الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 589الرجوع إلى "الثقافة"

في دوائر الأدب والفن، مصر والحياد - أزمة الفلسفة الحديثة - رمزية

Share

مصر والحياد :

نظم اتحاد الجامعة مناظرة حول ( هل من مصلحة مصر أن تتمسك بالحياد ؟ ( ، وكان الأستاذ فكري أباظة باشا والأستاذ محمد هيكل ، والآنسة ثريا الحكيم يؤيدون تمسك مصر بحيادها ، وكان يعارض هذا الرأي الأستاذ حسين كامل بك ، والآنسة ثريا الجبالي ، والأستاذ ثروت أباظة ، وقد اشترك في المناظرة معالي الدكتور محمد صلاح الدين بك

وبدأ الأستاذ محمد مبروك نافع الكلام قائلا : إن إقامة مثل هذه المناظرة وفي رعاية وزير خارجية مصر لدليل رائع على أن مصر تتفيأ بأفياء الحرية الجميلة . . ثم حبا الوزير وشكره على حضوره .

وأعطيت الكلمة للانسة ثريا الحكيم ، غير أن معالي الوزير وقف قائلا : " الظاهر أننا بلغنا من الديمقراطية مبلغا يصبح فيه الوزير على الهامش ؛ وإلا فكيف توجه إليه كلمات الشكر ، ولا تتاح له فرصة الرد ؟ " ثم قال معاليه : " والشكر يوجه إلى اتحاد الجامعة ، فهو الذي نظم الاجتماع ، وحرصت أنا على حضوره مستمعا " .

وتكلمت الأنسة ثريا الحكيم فاحتجت على أن تعطى لها خمس دقائق ، بينا تعطي لفكري أباظة باشا خمس عشرة دقيقة ! أي أنها تساوي ثلث الباشا بيانا وسنا ، فقاطعها الأستاذ فكري باشا قائلا : " بل حجما ! " . ومضت الآنسة تقول : " إن مصر قدمت لانجلترا تضحيات كثيرة

ولم تلق ردا على تضحياتها إلا الجحود للنكر ، فهي تؤجل الجلاء دائما ، وتماطل في وحدة الوادي ، وتعرقل المفاوضات الاسترلينية . . فلن نعود إلى محالفتها ثانية فتحمل الخسائر ، فلسنا عبيدا ، ولكنا أحرار .

وعارضت الأنسة ثريا الجبالي هذا الرأي قائلة : " لقد كنا محايدين في الحرب الأخيرة حتى عام ١٩٤٥ وبلادنا تدوسها الأقدام الإنجليزية ، وأرزاقنا نهب للقوات الإنجليزية . فما أفادنا الحياد . . يا إخوان اهبطوا إلى عالم الحقيقة " .

وتكلم الأستاذ هيكل مؤيدا الحياد فقال : إننا لن نكون الحصان الذي يجر العربة . . ثم إن العدوان مع التكتل حتمى ، والعدوان مع الحياد فرضي جائز .

ثم تكلم الأستاذ فكري أباظة باشا قائلا : إن هذه المناظرة دسيسة . بل دسيستان : إحداهما إبقاء الثورة وإشعال النار في دار الحكمة . . دار السلام . . والأخري أن رئيس المناظرة الدكتور صلاح الدين بك فتنة بشخصه . . فتنة موهوبة أخاذة . ومع ذلك فإن الحياد سينتصر لأن رئيس المناظرة محايد ، ولأن المناظرة كذلك تجري في أرض محايدة ، فلا هي في الجامعة العربية ، ولا هي في الجامعة الأمريكية ، ثم قال : " إلى أي المعسكرات تنحاز ، أإلى الاستعمار البريطاني ، أم إلى المعسكر الأمريكى الرأسمالى ، أم إلى روسيا الشيوعية . . ثم لدينا في الداخل ما يشغلنا لصالح بلادنا وخيرها العام . . ونحن لا نفيد من تكتلنا شيئا " .

وطفق يتحدث ما يقرب من خمس عشرة دقيقة ، وفطن - أخيرا - إلى أن وقته قد أوشك أن ينفد فقال : أرجو أن يحذف وقت الضحك والتصفيق من الوقت المحدد . . ثم قال : إن صحيفة سوابق انجلترا عامرة ؛ ففي عام ١٩١٤ ضحيتا في الصحاري بمليون ونصف مليون مصري وبكل أرزاق مصر ، فهل قبضنا الثمن ، وفي عام ١٩٣٩ سرنا في ركاب الحرب فماذا كانت النتيجة ! إنجلترا مدينة لنا بـ ٥٠٠ مليون جنيه . ولكنها تظهر الإفلاس ، ثم نطالبها حقوقنا فتستعمل المماطلة . . وفي حرب فلسطين خدعنا حليفنا انجلترا . . إن على مصر أن تتمسك بحيادها ، فهو صمام الأمن " وختم كلمته قائلا : " نداء الحكمة ، ونداء العقل ، ونداء الصراحة هو الحياد ! " .

وتكلم الأستاذ حسين كامل سليم بك عميد كلية التجارة فقال : " إن مصر ليست محايدة فعلا في حربها في فلسطين وفي مسألة أندونيسيا والجامعة العربية . . والدول التي التزمت الحياد في الماضي أصابها الضرر ، وإن نجاة دولة محايدة يقابله سقوط عشر دول . . إذا فالأجدر أن نتكتل وخير تكتل هو أن يكون مع الدول العربية مثلا ، فهو خدمة لنا كما هو خدمة لغيرنا " . واستشير الحاضرون في المسألة فكانت الغالبية مع الحياد

أصدر الفيلسوف الفرنسي ( دوينيك بارودي ) كتابا بعنوان " في البحث عن الفلسفة أوضح فيه مشاكل الفكر وأزماته الحاضرة ، وأبان الفوضى الظاهرة في العلم والعقل وأثرها في السلوك الأخلافي ، وتزعزع الإيمان . وقد نشرت مجلة ( للعلم العربي ) السورية تلخيصا وافيا لهذا الكتاب أعطانا صورة واضحة لتلك الأزمة المستحكمة في العلم والعقل والاعتقاد والأخلاق . .

يقول بارودي : إن أزمة عامة تجتاح التفكير الفلسفي المعاصر ، وتظهر في كل من العلم والعقل والاعتقاد والأخلاق .

فالمذهب الوضعي في العلم قد أخفق إخفاقا نهائيا ، إذ ليس من يدعي اليوم أنه يكفي أن يغض العين عن بعض المشاكل حتى تهملها١ . . وهذه المشاكل لا تظهر في مجال الفلسفة العامة وحدها ، وإنما هي في صميم العلم نفسه ، ذلك لان العلم كما بين ( ميرسون ) لم يقتصر في تاريخه على ملاحظة الحوادث واستخلاص علاقائها المتبادلة ، إنما حاول أن يفهم ويفسر .

وإذا قيل إن العلم تجريبي في جوه يخضع للتحقيق ، قلنا إن وسائل التحقيق نفسها لا تخلو من الاصطناع . . فالعالم لا يتردد في تعقيد القانون أو المبدأ الذي يفسر به بعض الظواهر بأن يلجأ إلى فروض ثانوية . . وعندما تحقق هذه الفروض المعقدة نجد أن ثورة علمية تهب لتستبدل مبدأ جديدا بالمبدأ الذي كان موثوقا به . . وهكذا انتقل العلم من نظريات بطليموس إلى نظريات كوبرنيكوس ، ومن عالم نيوتن إلى عالم إنشتاين ، ومن الميكانيكا المتصلة إلى ميكانيكا الكم .

ثم قال : إن أزمة العقل امتداد لأزمة العلم ، وهي تظهر فى الثورة على المذهب العقلي التقليدى ، ويبدو أن في فكرة وصول العقل إلى معرفة موافقة كاملة تناقضا خفيا ، إذ أن الفكر في نزوعه إلى الوحدة وإلى إرجاع الحديد إلى القديم العلوم ، واختلف إلى التشابه ، والكيف إلى الكم ، لابد من أن يصطدم عقبات تقاوم منهجه ، لأن الواقع ملئ بالمختلف وغير الضروري وغير المعقول .

لقد ظن بعض المفكرين أن إخفاق العلم والعقل راجع إلى الاعتقاد والدين ، ولكن نظرة واحدة تكفي لإفهامنا بأن الدين في أزمة تشابه ازمة العلم والعقل ، فالتفكير الكاثوليكي المعاصر يدور في دائرة مفرغة . . فالذي يؤمن . هاربا من العقل يجد فيه إلى جانب الصوفية ناحية ذهنية محقة تقوم على مذهب عقلي يقيني تضعه بالتالي أمام الصعوبات التى حاول الهروب منها ! . يقال إن الفلسفة الإسكلالية تعطى العقل قيمته وتعطي للاعتقاد نصيبه ، ولا تناقض بينهما ،

غير أن من اليسير أن نلاحظ التناقض بين الناحية الدينية البحتة وبين الناحية العقلية الأرسطية التي اتخذت عروضا في في القرون الوسطى . . فأمام الدين طريقان : إما أن يتعرض لنفس الصعوبات العقلية التي يتعرض لها المذهب العقلي . وإما أن يتحرر من اليقينية الخاصة كما كونها التاريخ لكي يحاقط على فضيلته الصوفية .

ويمضي بارودي فيقول : ولابد من ظهور تلك الفوضى في العلم والعقل والإيمان في مفهوم السلوك وان عناصر العالم أزمة في التفكير الأخلاقي . فقد أصبح العالم لا يرى في الأحكام التقويمية إلا وقائع نفسية أو تاريخية أو اجتماعية . . ولكن كيف تميز نزعتها الخاصة من الواجبات الأخلاقية ؟ ! صحيح أن علم الاجتماع حاول التوفيق ويعارض الغرائز الفردية بقواعد اجتماعية يقررها عقل المجتمع جميعه . . ولكنها تظل نسبة تتعلق بأشكال معينة من المجتمعات . . وإن نفي كل قاعدة عقلية في الأخلاق رافقه ميل شديد نحو رومانتكية جديدة تتبع دستيوفسكى وكيركمبورد ، ولا تشفي طريقها نحو السلام إلا فيما وراء الأمانة والعدل والواجب وإلا خلال اليأس والقلق مع ميل ثان إلي التأمل الجمالي المجرد الذي خلق نوعا جديدا من الحساسية الميتافيزيقية

رمزية !

نشر الدكتور بشر فارس في العدد الأخير من مجلة الكتاب قصيدة رمزية سماها ( الشاطئ الحافل ) جاء فيها : أنا السيد الأعلى للشاطئ الحافل إليه من مواغل الأرض تقبل الضمائر ذوات الرغبات الحساس عاجزات . . غيارى فتموت .

وقد علقت المجلة على هذه القصيدة بقولها وإن القصيدة من النثر لا من الشعر لخلوها من الوزن والقافية . . وسواء أكانت هذه المقطوعة من عالم الشعر او من عالم الثر فلبى

هذا موضع الخلاف . . وإنما الذي بعثنا إلى التعليق ما تضمنته من رموز خشينا معها أن تند عن عمود الشعر العربي ! إن الشعر معنى وشعور وموسيقى يتعاون اللفظ والأسلوب والوزن والقافية على إخراج ذلك المثلث ! ومقطوعة ( الشاطئ الحافل ) مليئة بالمعاني اللطاف والفكرة العميقة ، ولكنها لا تنحدر إلى القلب إلا بعد تمنع . . ومتى انحدرت إليه ملأنه بالعبرة والإعجاب . ولعلها لا تثير فيه هزة الطرب والانفعال

فرد الدكتور بشر فارس على ذلك بما معناه : أن التعريف المتقادم للشعر المحصور في الشكل وحده تعريف ضيق استبدل بالإدراك الشامل الحافل للشعر من حيث غاياته البعيدة وأسبابه الملموسة ، والشاعر إنما يعمل في الظلمة . . ظلمة الملجات ، فهو يبين بقدر ما يخلص النور إلى الزوايا ثم إنه لغاط أوهام تشغل الناس ولا يستوضحونها ، فهو يرسم خيالات ملامحها لبصائرهم لا لأبصارهم .

وعندي أن تحديد الشعر بما تواضع الأقدمون عليه جناية على ذوقنا الحاضر وتعسف على وجدننا العصري . فلا شك في أن الصور الماضية كان لها ذوقها الخاص ، ووجدانها الذي خلقته ظروف بعينها . . فالمناداة بعمود الشعر العربي والمحافظة عليه خطأ فاحش . . والشعر العربي في عصوره التاريخية لم يلتزم هذا العمود المقدس ، فقد تمد عنه شعراء كثيرون حتى سمعنا النقاد يشكون من أبى تمام لأنه خرج عن عمود الشعر العربي . وبيننا وبين أبى تمام أكثر من ألف سنة . في أجدرنا بأن نخلق مفاهيم جديدة للشعر :

أما العمل في ظلمة الخلجات - كما يقول الدكتور بشر فارس - فهو جناية على تلك الآذن التي يخلق أن ينطلق فيها الشاعر ، ومحاولة للانتصار على هذا الجانب المظلم . وحد من حرية الشاعر في التعبير بسهولة ويسر .

وما فائدة التجربة الوجدانية الصارفة إذا هامت في أوهام ، وعبر عنها بتعابير لا تستشف منها شيئا ، ولا تصل بعد إعمال الفكر وطول النظر إلى شئ ؟

اشترك في نشرتنا البريدية