أكبر الظن أننا تركنا امرأ القيس بجانب فرسه عند البيت ، فلنرجع إليه لأنه يتأهب أن يمتطي صهوته وينطلق عليه كالريح الهبوب ليستأنف صيده وطرده . وها هو ذا الفرس الآن يعدو ويجد في عدوه وها هو ذا امرؤ القيس يصيب القنائص التي يعدو خلفها بسهامه القاتلة . وها هي ذي الدماء تنزف من القنائص غزيرة النزيف حتى تلطخ صدر الفرس وتخالط الدماء بياضه كأنها عصارة الحناء . ولكن ماذا ؟ ما هذا الذي يبدو عند الأفق ؛ اتري أنت شيئا . إنني لست أري الآن شيئا . .
ولكن ها هو كل شئ قد وضح أمام عينك وعيني وها هو قطيع من البقر الوحشي تحوم نعاجه كما تحوم العذاري عند نسكهن ولا يلبثن أن يتفرقن كقلادة الخرز الابيض والأسود التي يتحلى بها الصبي الكريم الأعمام والأخوال .
وها هو امرؤ القيس يري كل هذا فيهرع في عدوه حتي يبلغ أوائل هذا القطيع من بقر الوحش الذي لما تتفرق أواخره برغم ما أحاطها من نفع وثار حولها من غبار .
ولكن ها هو ثور يدبر ، وها هي نعجة تدبر . وها هو امرؤ القيس يعدو بفرسه خلفهما حتى يدركهما . والفرس برغم هذا كله لا يكل وهنا ولا يتصبب عرقا . .
هل يكتفي امرؤ القيس بالعدو خلف القطيع دون أن ينتفع بشئ - أو يأكل شيئا بتعبير أوضح - من هذا القطيع
ليأمر امرؤ الفيس الطهاة أن ينحروا ما شاء من الذبائح أو ما شاءوا هم من الذبائح ، وليتركهم بين منضج للحم وشاو
له إن صح هذا التعبير - فلترك امرا القيس وطهاته الذين تركهم يطهون ما شاءوا أو شاء هو من صنوف الطعام ، ولنرجع لتحليل أبياته السابقة كعادتنا . .
تشبيه الدماء بعصارة الحناء تشبيه مستمد من التجارة الجاهلية بين البلدان . فقد كان العرب يتجرون كثيرا بهذا الغرض من عروض التجارة . فأنا أستسيغ التشبيه من هذه الناحية ولا استسيغه من ناحية اخري ، لأنه يذكرني بالقعيدات والعجائز وهن يصبغن شعورهن بعصارة الحناء ، والجواد في هذه الحال مثلهن ؛ وهذا ينتقص من قوته ويقل من فتوته .
والتشبيه بالحناء أو عصارة الحناء قد يكون طريفا بالنسبة إلى الأوب الجاهلي ، ولكنه لا يوجد اليوم في الشعر العربي ، أو هو قد بطل في الشعر العربي كما بطل عند الطبقات الراقية ) فقد كانت العروس قديما تحني يديها بالحناء ، أما اليوم فقد بطل هذا التقليد وأصبح من مخلفات العصر القديم وايات التأخر وعدم مجاراة الحضارة الحديثة .
على أن تشبيه بقر الوحش بسرب العذاري تشبيه بديع كل الإبداع . رائع كل الروعة . فقد وضع هذا الضرب من الحيوان في منزلة الإنسان وأي إنسان . .
فشبهه بالعذاري الحسان وهن يحمن حول نسك من الأنساك وقد تحلين بملاءات مختلفة الألوان . .
هذا تشبيه يلائم روح العصر ، أو قل المشبه به يلائم روح العصر بتعبير أدق . فأنت تستطيع أن تصور موكبا من الغيد أو ثلة من الحسان وقد أمسكت كل واحدة منهن في يد صاحبتها ، وحمن في حلبة من حلبات الرقص أو درن
في حلبة من حلبات الأنزلاق - أو الباتيناج كما يقول الفرنجة - أو على مسرح من مسارح باريس ، أو عقب الليل كما يقول الفرنسيون ، أو على شاشة هوليود البيضاء كما يجب أن يقول الأمريكيون ؛ بينها أخذت إحداهن ترقص في وسط هذه الحلبة من الحسان لتكسب المنظر جمالا على جمال وبهاء فوق بها ، والحسان أثناء ذلك يرتدين اثوابا تنكرية طوالا ، يجتمعن ثم يتفرقن كما يتفرق الخرز في قلادة من القلائد يتحلى بها جيد صبي كريم الأعمام والأخوال .
وعليك أن تتصور تشبث العرب بالأنساب وتحمسهم للأحساب لنتصور منزلة هذا الصبي بين قومه وجمال القلادة في عنقه . .
وعدم تفرق أواخر القطيع مع أن امرأ القيس ادرك أوائله دليل على استيلاء امرئ القيس عليها وأخذه لها . وعدم انصباب العرق من الفرس دليل على سرعة الفرس حتى إنه وصل إلى ما يريد أن يصل إليه قبل أن يدخل في مرحلة التعب والعرق . .
أما البيت الذي يصور ما يفعله الطهاة ، فدليل على ثراء امرئ القيس وتفننه في صنوف الطعام . فامرؤ القيس لا يطهى بنفسه ، ) إنما يطهي له غيره ، ويطهى له طهاة لا طاه واحد ، ويطهون صنوفا شتي لا صنفا واحدا ، مما يدل على وفرة الصيد ، والتعود علي الثراء في الغذاء
أكبر الظن أن الطهاة قد فرغوا من طهيهم ، وامرؤ القيس قد فرغ من طعامه . فلنمض إليه الآن ؛ فما كنا نحب أن نلحظه وهو يأكل بل ما كنا نحب أن نقترب من طهاته وهم يطهون ، حتى لا تحن بطوننا ويسيل لعابنا لرائحة شوائه !
أكل امرؤ القيس حتى شبع ، وما أجدره أن ينظر إلى الفرس الذي هيأ له الأكل والشبع نظرة إعجاب . . وها هو ينظر إلى الفرس ويطيل النظر ؟ يرفع بصره تارة ويخفض بصره تارة اخري ، حتى يستنم النظر إلي جميع جسده . وهبط الميل على امرئ القيس وفرسه فبات الفرس وسرجه ولجامه عليه ، وبات امرؤ القيس وفي عينيه خيال من الفرس حاضر جاثم غير مهمل أو في غفلة عنه . .
والأبيات تمثل اعجاب العربي بفرسه واعتزازه به وحرصه عليه تمثيلا صادقا ليس فيه تكلف أو تجاوز . .
ماذا ؟ الدنيا تصخب ، والطبيعة تنقلب ، فتدفع امرأ القيس أن يحول نظرات الإعجاب من فرسه إلى السماء ، ولكن ماذا في السماء ؟ إن السحاب يرعد ، وإن البرق يلتمع بين أكاليل السحاب كما تلتمع اليد إذا ما أخرجت من الجيب بيضاء من غير سوء . . ويضئ البرق كما يضيء مصباح الراهب الذي لا تخبو جذوته ولا تخمد وقدته
وامرؤ القيس وصحبه أثناء ذلك ينظرون ويمتعون النظر ، ويتأملون ويعدون التأمل ، حتى ينهمر المطر انهمارا ، وحتى يعلو الجبل وينحدر ذات اليمين وذات اليسار ، حتى يوشك أن يهدم ذلك الستر الذي اقامه امرؤ القيس وصحبه بينهم وبين السيل ، وحتى يخر روح المكتهل على أعناقه أو أذقانه من شدة الانهمار وحدة التيار ، وحتى تنزل الوعول المعتصمة بقمم الجبال إلى الوادي لأنها لا تستطيع أن تصمد أمام عنف السيل ، وحتى يدرك المطر والسيل قرية تيماء فيجرف جذوع النخل ويهدم البيوت المسقفة ، ولا يبقي ولا يذر شيئا ، اللهم إلا البيوت المشيدة بالجص القوي .
يحدث كل هذا أمام عيني امرئ القيس وصحبه بينما يبدو جبل تبير وقد حقه الماء والعناء كرجل شيخ تزمل برداء مخطط ، وبينما يبدو جبل طمية في أرض المجيمر يدور حواليه الماء والغناء كفلكة المغزل التي يغزل بها العربي الصوف ، وبينما تبدو الصحراء المنخفضة قد وصل إليها الماء والغناء فخرج النبات منها مختلفا ألوانه كثياب الرجل اليماني المختلفة الألوان . ونري الأطيار والعصافير ، كل هذه تنهل من الماء ما طاب لها الانتهال . وتغني ما طاب لها الغناء ، وتحلق بين الأجواء سكاري كأنها قد ارتوت براح حادة ألقيت فيها ضروب من التوابل، ويدرك الزيد والماء والغناء كل شئ حتى السباع يدركها الغرق لا يبدو منها إلا أطراف ضئيلة صغيرة كأنها عروق الأبصال .
هذا الجزء من المعلقة الذي يصور فيه امرؤ الفيس الطبيعة وما أدركها من تحول وتغير ، من أجمل أجزاء المعلقة . ويريو في جماله عندي عن الجزء الذي سبقه في وصف الفرس .
والحق أني أشعر نحوه بشعور خاص لا استطيع أن أنبين مصدره أو أعلم مبعثه ، ولكن من يدري ؛ لعل مصدره ومبعثه هو أن هذا الجزء يصور الطبيعة الصامتة ، والجزء الذي سبقه يصور الفرس . وأنا أحب السماء والخيال والمياه أكثر مما أحب الفرس ، وليعذرني عشاق الجياد في هذا ، ولكن ليعلم هؤلاء وغير هؤلاء أن تشبيه لمعان البرق بلمعان اليد الخارجة من جيب من الجيوب تشبيه ساحر ؟ فاليد أكثر حركة وانصع وأسطع أجزاء الجسم التي تقع عليها العين . وقد قالوا في حلكة الظلام إن الإنسان إذا ما أخرج يده من جيبه لم يكد يراها مع نصاعتها ولمعانها . و تشبيه امرئ القيس للبرق بمصباح الراهب الذي لا يعرف منه صوتا ولا يلقي منه عزة تشبيه رائع كذلك . أكبر الظن أني لست في حاجة إلى سرد روعته بعد الذي ذكرته انفا .
والبيت الذي يصور تأمل امرئ القيس بيت بسيط يسير ، صنع في أسلوب واضح غير مستغلق على الأفهام ، أو ناب في الأسماع ، لولا أن به بعض أسماء لأماكن تضخمه تضخيما وترده إلي العصر الجاهلي ردا سريعا . وتصوير المطر وآثار المطر في أبياته يبدو كأنه تصوير سينمائي قد أبدع الصور في تصويره وتفنن المخرج في إخراجه . فسيل المطر ينحدر جهة اليمين وجهة اليسار ، وسيل المطر يندفع اندفاعا ، ويسقط الأرواح على أذقانها ، ويرهب الوعول المعتصمة باعالي الجبال تفر إلي بطن الوادي ، ويأتي علي المدائن فيخرب بيوتها الخرعة ويبقي بيوتها القوية ، ويأتي علي الصحراء الجدبة الناحلة فينمو النبات مختلفا ألوانه .
كل هذه صور جميلة ، تمر سراعا تباعا كأنها شريط سينمائي جميل يعرض أمام العين ، لولا أن امرأ القيس أخطأ في تصويره أو في إخراجه حينما جعل النبات ينمو سريعا ويشب ويترعرع ، ويبدو كأثواب الرجل اليماني ، ولم يمض على انسكاب الغيث إلا أمد وجيز .
وكم أحب أن تمهل معي هذا الشريط السينمائي - إن قبل رواد الأدب الجاهلي هذا التعبير - وتمعن النظر معي في هذه الصورة ، أو هذه اللفظة على حد تعبيرهم ، لفظة
الجبل الشامخ السامق الذي أنبتت القري والمدائن بالقرب منه واكتنفه الماء والغناء من كل صوب ، لا يفك حصاره عنه إلا ليضيق حصاره عليه ، ولا يبتعد عنه إلا ليقترب منه ؟ فكأنه كبير أناس مندثر بثوب مخطط ، فالجبل كبير عظيم قد وفدت القري والمدائن بالقرب منه ، والرجل كبير عظيم قد التف الناس حواليه ، والمياه حول الجبل عنيفة دائرة ، والثوب حول الرجل مطوي ، والخطوط دائرة . وكم أحب أن تمهل معي هذا الشريط السينمائي ، وتمعن النظر معي في هذه اللفظة كذلك ، لفظة الجبل الآخر والأمواه والأمواج تحته والدوامات تدور حوله وتدور ، فيبدو كفلكة للغزل عندما تدور وتدور ، ولو أن شاعرا وصف اليوم جبلا من الحبال قد حف به الماء وانهمر منه السيل ، هذا الوصف الذي صاغه امرؤ القيس منذ قرون ، لما وجدنا في وصفه ضيقا ولا حرجا ، إنما وجدنا شيوعا وتعميما يلائم كل عصر . وإن كنا نجد في فلكة الغزل والرجل اليماني وصحراء القبيط وتبير والمجيمر ، ألفاظا إقليمية محصورة علي زمان معين ، وهو الزمان الجاهلي ، وعلى مكان معين ، وهو المكان الذي حدث فيه المطر وانهمر منه السيل . وتصوير المكاكي بالسكاري تصوير جذاب خلاب ؛ فالطير تترنح في الفضاء وتتغني في الأجواء عندما تشهد الخصب وتحس المطر . وتشبيه أطراف الأسود بأنابيش المنصل تنبيه إقليمي لا يخلو من جمال كما لا يخلو من فظاظة في الألفاظ في لفظ أنابيش ، وهي الأطراف ، أما المنصل فهو نوع من الأبصال .
إلى هذا الحد يحسن أن ننتهي من هذه الصور الطريفة . وقد تسألني : ما الذي دفعك ان تلجأ إلى هذا الأسلوب ؟ فأقول : إن الذي دفعني إليه هو اثر القصص في النفس وسحره في القلب . وقد تسألني : أين المعلقة ؟ فأقول : إنها في مشروح التبريزي وغير التبريزي . وما أحببت أن انسخ لك شعرا يحتاج إلى عددين من الثقافة الغراء . إنما أحببت أن أسوق إليك ، وأن أعرض عليك المعلقة في صور خاطفة سريعة .

