حضرة الأستاذ الفاضل محرر (الرسالة) :
تحية وسلاماً. وبعد. فقد قرأت في العدد ٣١٠ من (الرسالة) الغراء ما كتبه الدكتور بشر فارس عن الفصول التي أكتبها عن الأدب العربي الحديث؛ فحمدت له غايته من النقد. غير أنني لاحظت بعض أشياء على قوله:
١ - إن كتاباتي وإن كانت منصرفة إلى النقد القائم على الوجهة الموضوعية - كما لاحظ الدكتور بشر فارس في كلمة في (الرسالة) - والأستاذ صديق شيبوب في مقاله في البصير (١٢ مايو سنة ١٩٣٩) ؛ والأستاذ خليل شيبوب في مقاله
في (الأهرام) : (٢٩ مايو سنة ١٩٣٩) - إلا أن منحى الموضوعية فيها مستنزل من الطريقة (التركيبية، التحليلية) التي تذهب من النظر إلى الواقعات عيناً، ومن الواقعات إلى النظر عيناً آخر؛ والتي هي نتيجة ثقافتنا الرياضية.
٢ - إن هذه الطريقة من صميم الأساليب العلمية، والطرائق الموضوعية، لأن الطريقة العلمية تذهب: إما من النظر إلى الواقعات وإما من الواقعات إلى النظر. والمذهب الأول أكثر ما يتظاهر في الأساليب الخاضعة للنهج الرياضي بعكس المذهب الثاني، فإن أساليبه أكثر ما تتمثل في منهج البحث الاجتماعي.
٣ - إن الدكتور بشر فارس وثقافته اجتماعية صرفة قد نظر إلى بحثي من الطرائق الاجتماعية التي اتصل بها - أثناء تلقيه العلم في السربون - فدارت عقليته منها، وكان أقل ما يجب عليه أن يوسع نظرته وينظر إلى منهجي في البحث في النطاق العام للأسلوب العلمي.
٤ - كان في إمكان الدكتور بشر فارس أن يتعرف الدافع الذي دفعنا في دراستنا عن مطران إلى الكتابة عن (الشعر والشعراء) في المبحث الأول، وعن (الشعر العربي) في المبحث الثاني، وذلك لأنه ليس من المستطاع - ومطران رأس حركة جديدة في الأدب العربي - فهم حقيقة مذهبه واتجاهاته دون مراجعة الشعر العربي وخصائصه حتى يمكن عن طريق المقابلة معرفة الأثر الذي استحدثه مطران في الشعر العربي ومدى التجديد الذي قام به
٥ - كان في مستطاع الكاتب أن يستنبط من البحث الثالث والبحوث التالية له في المقتطف خطتنا في الدلالة على معنى شاعرية مطران من شعره، تلك الخطة التي تقوم على إرجاء المقدمات - التي انتهت بنا إلى الأحكام التي أصدرناها عن منحى الشاعرية عند الخليل - إلى موضعها الطبيعي من الدراسة.
٦ - رأى الكاتب أننا استعرنا اصطلاح (خلق جملة صلات اجتماعية) من كتابه (مباحث عربية) والواقع عكس ذلك. فإن هذا الاصطلاح قد دار على قلمنا من قبل صدور كتابه هذا: تجده في دراستنا عن إسماعيل مظهر حين تكلمنا عن آرائه الاجتماعية (التقدمة العربية لدراستنا عن مظهر في Z.R.O.J م ٣٦ ص ٤١١) هذا فضلاً عن أن هذا الاصطلاح من جملة ما يجري على أقلام
كتاب عصرنا هذا، وإذن فلا يمكن القول بأنه من الاصطلاحات التي استحدثها الكاتب.
٧ - ارتأى الكاتب أن الجملة التي أوردنا فيها هذا الاصطلاح مرتجلة بحيث أنها لا تتسق ومنحى البحث الموضوعي الذي أخذنا أنفسنا به. والواقع عكس ما رأى. بيان ذلك أننا ارتاينا في بحثنا المذكور أن المجتمع الشرقي - عادة - ينعزل أفراده بعضهم عن بعض بحيث ينقبض كل على نفسه. وقد كان ظهور خليل مطران بطبيعة مغايرة لطبيعة هذا المجتمع الذي نشأ فيه ما استوقف نظرنا. وقد رجعنا في بحثنا بهذا الأصل الثابت من نفسيته إلى طفولته التي ترك فيها حَّداً يتعامل مع أقرانه من الأطفال فخلص من ذلك بطبيعته الاجتماعية التي تجعله ينسحب على الجماعة ويشتبك مع أفرادها في (جملة صلات اجتماعية) . وواضح إذن أن هذا من باب التحقيق لا ارتجال، ومن ثم فاستعملنا لهذا الاصطلاح استعمال له في موضعه الطبيعي من الكلام لا في موضع غير متسق مع مجرى الكلام كما رأى!
٨ - أخذ علينا الدكتور بشر فارس إهمالنا لاستقصاء المصادر في دراستنا عن توفيق الحكيم، ودليله على ذلك أننا لم نلتفت إلى ما كتبه في مجلة الشباب عن توفيق الحكيم كما ينجلي في مسرحيته (أهل الكهف) وأظن أن الدكتور بشر فارس لا ينكر علينا أننا أكثر الكاتبين في العربية استقصاء للمصادر بدليل أن بحثنا عن توفيق الحكيم قد رجعنا فيه إلى نيف ومائة مرجع. ويظهر هذا من مراجعة سريعة لبحثنا. أما عدم التفاتنا إلى بعض ما كتبه المعاصرون عن آثار الحكيم فهذا يرجع إلى أنه ليس في مستطاع كاتب بالعربية استقصاء كل ما يتصل بمادة معينة في الأدب العربي الحديث. ولا وجه للاعتراض علينا بأن الباحثين الغربيين يظهر في بحوثهم استقصاء تام لجميع ما كتب عن مادة موضوع بحثهم لأن هؤلاء يجدون من مهيئات البحث عندهم في لغاتهم فهارس شاملة تجمع كل ما يتصل بمادة معينة فيسهل من ذلك الاستقصاء عندهم ٩ - أرجع الدكتور بشر فارس في مقالة مجلة الشباب (٩ مارس سنة ٩٣٦) فن توفيق الحكيم المسرحي في آثاره الأولى إلى فكرة الكاتب المسرحي H.R. Lenorrnand من حيث يتفق الكاتبان المسرحيان في اعتبار الكائنات (ظواهر لا حقائق) والواقع أن الكاتبين في هذه الفكرة متأثران بالنظرية الاعتبارية التي بثها في مؤلفاته الرياضي الفرنسي الشهير هنري بوانكاريه. وقد أشرت
إلى هذا الأصل بالنسبة لتوفيق الحكيم في دراساتي عنه (ص ٦٩ من الطبعة الخاصة وص ٣٦١ من طبعة عدد مجلة الحديث) فلا معنى إذن لقول الدكتور بشر فارس من أن توفيق الحكيم تأثر بزميله الكاتب المسرحي الفرنسي خصوصاً وأن توفيق الحكيم من الذين قرءوا هنري بوانكاريه وتعمقوا في دراسة آثاره (أنظر قطعة برجنا العاجي لتوفيق الحكيم عدد ٢٤٥ ص ٤٠٤ - ١٤ مارس سنة ١٩٣٨ من مجلة الرسالة)
١٠ - يقول الدكتور بشر فارس بأن الأصل في مسرحيات توفيق الحكيم اعتبار (الكائنات ظواهر لا حقائق) ويترتب على ذلك - عنده - صراع بين العقل والحلم، وبين الزمان والتاريخ (؟!. . .) وبين الشهوة والرغبة (؟!. . .) فإن صح معنا أن فكرة كون الكائنات ظواهر appearanccs لا حقائق realites تسوق إلى فكرة الصراع بين الواقع Fact والحلم dream فإننا لا نرى صلة بين هذا وما يحاول أن يظهره الكاتب من صراع بين الزمان والتاريخ، وبين الشهوة والرغبة. ذلك لأننا نعرف أن التاريخ منبسط الزمان والشهوة متفرعة من الرغبة (قوة النزوع عند فلاسفة العرب) وليس في هذا أي معنى يحتمل إفادة الصراع
١١ - يرى الدكتور بشر فارس أن جوّ المسرحية عند توفيق الحكيم متأثر بجو مسرحيات ماترلنك من حيث الميل إلى بسط الإبهام على المناظر وإثارة الأوهام في نفس الناظر. وهذا صحيح إلى حد، وقد أشرنا إليه؛ ويمكن أن نزيد على ذلك فنقول بأن جو المسرحية عند توفيق الحكيم منبثق من طبيعته الفنية التي دارت حول الكتابات الرمزية نتيجة إعيائه عن معرفة حقيقة النفس ولوامعها وبوادرها والتي تأثرت بمبادئ علم النفس الحديث وعلى وجه خاص تجارب شاركو في التنويم والإيهام، وريبو في الأمراض العصبية، وفرويد في أحوال اللاواعية، وبرجسون في تقليب المنطوي في النفس على الظاهر منها (ص ٦٩ من دراستنا من الطبعة الخاصة وص ٣٦١ من الطبعة العامة)
وبعد فإني شاكر للدكتور بشر فارس عنايته بالإشارة إلى دراستنا كما أني شاكر له عنايته بالنقد. وهو إن أخطأ النظر فيما كتب فله حسن القصد والغرض

