بحث الأستاذ صاحب " صور قضائية " في مقاله المنشور في العدد ) ٢٠٣ ( من الثقافة تحت عنوان ) علي طريقة الرهائن فى نوع غريب من الإجرام يبقى معه الآثم الحقيقي ، كما قال ، بمنجاة من الانتقام ، وإن الشر إنما يقع على أرواح بريئة أخري لا ناقة لها في الأمر ولا جمل ثم تساءل الاستاذ في خاتمة مقاله عن أولئك المجرمين . هل هم يتمتعون بسائر قواهم العقلية ؟ أم انهم يقترفون جرائهم تحت تأثير عامل جنوني ؛ كما تساءل عن مدى مسؤوليتهم عن جرائهم ؟ !
والحقيقة هي أن أكثر المجرمين الذين هم من هذا النوع مرضي ؛ مرضي في نفوسهم او في اعصابهم او في قواهم الفكرية ، ولا يمكننا تعيين مدى مسؤوليتهم عن الجرائم التي اقترفوها إلا بعد دراسة خاصة لشخص كل منهم من ناحيته الفيزيولوجية اولا ، ومن ناحية ظروفه التي كان يعيش فيها ثانيا ، دراسة تتناول بها البواعث السيكلوجية التي دفعته لارتكاب جريمته ، مستعينين في ذلك بأحدث النظريات العلمية في هذا الموضوع ، وهي نظريات علم الإجرام
أصف الآن بإيجاز جريمة غريبة من الطراز الأول ، وقعت قبل بضعة اشهر في دمشق ، فاهتزت لهولها ربوع الشام ، وكان لسخط الرأي العام من جرائها اثر عظيم في سرعة النظر فيها امام القضاء ، والبت في مصير مقترفها ) وهي على وحشيتها تؤلف وسطا حيا لتطبيق نظريات علم الإجرام ، ومعرفة مدي صحتها بدراسة هذا المجرم وظروفه المختلفة ، وتحليل بواعث الإجرام عنده وأسبابها
رجل تخطي العقد الثالث من عمره ، كان يعيش مع زوجته ، التي أحبها مذ اقترن بها قبل أربعة عشر عاما ،
عيشة هنيئة هادئة ، وقد رزق منها ثلاثة أولاد بلغ أكبرهم من العمر اثني عشر عاما ، واجتاز الثاني السابعة من عمره ، ولم يتجاوز صغيرهم الثالثة من سنى حياته ؛ وكان ميلاد هذا الأخير فاتحة عهد جديد في هذه الأسرة ، إذ تبدل نعيمها جحيما ، والحب فيها شقاقا وخلافا : أهملت الزوجة أولادها وزوجها ، وترك الرجل بيته ليجد في المخدر راحة لنفسه ، فطرد من عمله ، وانكب على الحشيشة لا يجد بتركها لذة ولا سرورا ، حتى ألقي القبض عليه بجرم تعاطي المخدرات . ولفظ القاضي الحكم بسجنه مع رفاقه ، فهرعت الزوجة للتخلص من هذا الزوج السجين ؛ وحكم القاضي بالتفريق رغم ممانعة الزوج ورفضه الطلاق . ولم يخرج الرجل من سجنه حي بلغه خبر خطبة زوجته من رجل اخر تحبه فحاول اقناعها بالعدول عن زواجها من غيره فأبت أعلن لها حبه الشديد فأظهرت له كل البغض والكراهية ، هددها بالانتقام ، فأجابته وعلي شفتيها ابتسامة صفراء أن افعل ما أنت قادر عليه
فكر الرجل طويلا في كيفية الانتقام ممن يحبها وتبغضه ، من التي يريد بقاءها زوجة له وتريد غيره بعلا لها ، فاذا به يخبرها انه قرر السفر البعيد ، ويطلب إليها ارسال ولدها الصغير ليودعه ، فأرسلته لينام ليلة عند أبيه رغم تعلقها الشديد به .
أخذ الولد الصغير يلعب جذلا مع اخويه ، بعد غياب عنهما ليس بقصير ؛ فلما جن الليل آوي ثلاثتهم إلي فراش واحد كعادتهم ، واستلقي الأب علي فراشه بالقرب منهم ، فملأ النوم جفونهم والأب لم تغمض له عين . وفي هدأة من الليل انتبه أوسط الأولاد من نومه واخرجته من الغرفة آلام الزحار ، فلحق به أبوه وانقض عليه انقضاض وحش على فريسة مليئة لقد ظن المسكين ان أباه يريد صفعه لإنزعاجه من خروجه في الليل ، فخبأ وجهه بين بديه ؛ غير أن الأب كم فم ابنه بيسراه بعد أن ألقاه علي الأرض ،
وأجري سكينا كان يحملها بيمناه على عنقه حتى ذبحه دون أية مقاومة تذكر ؛ ثم مشي هادئا نحو فراش الآخرين فألفاهما في نوم عميق ، وما كاد يمسك الصغير حتى انتبه خائفا وأخذ يستنجد بأبيه لينقذه ممن يخيفه ، ولكن السكين اجهزت عليه دون ان يظهر على حاملها اي تردد أو فتور ؛ ثم التفت نحو ولده الاكبر فرآه مسترسلا في نومه فهبط عليه وذبحه ذبح النعاج المستضعفة ، ثم حمل جثة قتيله الأول ووضعها في مكانها من الفراش ، وولي هاريا مستخفيا حتى قبض عليه رجال الأمن عند ما سولت له نفسه زيارة داره لرؤية ما صنعت يداه
حوكم هذا الرجل فاعترف بكل شئ غير نادم . لقد دمت عيناه عندما كان يصف للقضاة كيفية ذبحه أولاده الثلاثة ، ولكن أمارات السرور من نجاحه في انتقامه كانت تبدو عليه ، فإن زوجته التي أحبت أولادها وكرهت زوجها اصيبت الآن بفقد أولادها كلهم على يد من ابغضته ، وقلبت نعيم حياته بؤسا وشقاء . ذلك الذي هزأت به ، واستخفت بانتقامه قائلة له : اعمل غاية ما أنت مستطيع عمله
لفظ القاضي الحكم علي القاتل فاستقبله برباطة جأش منقطعة النظير . سئل عن اخر ما يقوله فأجاب : لقد ظلمت نفسى وأنتم ظلمتموني !
لقد نفذ حكم الإعدام في هذا المجرم دون أن يستفاد من تحليل شخصيته تحليلا نفسيا دقيقا ، ودون رد بواعث إجرامه إلي مسبباتها الحقيقية ليمكن تعيين مسؤوليته تعيينا دقيقا ، ولم يبق امام من تعنيهم مثل هذه الأمور سوي مصنف الأوراق التي سطرت عليها اعترافاته أمام القضاة وعند رجال الامن ! على ان في هذه الأوراق مادة كبيرة جزيلة الفائدة في التحليل النفسى ، سأتناولها بدراسة عميقة في فرصة ثانية
إن مجرما يرتكب جريمة ، مثل هذه الجريمة الغريبة ، لم يكن ساعة ارتكابها ، ولا شك ، إنسانا يملك جميع قواه العقلية ، لا بل إنه دون الحيوانات منزلة وعاطفة أبوية ، إنه
مريض دون أي ريب . أما مركز الخلل عنده ونوعه ودواؤه فهذه أمور لا يمكن البت فيها قبل تحليل دقيق لجميع العوامل التي أحاطت به حتى ساعة ارتكابه الجريمة إن أول هذه العوامل شخص المجرم وهذا يشمل جسمه وعقله ونفسه وأعصابه وثانيها بيته ، وهذا عامل مهم ايضا ويشمل اسرته وعمله ورفقاءه ؟ وفوق كل هذا لابد من ملاحظة الحالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كان المجرم عليها ، مع أخذ علاقة المجني عليهم بالنسبة لاحد هذه العوامل أو مرتسماتها في اللاشعور بعين الاعتبار
إن الجريمة كثيرا ما تكون وليدة عوامل عديدة مكبوتة في اللاشعور تنفجر على شكل عمل يحرمه القانون قد يصيب مسببها الأصلي ، وقد يأخذ شكل انتقام منه غير مباشر ، وقد يكون انتقاما من المجتمع او من الجنس البشري بأسره ؛ كما قد يكون مجرد عمل يقوم به الشخص ضد حيوان او جماد أرضاء لنفسه ، وتخفيفا للضغط الموجود في العقل الباطن ، دون ان يشكل عمله هذا اي مظهر جرمي خطير .
إن الجرائم التي من هذا النوع إذا لم ندرسها دراسة عميقة ، ونرجعها إلي بواعثها ، واكتفينا بمظهرها الذي يعاقب عليه القانون ، نكون قد ابتعدنا عن إعطاء الأشياء قيمها الحقيقية ، ونكون قد حملنا المجرم مسؤولية أكثر مما يوجب العدل ان يحمله ، وبهذا نقضي عليه بعقوبة كثيرا ما يكون غير مستحق لها ، وأي ظلم أشد من هذا ! وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، فبالآحري الا يقضى بها على من في مسؤوليته شك ، أو هو غير أهل لتحمل اية مسؤولية مطلقا
إن النظريات العلمية الحديثة في بواعث الإجرام وعوامله ، يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار ، وتعطي مكانتها اللائقة بمقدار صحتها ، من قبل المشرعين والقضاة ، إتماما لواجبهم في إظهار الحق وتأييد العدل
) دمشق (

