للأستاذ زكي غانم كلمة بعدد الرسالة (٤٩١) يرى فيها أن رسالة عمر في القضاء قد أصابها تحريف في كتاب المنتخب للسنة الرابعة الثانوية، وفي كتاب شرح النصوص الذي اعتمد على المنتخب. وهو وضع كلمة (غير) مكان كلمة (عند) في العبارة الآتية: (فما ظنك بثواب غير الله - عز وجل - في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟) وقال الأستاذ: (ولا وجه للنص محرفاً، وقوله:(في عاجل رزقه وخزائن رحمته) وصف لثواب الله لا ثواب غيره)
ولا أوافق الأستاذ على هذا الرأي؛ بل أرى أن كلمة (غير) هي المناسبة هنا، ولا يؤدي المعنى المراد بغيرها.
ومما يوضح رأيي أن عمر يقول قبل ذلك: (فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله. فما ظنك. . . الخ)
فعمر يدعو إلى مراقبة الله، وموافقة السر للعلن؛ وبنفّر من الرياء، والتظاهر للناس بغير ما تنطوي عليه النفس تقرباً إليهم، وطعماً في ثنائهم، ورغبة في ثوابهم. فالمعنى الذي يرمي إليه عمر: أن ثواب غير الله حقير إذا قيس إلى ثوابه؛ فلا يجدر بمؤمن أن يؤثره عليه. ولذلك صح ارتباط الفقرتين، فكانت اللاحقة تعليلاً لمعنى السابقة، وموازنة بين ثواب الناس وثواب الله، وتحقيراً لما يرجوه المرائي عند الخلق بجانب ما يأمله المحسن عند الخالق، وبالقياس إلى رزق الله الذي يفيضه على من يراقبه، وخيره الذي يدخره لمن صحت نيته وأقبل على نفسه.
ومما يوضح ذلك أن الحرف (في) هنا (في عاجل. . .) إنما جاء للموازنة والمقارنة؛ كما في قوله تعالى: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) بعد قوله: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) (سورة التوبة: ٢٨)
ولما قرأت هذه الرسالة قديماً التوى على معنى هذه الفقرة، إذ لم أتبين موقع هذا الحرف (في) من العبارة؛ ولعل هذا هو السبب في اعتراض الأستاذ؛ ولكني رأيت في الكتب التي تعنى
بحروف المعاني أن (في) يستعمل للمفاضلة، فاستقر المعنى عندي. قال ابن هشام في باب حروف الجر من التوضيح أن المقايسة من معاني (في) وقال في المعنى: (الثامن (أي من معاني في) المقايسة، وهي الداخلة بين مفضول سابق، وفاضل لاحق، وقد استشهد في كلا الكتابين بالآية الكريمة:(فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)
وبهذا يزول اللبس الذي حدا بالأستاذ أن يجعل الظرف (في عاجل) وصفاً لصواب الله لا ثواب غيره. فإنه في موضع الحال من (ثواب غير الله) أي: فما ظنك بثواب غير الله مقيساً إلى ثواب الله. ومرجع الضمير في (رزقه، رحمته) هو الله

