الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182الرجوع إلى "الرسالة"

في بهو فندق، خيانة اللغة العربية والآباء والأجداد والدهر والتاريخ،

Share

أنا   (ولا أنانية)  والسائح العراقي الأستاذ يونس البحري  الساعة في   (صالون)  فندق من أكبر فنادق بيروت، نقلب  الطرف والسمع في الزمر التي نحتشد حولنا، ونتداول شتى الحديث  ونود إلى   (الرسالة)  وافتتاحيتها المشرقة بما في نفس كاتبها الأستاذ  الزيات وبما في نفوسنا نحن إخوانه من شعور صحيح يتصل بتيار  الحمية ولا يتقطع ملحقا بسلك مذبذب ضعيف يتفرع إلينا  من الغرب.

نحن في حماس وإشراق، والزمر التي رأيت تلغط حولنا  بالفرنسية، وبالفرنسية فقط، لغطاً ضعيفاً أشبه بالنور الضئيل  في المصباح الكهربائي الذي يستمد تياره من الفرع الضعيف  الذي رأيت أيضاً

هذه فتاة ريانة يهفهف العطر والجمال والدلال في خطوها،  تتحدث إلى أخرى بالفرنسية، وأزاءها أمها تتطلع إليها تطلع  المأخوذ الذي لا يعي ما يقال.

ها هي ذي أمها تسائلها   (بالعربية) التفتت الفتاة في نزق وقد التهب وجهها بالحمق ولسانها  بالنزق وصاحت بأمها:

أي! أي! هس! هس! وعادت إلى الكلام بالفرنسية وفي نفسها أن أمها قد  مسخت المدنية أو مسخت موقفها في المدنية والفرنسية في  حديثها إليها بالعربية.

لم أكتم نفسي وتركت الغضب يمد عليها ويجعلني ألتفت  إلى صاحبي   (يونس)  وأحدثه بما يشبه الصيحة عما أرى وأسمع. وكان صاحبي مثلي في وجوم وألم مما يرى فلم يكتم نفسه  وانبعث يصيح ويعلن أسفه   (بالثلث)

وكان بجوارنا زمرة من الشباب وقع عليها ما نقول وقع

العجب في غير رجب، فالتفتت بجملتها وتوجه أحدها إلينا  يقول:

(الناس أحرار يتكلموا ما شاءوا أفرنسية ولا عربية  ولا ألمانية حتى شوهاد يا إخوان).

قلت له شوهاد؟ أي كلمة كبرت، وأي حمية صغرت، وأي. . . ليتك تذهب إلى تركيا وتتكلم بغير التركية ويحسبك  الأتراك تركيا مارقا فترى وتسمع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت  من التأنيب والتعذير!

لا دواء لك ولا لأمثالك إلا أن تذهب إلى تركيا في شكل  تركي، ولا أحسب المنطق يفيدك أو يفيد هذا الجمهور الغريب  من أشباه الشباب وأشباه الرجال، هذا الجمهور الخارج من حظيرة  فنية استعمارية. . نعم. . .

وصاح صاحبي السائح العراقي يقول: لقد طفت أكثر  بلاد العالم فلم أجد أمة تحتقر نفسها وتلوي ألسنتها وتتحمس  لهذا العبث إلا في بلادنا العربية

ما شأن اللغة العربية حتى تتجاوز عنها وترطن بالفرنسية؟  أليست لغة المجد والعلم، ولغة دمك وبلادك؟

بهتت الزمرة، وساد وجوم، وتلجلج الجو، لا يحير، وماذا  يحير، وعناصره عربية، وإن لم تكن عربية فطبيعية، تشهد  للأمر الواقع، وتخشع احتراماً له وإجلالاً؟

ساد صمت وعدنا إلى حديثنا، ثم انفضت من حولنا  الزمرة! وذهب أفرادها وفي نفوسهم ما لا يعلم إلا الله

وعدنا نقرأ مقال الأستاذ الزيات نفرج به ما اشتبك واحتبك  من الشجون، ونثني على كاتبه ثناء خالصاً مشرقاً وثناء صحيحاً  يجدر بالشعور الصحيح والرأي الصحيح

وتأملنا ولا زلنا نتأمل في هذه الظاهرة السوء والعلة الغريبة  التي تجد في كثير من الذين داخلتهم حمية وحماسة ورعونة ولؤماً  للدفاع عنها والسفاهة في سبيلها

تأملنا ولا زلنا نتأمل، وفي نفوسنا وأمانينا أن يبادر من  يشعر بالخطر وبما وراء هذا الانحلال من نذر من الكتاب إلى  معالجته بقوة وبصراحة

اشترك في نشرتنا البريدية