الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 587 الرجوع إلى "الثقافة"

في دوائر الأدب والفن، معرض فنى - بين حافظ والرصافى - محاضرة عن الديمقراطية

Share

معرض فنى :

من الظواهر الجميلة حقا ، والمليئة بالإشراق ، أن تقام بين حين وآخر معارض فنية فى القاهرة ؛ تصور لنا نشاط الهيئات الفنية ، وتعبر عن مبلغ تقبل الفنانين الشرقيين للنظريات الفنية فى الغرب ، وتأثرهم بها ، وإدراكهم لصفاتها ومميزاتها . .

من هذه المعارض للعرض الذى أقيم فى الأسبوع الماضى فى متحف الفن الحديث ، يضم مجموعة طيبة لأربعة فنانين مصريين هم الأساتذة : عز الدين حمودة ، وزينب عبد الحميد ، وصلاح يسرى ، ووليم إسحاق . .

وإنك لتجد نفسك فى هذا المرض أمام أربع شخصيات  لها خصائصها وملامحها الواضحة وطريقة تعبيرها ، وإحساسها بالحياة ، وتأثرها بالأشياء . . فأنت تحمس أمام لوحات الأستاذ عز الدين بأنه فنان مغرم بالجمال والانطلاق . . جمال الألوان ، وانطلاق الطبيعة . تلاحظ ذلك فى طريقة تعبيره واختياره لموضوعات رسمه . فهو يختار المناظر النظيفة البهيجة . الفسيحة الآفاق . . الريف ، والنيل ، وأشجار الغاب ، والمراكب الجميلة على ضفاقه ، وعشش العرب فى رحاب الأرض الواسعة . . كل ذلك يبرزه بألوان جميلة جذابة .

وتكاد فكرة التعبير عن الجمال بالآلوان البراقة تأسره وتستبد بمنطق الواقع عنده ، فتراه يزدوى فى بعض الآحايين ألوان الأشيار الطبيعية فى سبيل هذه الفكرة ؛ فيلون بعض الأشجار باللون الأزرق الفاتح ، والأرض باللون الأصفر . والنهر ببعض الألوان التى لا تناسبه ، ولكنها تكونن مع ألوان الصورة مجموعة وحدة جمالية فى الألوان . . وأعتقد

أن الأستاذ حمودة غير موفق فى رسم النماذج البشرية لهذه الحاسية ، ولم أشعر أمام لوحاته الثلاث ، هيلين ، ومدموزيل بسكاليس ، وشقراء ، إلا بشعور واحد .

أما السيدة زينب عبد الحميد فهي لا تحفل إلا بالمناظر الشعبية المليئة بالحياة ، فهى تنفذ إلى البيئات الشعبية لتصور بعض ملامحها ، ولتأخذ قطاعا نابضا بالحياة فيها ، فتصور المحطة ، والمدرسة ، والبناء ، والمعدية ، وفى القطار وخطة الرسم وغيرها . . كل هذا بشىء من السخرية .

ولوحات الأستاذ صلاح يسرى اكثر تحررا وانطلاقا ، فهو متأثر بالمذاهب الفنية الحديثة عند الغربين تأثرا كبيرا ، ولا غرو بعد أن علمت أن الأستاذ صلاح درس الرسم فى باريس . . وتظهر فى لوحاته الطريقة الهندسية التكعبية الزخرفية فى الأشياء وظلالها ، ويكتف ذلك بعض التعقيد والغموض ، ومثل هذه الطريقة لاتحفل بتأثير الواقع وصدقه بقدر ما تحفل بالتأثر الذاتى للناظر وهو أمام اللوحة توحى إليه بأشياء تتصل بذاته . . ولست أدرى لماذا أحسست أمام هذه اللوحات بالكآبة والجمود ؟ .

أما الأستاذ وليم إسحاق فأبسط الفنانين الأربعة تعبيرا وطريقة واستعمالا للألوان . . فهو يستعمل ألوانا قليلة . ويصور صورا فقيرة ساذجة منطوية ، فيها كثير من الحنان والرقة والانطواء الحزين ، والبساطة الجميلة ، كالأم ، والفتاة ، وفلاحة . . وتستطيع أن ترى الفرق بين تعقيد صلاح وبساطة وليم حين تقارن بين لوحة " عار " الغامضة القائمة الرمزية لصلاح وبين لوحة " عار " الهادئة الساكنة البسيطة لوليم . .

بين حافظ والرصافى:

احتفلت الدوائر الأدبية فى العراق بالذكرى الخامسة لوفاة شاعر العراق الكبير معروف الرصافى .

ومن الملابسات الأدبية الطريفة أن تقوم وجوه المشابهة بينه وبين شاعر النيل حافظ ابراهيم . . وأن تقوم هذه الوجوه على التقارب فى منابع الإلهام ، والتشابه فى منزع الشعر ، والاتفاق فى كثير من الآراء ، ووجهات النظر ، وأمور الحياة .

فقد عاش الشاعران أغلب حياتهما فى أحضان العسر ، وبين ظلال الاضطراب فى أمور الدنيا ، ولقيا صنوفا من العذاب النفسى والحرمان المادى ؛ فقاضا شكوى مرة من زمانهما الحنون ، وقومهما السادرين ، الموغلين فى بوادى الجهالة ونكران الفضل ، وضياع الجميل !

مات والدا الشاعرين وهما لم يتجاوزا الرابعة ، فاضطر حافظ إلى الانضواء تحت كتف خاله ، يعينه على تدبير حياته ، ويساعده على بناء مستقبله ، ونزحت أم الرصافى إلى بغداد وبين يديها طفلها ، تحاول أن تقف فى مهب الرياح من الموز والإملاق

وحياة الشاعرين فى تلك الفترة قاسية أشد القسوة . عسيرة أعنف العسر ، تركت فى شعرها تلك الظلال الحزينة ، والنغمات الشاكية . وسرعان ما رأى حافظ حياته فى بيت خاله مفعمة بالمرارة ، لانصرافه عن الدرس والتحصيل ، وغيابه عن البيت ، وإقباله على الأدب تلك الملهاة المهرقة  . . فاضطر إلى الدخول فى المدرسة الحربية على رغم ما فيها من شظف وجفاء وسوء إدارة ، وتعرض بعد ذلك إلى كثير من الأساليب الاستعمارية الجافة . . وكذلك اضطرت الأحوال العاشية معروفا إلى الدخول فى المدرسة الحربية ببغداد ، ولم يستطع المضى بها حتى النهاية ، فتركها إلى النضال فى سبيل وطنه العزيز ، وشعبه الكيل بكبول العبودية والفوضى والاستغلال . .

وظل الاثنان يكافحان المستعمر ، ويعلنانها حربا عوانا على النازلين عليهم بالقوة والجبروت . . ويوجهان الجماهير الشعبية ، ومواكب الحرية ، إلى وجهة صحيحة ، يلهبان

النفوس بالحماس . . حتى إذا تحقق الامل ، وانقشعت الغيوم السوداء لم يسكنا ، فظل الاثنان فى معركة مع الواقع الرازح تحت أعباء من ذوى المنافع الخاصة ، وتحت وطأة من نكران الجميل !

ومن الطريف أن كلا الشاعرين وجد فى حياته من يسنده فى مضمار حياته المعنوية ، ويقوم حياته ، ويفزع إليه إن اشتد به الخطب ، فاتصل حافظ بالإمام الشيخ محمد عبده ولجا إليه فى أزمائه واضطراب أموره ، واتصل الرصافى بالآلوسى فتزود منه زاده بالأدب والعلم القديم ومده بالقوة على مجابهة الحياة .

وهناك ما هو أكثر طرافة من ذلك ، وهو تنازع حافظ وشوقى على الإمارة الشعرية ، نعرف ذلك إذا نفذنا إلى أعماق حافظ ، وسيرنا نفسه ، وفى ذلك يقول الدكتور أحمد أمين بك : " ولعل حافظا كان يرى فى أعماق نفسه أن شوقى لم يفضله فى شاعريته ، وإنما فضله بقربه إلى القصر وأنه شاعر الأمير ؛ " . . وكذلك نشأ هذا النراع بين الزهاوى والرصافى فى العراق ، وحوادث تجافيهما ونزاعهما على الإمارة معروفة لكل من درس حياة الشاعرين العراقيين

ومجال اتفاق حافظ مع الرصافى فى الآراء ووجهات النظر فسيح واسع ، كموقفهما من المرأة ، وتأييدهما للأتراك فى بادىء الأمر ، ونضالهما ضد الأجانب ، ومناداتهما بالوحدة العربية فى كثير من الأحايين .

محاضرة عن الديمقراطية:

القى الأستاذ أحمد كامل كمالى فى الجامعة الشعبية محاضرة استعرض فيها بعض الأطوار التاريخية التى مرت على الديمقراطية ؛ فشرح مفهومها عند اليونان قبل أرسطو ، ثم عرج على الفلسفة الأرسططاليية وذكر فهمها للأسس الديمقراطية ، فقال : إن أرسطو وضع أسسا للديقراطية فقال : إنها حكم الشعب نفسه بنفسه ، ثم نادى بالمساواة ، وكانت طبيعة المجتمع اليونانى تسهل قبول هذا المعنى ، ومع ذلك فقد تعرضت للضيق والاتساع ، حتى إذا جاء القرن الخامس قبل الميلاد أصبحت الديمقراطية الواجبات الحكمية من الأغنياء

للفقراء ، فكان الأغنياء مكلفين بتوفير أسباب الراحة للشعب ، ومن تلك الأسباب إقامة التمثيليات والمسارح لتسلية الشعب ، وهم مكلفون كذلك ببذل الأموال لبناء السفن ، والمدن . . وكان الحكام لا يستبدون بالحكم ، ولا يطول أمدهم على كرسى الإدارة أكثر من سنة يكون الحاكم مستولا خلالها أمام الجمعية العامة .

ثم انتقل الأستاذ المحاضر إلى عصر الرومان فقال : ثم فهم الرومان الديمقراطية فهما جديدا ، وتعرضت إلى الضيق والاتساع ؛ فطورا يرجع الرومان إلى فلسفة أرسطو وأفلاطون للسير على هديها ، وطورا تتحول الديمقراطية عندهم إلى حكم أرستقراطى . . وحكم الأباطرة الرومانيين لا يخرج عن هذين الاتجاهين . .

أما في العصور الوسطى فقد دخلت أوربا فى نظام إقطاعى وقبلها ركود فى مختلف الميادين ، وكان الناس فى انقسام وتنازع ، ثم ظهرت نظرية الحق الإلهى ، النظرية السياسية التى كانت تقوم على أساس أن الله فوض حكاما على الأرض وهم خلفاؤه بين البشر . . وكان المفكرون السياسيون من رجال الدين أو ممن ينتصرون لهذه النظرية . . ثم نشأ نزاع بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية ، ظهر بمظاهر مختلفة . . وعلى العموم كانت هذه العصور عصورا مظلمة نشأت السلطة فيها على القهر والقسوة ، وتجاهلت حقوق الشعوب .

حتى جاء عصر النهضة وشاعت فى أوربا فكرة بعث الفلسفة اليونانية والرومانية القديمة ، وأقامت نظرية الحكم على أساس علمى ، فظهرت النظرية الميكيافيلية التى تقوم على انتهاز الفرص ، وفصل السياسة عن الأخلاق وإبراز تناقضهما ؛ فللسياسى الحق فى أن يلجأ إلى الأساليب جميعها بما فيها القدر والقوة والخيانة لبلوغ مراميه .

وإلى جانب ذلك ظهرت فلسفة توماس مور فى كتابه ( المدينة الفاضلة ) وهى محاولة لبث المساواة وإلغاء الملكية الفردية ؛ فقد فرض توماس مور وجود مجتمع يقوم على أسس معينة ، وتنظم حياته قوانين عادلة ، ويحكمه مجلس عام ، ونفى ( مور ) فكرة الجيش عن ذهنه ولم يجد له مسوغا . . ثم ختم الأستاذ محاضرته بكلام عن الثورة الأنجليزية التى

قامت سنة ١٦٤٨ بقيادة كرومويل ، وكان الغرض منها إنصاء الملك شارل الذى يؤمن بالحق الإلهى ، ونشأت جمهورية كرومويل - وهى الفترة الوحيدة لنظام الجمهورية فى انكلترا - وقد كان لهذه الثورة مؤيدون أمثال الفيلسوف ( لوك ) الذى قال : إن الإنسان بفطرته يستطيع التوفيق بين حريته وحرية الآخرين . وإذا استطاعت الحكومة أن تقيم العدل أفمناها ورعيناها . . وكان للثورة كذلك مناهضون أمثال الفيلسوف ( هويز ) الذى اعتقد أن الأفراد دائما فى عراك مستمر تسيرهم شهواتهم ونزواتهم وحريتهم فى حق التملك ، ولا عاصم من هذا النزاع إلا الملك الذى يستند إلى سلطة قوية . .

اشترك في نشرتنا البريدية