زرت مغارة قاديشا فشاهدت عجائب ما خلفته العصور فيها من تكوين الرواسب التي تشبه الرخام ، وذلك في أثناء تساقط الماء منها ، فتألفت منها أشكال هندسية شتى تتسم بالجمال الفني لغرابة أشكالها وأحجامها مما هو ليس من اختصاص القلم نقل صورته للقارئ ، وإنما هو من اختصاص العدسات والمصورين ، على أن آلة التصوير تعجز عن العمل في داخل المغارة إذا لم تزود بالنور القوي الساطع ، وبغيره من الاستعدادات الفنية . فقد تجمعت في المغارة خزانات الماء النمير بكثرة هائلة جعلتها تحدث صوتا مدويا في انحدارها من علوها الشاهق ، وترى الماء في انحداره علي شكل أبيض من شدة تقلبه وتحدره فهو يشبه الزبد لولا كثرته وغزارته ؛ ومما يزيد في شدته بعد المسافة التي يهبطها ، وذلك مما يجعل صوته مدويا . وله رنين شديد في سقوطه في وادي قاديشا . ويظل الماء ينساب في ذلك الوادي المستطيل إلي أن يصل إلي مدينة طرابلس ، فتتألف منه شلالات في طريقه يتولد منها الكهرباء وهو يستخدم في إنارة مائتي بلدة في محيطه ، ويستخدم الكهرباء في تحريك المعامل والمعاصر وإحياء الصناعة وتكثيرها .
وبتألف من مخلفات الماء في سقف مارة قاديشا أشكال هندسية تشبه عناقيد العنب ، ويشبه بعضها اصابع اليد ، وبعضها يشبه الفواكه كالموز والتفاح والكمثرى ، ويشبه بعضها بعض أنواع الحيوان والنبات . وكلها متخلف من الأملاح والكربون وسائر المواد التي يشتمل عليها الماء مما يتألف منه أشد أنواع الحصيات ذات الأشكال الغريبة في مجاري الأنهار وأعالي المغارات والكهوف ، مما هو مشاهد نظيره في الحصيات التي تتكون في جسم الإنسان ! !
ومغارة قاديشا مستطيلة وملتوية ومتسعة كثيرا ، وقد أنيرت بالكهرباء المتولد من مائها ، ولكنهم لم يتموا تنويرها لأنهم لم يستكملوا اكتشافها بعد على ما يظهر . ومع ذلك فاننا نقول إن المغارة أعجوبة من أعاجيب لبنان ، إذ كيف تسنى أن يتجمع ماء غزير بالكثرة الهائلة في مكان مرتفع عن البحر مقدار ١٣٤٠ مترا حتى تألف من مائها ما يشبه سدود القناطر الخيرية مصر ، وقد وضعوا لها سدودا رفعوا بها مناسيب المياه مما جعلها عالية النسبة ، فصار يتألف منها أحواض هائلة وخزانات مرتفعة ماؤها في غاية الصفاء والنظافة ، تري الحصيات في أسفل الأحواض تلمع لمعانا براقا . وماء الغارة بارد ولذيذ ومفيد جدا وخفيف على المعدة . ولقد أحسسنا برطوبة ثيابنا ونحن في داخل المغارة . وأما النظارات فقد غشيتها طبقة من أبخرة الماء جعلت الرؤية معها متعذرة .
والمحقق أن المغارة لم تكشف كلها لا في طريقها المستطيل ولا في جنباتها الملتوية . ولسنا ندري هل وقفوا عند حد ما تم كشفه من سنوات ، مع ان صاحب الفضل في كشفها الأول جناب الخوري أنطونيوس جعجع لا يزال يواليها بعنايته ويتعهدها بملاحظاته ، ويسر بمشاهدة الزوار يقدمون لمشاهدتها من لبنان ومصر وسائر اقطار الأرض ، وهو رجل لطيف وأنيس ، وتبدو عليه أمارات طيبة النفس ، ويعجب به كل من شاهده وتكلم معه . لسنا ندري هل وقف الكشف فيها اعتباطا بما وصلوا إليه مع أن متابعة الكشف قد تأتي بشئ عجيب ومفيد .
ولقد أكسب ماء مغارة قاديشا محيطها الخصب والنماء ، فجعل النبات شديد الخضرة وجعل الثمر كبير الحجم شهي الطعم . وأنار المدن والقرى والدساكر بنور كهربائي وهاج ، وقوى معاصر الزيت ومعامل الأسمنت والمغازل وما إليها من المعامل والمصانع ، فجعلها تنتج عشرات اضعاف ما كانت تنتجه بالطرق القديمة المندثرة .
وإننا نود من المشرفين على تلك المغارة أن يعملوا على توسيع الطريق الموصل إليها وعمل حاجز يحول دون وقوع أحد في ذلك المنحدر المخيف . فبعض الناس ولا سيما من السيدات تهولهم رؤية ذلك العلو المخيف ، فليعملوا مشكورين على تسوير الطريق محافظة على الأرواح .
وبعد ما زرنا مغارة قاديشا زرنا أرز لبنان المشهور والقديم والذي ينسب لبنان له فيقال بلاد الأرز . ويقدرون عدد الأرز في تلك الجهة المسماة باسمه بنحو أربعمائة أرزة ، عاشت مئات السنين إن لم نقل ألوفها ، وبعضها يتألف منه منظر عجيب ولطيف معا ، فقد تداخلت فروعه بعضها ببعض فصار التشابك بين كثير من شجر الأرز تشابكا عجيبا ، فكل شجرة باسقة من الأرض وقد تداخلت الجذوع الضخمة بعضها ببعض فصارت على أشكال لطيفة . وسيقان شجر الأرز ضخمة جدا حتى إن بعض القسس اتخذ له معتزلا في جوف بعضها في بعض السنين ، ولا تزال تلك التجويفات ماثلة للعيان حتى اليوم وبعض أشجار الأرز حفرت فيها حفر من جوانبها ينز منها الماء ، مما يدل على شديد خصب الأرض وتزود الشجر بالماء مع أن جبال الأرز تعتبر من أعلي جبال لبنان إن لم تكن أعلاها ؛ وعروقها مستطيلة تصل إلي طبقات عميقة في تلك الجبال وتشق الصخور الصماء ! لقد شهد أرز لبنان أحقابا طويلة ، ومنعت الحكومة تقطيع شئ من الشجرات أو فروعها أو أغصانها مبالغة في المحافظة عليها . ولكننا مع ذلك شاهدنا حطب الأرز يباع في الأسواق ! !
ولد جبران خليل جبران في ذلك المحيط في وسط تلك الجبال العالية التي يتألف الغمام في احضانها ، وكثيرا ما يكون تحت مواطئ قدمي الجالس في ذلك المحيط العجيب ، وشاهد جبران تلك المناظر الخلابة منذ حداثته
وذلك السمو العظم في أول نشأته ؛ جبال يناطحها السحاب وتناطحه ، وأشجار باسقة وماء يهدر هدرأ شديدا ، وأرض خصبة ونماء منقطع النظير ، ودروب ملتوية ؛ وشاهد رعاة الغنم والمعز والبقر ، يترنمون بشباباتهم ومزاميرهم ، وبقفزون هنا وهناك وراء مواشيهم ؛ ومع أنه أقام في ذلك المحيط حقبة صغيرة إلا انها كانت زمن التكوين فانطبعت في نفسه إذ أقام فيها ١٢ عاما ؛ ثم رحل إلي أميركا بصحبة أمه فشاهد عالم الحركة والنشاط والدأب والحرية مدة مراهقته ، فقبس من لبنان العلو والشموخ واستفاد من أمريكا الحركة والنشاط والدأب ، فنال المزيتين الفضليين ، وقبل أن ينتهي القرن التاسع عشر عاد إلي لبنان فانتظم في مدرسة الحكمة الوطنية في بيروت أربع سنوات قال عنها :
" أربع سنوات علي مقاعد مدرسة الحكمة ! ماذا نقمتك ؟ أشكر ربك فقد نجوت من الصلوات في الصباح والمساء ، وقد صليت في أربع سنوات ما يكفيك حتى آخر حياتك ، فأنت لن تدخل الكنيسة منذ الآن " .
وتتابعت عليه الكروب ، فماتت أخته سلطانة بالسل سنة ١٩٠٢ ، وبعد أشهر قليلة أصيبت والدته وشقيقه بطرس بذلك الداء وماتا بعد عام من موت شقيقته ، فولد له ذلك حالة خاصة هزته هزا عنيفا ورفعته رفعة عاجلة . فجعلت منه كاتبا مبدعا وشاعرا رقيقا ومصورا ممتازا .
ليس التعلم بكثرة السنين التي تقضى في المدارس ولا بكثرة حضور الدروس في داخل أسوار المدرسة ، فالعالم كله مدرسة ، ومصائب الدهر وحاجاته أكبر معلم ، وكل ذلك تتابع على جبران ، فكان له منه خير معلم وأكبر أستاذ ومرشد ، فكتب ما أعجب الناس فصفقوا له استحسانا وقالوا : فتى يغادر بلاد العروبة قليل الذخيرة ضعيف العلم ثم هو يتحف الأدب العربي بأساليب جديدة
ممتازة بتفكيرها وأساليبها وقوة سلطانها على النفس ، إن ذلك لشئ عجيب !
لقد أبدع جبران وأجاد ونال إعجاب العالم العربي وهو في محيط غربي ، وقبس ثقافة الغرب فأضافها إلى ثقافة العرب ، فجاء بالشئ العجب والمطرب والمؤثر ، وهز العواطف وتمرد على رجال الدين ، فصار علما من أهل النهضة الحديثة في أديه وتفكيره وتصويره . وحسبه فخرا هو وإخوانه أنهم أوجدوا صحفا عربية يومية وأسبوعية وشهرية في أمريكا ، وجعلوا كثيرا من أنحاء امريكا تسمى بأسماء عربية وتكتب فيها لافتات عربية . ثم كان جبران بعد ذلك محركا للأدب المصري في محيطنا منذ نحو ثلاثين عاما عندما نقلنا قبسا من أدبه وأدب إخوانه .
ذلك هو جبران وذلك محيطه في لبنان وفي أمريكا . وأما متحفه في لبنان فله حديث قريب .

