ب ( ب ) دون أن يعرف أحد منهم من ترك الآخر أولًا ومن اتصل بالآخر أولًا.
ويعتبر جوته هذا القانون قوة جبارة تشبه إلى حد كبير فكرة القدرية في الأدب الإغريقي القديم . ويبدو لنا هذا القانون قوة مستقلة مريعة متصلة بعنصر غامض من عناصر الوجود . وقد اقتنع به جوته بفضل تجاربه وملاحظاته . وهو عرض علينا في هذه الرواية قصة غير عادية لتبادل التجاذب والتقارب بين زوجين من الناس يستسلمون لهذا القانون بعد أن يبذلوا الجهد في المقاومة ، فتأمل موقف الصراع بين ما تعتبره حقًا من الناحية الأخلاقية وبين قوة غامضة تبدو لنا كظاهرة من ظواهر الطبيعة والحياة لا يمكننا الحكم عليها ولا نجرؤ على تخطئها . وما علينا إلا أن نقف بصددها في ذهول واحترام . وفي هذه الرواية إلى جانب هذا تحليل دقيق لما يدور في نفوس شخوصها من عواطف وانفعالات ولأسباب سلوكهم وأعمالهم .
وعلى الرغم من أن الصراع صراع بين الأفكار والقوى،
وليس بين الأفراد ، إلا أن الرواية مملوءة بالملاحظات الإنسانية التي تبعث الحياة فيها . ولا جدال في أن كتابتها قد احتاجت إلى مجهود ذهني كبير ، ولابد أن يبذل القارىء جهدًا ذهنيًا كبير المتابعتها ، وإذا ما بذل هذا الجهد فسوف يجد جوته وقد تجردت أفكاره وأخذت أشكالًا وصورًا .
فقد أفاد من حياة عاشها أعظم العائدة ، ووصل إلى السن التي تخلص فيها من عاطفة الشباب وقلقه . وأدخلنا إلى عالم كامل خلقه بنفسه . وكانت روايته الأولى تلائم عصره وتدخل في مزاج معاصريه ، ولكنه بروايته الأخيرة هذه سبق عصره بمراحل وأجيال.

