أتممت البارحة قراءة كتاب ) . . . ( 1 ) لمؤلفه ) . ٠٠ ( ، فأعجبنى اسلوبه على ما فيه من مخالفة لقانون اللغة وقواعد العربية ، لما حمل من الصور البيانية ، والمجازات المستحدثة ، والتشابيه التي لا نظير لها ، والاستعارات التي لم تتحدث عنها كتب البلاغة ، لأن علماءها لم يقرأوا مثلها ، ولأنه أسلوب مستمد من قلب حي وخيال قوي ، على حين ان من الأساليب ما يستمد من كتب اللغة ؛ وتمنيت لو أن مثله يجىء صحيحا بنفس عربي ، فيكون نادرة الأساليب ، ومفخرة الأدب . وهيهات ! . .
أما موضوع الكتاب فلم يعجبني ، لأني وجدت حياة
هذا الرجل ، كما يصفها صديقه المؤلف ، سلسلة آثام من كفر إلى فسوق ، ومن اعتماد على امرأة تشتغل وتغدوه وهو كسلان يتمدد علي فراشه ، إلي خيانة لهذه المرأة ونقض لعهدها ، ومن إكبار لنيتشه المجنون ، إلي الجنون به . إلي سرقة آثاره وانتحالها ؛ ووجدته في حياته كلها أشبه بالمرأة المدللة الكسول ، همه شهوته ، إن بالحقيقة وإن بالمجاز يعبر عنها بهذه الصور العادية ، وهذه القصص الفاسقة التي رد على واحدة منها إمام الكتاب المنفلوطي رحمه الله في نظراته ، وهي القصة التي يدعو فيها النساء إلي ترك ازواجهن ، واللحوق بعشاقهن ، لأن رباط الحب الشهواني أقوى عنده من رباط الزواج الشرعي . . ووجدته تتوالي عليه المواعظ فلا يتعظ ، وتتعاقب النذر فلا يتوب ، بموت أبوه واخته وأمه ، ويصاب بالمرض العضال ينخر جسمه الذي ربي بالحرام نخر السوس ، وتأتيه في خلال ذلك فتاة لم تعرف غير الطهر ، ولم تصحب إلا العفاف ، تريد أن تحيى فيه الكاتب الفيلسوف الذي تكبره وتجله ،
قد حملت معها عفافها وطهرها وطيب سريرتها ، فكان رده على تحيتها وترحيبه بها ، ان اخرجها من عنده بلا عفاف ولا طهر ، وسلبها أعز شئ عليها : عرضها
ووجدت كتاب حياته يختصر في كملة واحدة ، هي أنه خسر الإيمان والرجولة والفضائل كلها ، وربح شهرة عريضة ، وترك صفحات فيها كلام جميل ، يلذ قارئه ولكنه يسلبه إيمانه من قلبه ، ويقوض بيته على رأسه ، ولوحات فيها خطوط وألوان لا يري فيها من كان مثلي من الناس وهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف . إلا أجساما عارية لا معنى لها ولا دلالة ، ولا يعرف لها رأسا من ذنب ، والباقون من الناس يقولون إنها تدل على معان كبيرة ، وهي رموز لحقائق الحياة ، ويوضحون لك غامضها ، ويفتحون الغلق من معانيها بمحاضرة طويلة لا تفهم منها شيئاً
هذا هو الرجل الذي اتخذه قومه ) نبيا ( !!
فخبرونى ماذا يصنع هذا الكتاب بنفوس الناشئة إن هم قرأوه ؟ أى قدوة في الحياة يكون لهم فيه ؟ أي نمط من العيش يحبب إليهم ؟ أما والله إنه لخطب داهم ، ليس خطب هذا الكتاب وحده ، فإن له لأمثالا ، وإن امثاله لكثير كثير . .
وسيقول قوم أنت رجل رجعي جامد ، هذا هو الفن , يغتفر لصاحبه ما لا يغتفر لغيره . ولئن كنت جامدا فهم والله مائعون ، والجامد يستقر ويتماسك ، أما المائع فيسيل ويضيع ؛ ولئن كنت رجعيا فالرجعية مشتقة من الرجوع ، وهي في الغرب سبب لأنها عودة إلي ظلام القرون الوسطى وجهالة الماضي الذميم ، وهي عندنا مدح لأنها رجوع إلي مثل ما كان عليه اجدادنا في عصور العلم والنور . اما قولهم هذا هو الفن ، فإني أنكره أشد الإنكار
إن الذي أعرفه أن الفن هو الذي يبحث عن ) الجمال (
بحث العلم عن ) الحقيقة ( ، وأنه يدرك بالعاطفة كما يدرك العلم بالعقل ، فمن قال إن الجمال لا يكون إلا في الفحشاء والمنكر ؟ أليس في تصوير الفضيلة جمال ؟ والوفاء والوطنية والإخلاص والنيل أخلت كلها من الجمال ، واقتصر الجمال على ما يثير الشهوة ويحركها ؟ او من أجل حماقة نزت برأس ) فرويد ( فرفع من شأن الشهوة ونوه بها ، تنسى فضائلنا وسجايانا ؟
إن من كانت هذه مقالتهم لم يأتوا بجديد إلا أنهم لم يسموا الرذيلة رذيلة ولا الفحش فحشا ، وإنما سموه فنا ! والجنون فنون . والذي اعرفه انا ان الفن إن كانت عاقبته فساد الأخلاق وانهيار بناء الأمة لم يكن له وزن ، وان للأدب غاية هي تهذيب الطباع وصرف العواطف إلى الخير ، وتنبيه الضمائر الغافلة ، وإيقاظ الهمم والمروءات ، وما إلى ذلك مما يكون منه نفع للناس ، وأن في الحياة ما هو اثمن من الجمال والفن ، فيها الخلق والعرض ، والفضيلة والدين ، وان من يبيع ذلك كله بلوحة مزخرفة بالخطوط والألوان ، أو قصيدة قد أودعت سحر البيان ، كان أخسر الناس قاطبة .
وليست مقالتهم في الفن ، إلا إعادة لما يقوله غيرهم ، فهي عن تقليد لا عن اجتهاد ، وهي محصول ذاكرة تحفظ وتردد ، لا ثمرة عقل يبحث ويقيس ، ثم يصدق او يكذب ، لذلك نجد لهم الرأي وضده ، وما الأول رأوا ، ولا بدا لهم فعدلوا ، وإنما قال معلوهم فقالوا ، ثم مالوا فمالوا ، فلا سبيل إلي مناقشتهم فيما يقولون ، ولا تجوز مناطرة المقلد الذي يعرف قول إمامه دون دليله . هذا الذي اعرفه ، ولكن من حولي من الأدباء لا يعرفون إلا العبث يشتغلون به والنار تشتعل من حولهم ، والسيل طاميا يندفع إليهم ، والبلاء نازلا يحيط بهم ، وإلا فأين الأدباء عن هذا الذي في سواحل الإسكندرية وبيروت ، وعما في دور الملاهى وحانات الخمر ؟ أين هم عن العرض المثلوم ) في رأس البر
وستانلي باي ( ، والشرف المهان ، والفجور المعلن ؟ اين هم عن المدارس التي تعلم التلاميذ الجهل مركبا تركيبا مزجياً كيميائيا ، حين تعلمهم كل شئ إلا حقائق دينهم ، وحين تقرهم على كشف العورات وإضاعة الصلوات واختلاط البنين بالبنات ، أو هي تدفعهم إلي ذلك دفعا . أين أدباؤنا عن الرجولة التي يعصف بها داء التأنيث في الشباب ؟يا ويح من يظن الأدب إنما هو حديث الشهوة ملفوفاً برداء الفن ، والمواخير موضوعة بين دفني كتاب او في غلاف مجلة ، ويستهين بالعرض والأخلاق ، والعرب اغير الأمم على الأعراض يفخرون بالبخل بها وصيانتها ، فخرهم بالجنود بالمال وبذله ، ويحافظون عليها في صحوهم وسكرهم :
وإذا شربت فإنني مستهلك .. مالي ، وعرضي وافر لم يكلم
لأن المال يعوض إن فقد ، والعرض إن تلم لا يلتئم :
أصون عرضي بمالي لا أدنسه .. لا بارك الله بعد العرض بالمال
أحتال المال إن أودي فأجمعه .. ولست للعرض أن أودي بمحتال
وكانوا يكنون عن المرأة بالتخلة وبالبيضة والسرحة ، حياء أن يمر علي لسانهم ذكر المرأة :
ألا يا نخلة من ذات عرق .. عليك ورحمة الله السلام
ويفخرون بغض الطرف عن الجارات :
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي .. حتى يوارى جارتى مأواها
هذا وهم في جاهلية ؛ فلما جاء الإسلام وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق ، اقر العرب علي ما كانوا عليه من فضيلة ، ومن فضائلهم الغيرة على الأعراض ، وأدبهم أحسن التأديب حين انزل علي نبيهم : ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ( ، وحرم عليهم كشف العورات . ثم استدار الزمان ، وكان ناس يدعون انهم عرب مسلمون ولا يتخلقون بأخلاق الجاهلية ، ولا يتأدبون بأدب الإسلام ، غاض ماء الحياء
من وجوههم ، فلم يستحيوا ان يسايروا زوجاتهم في الطرقات سافرات ، باديات الشعور والنحور ، واستأست الشهامة من قلوبهم ، وأمحت الغيرة فلم يردعهم دين ، ولم يزعهم خلق عن ان يعرضوا بناتهم ونساءهم واخواتهم ، عاريات الأجسام كلها إلا ما يستر العورة الكبرى ، في مكان اختلط فيه الرجال بالنساء ؟ امر ) والله ( لو سمعه مسلم من المسلمين الأولين لصعق له ، ولو سمعه جاهلي لأغمى عليه من غرابته وفظاعته ، و ) مصر ( ذات الأزهر ، لا تمنع ذلك ولا تحرمه ، ودينها الرسمي الإسلام !
اللهم إليك المشتكي . .
وهذه مجلات مصر ، تنشر كل اسبوع صور العاريات ، فتزيد نار الشهوة في أعصاب الشبان والشابات ضراماً ولا منكر ، حتى جرأها هذا السكوت على الإقدام علي عدوان يمنعه القانون والذوق والنبل والدين ، وهو تصوير الشيخ الجليل ابي العيون تصويرا هزليا بعمامته وجبته ، ومعه امرأة عارية ، وتكرار ذلك مرتين ، وتهكمها عليه لأنه انفرد بإنكار هذا المنكر الفظيع ، وأعلن الغيرة على الأعراض - فإلى متى تمتد هذه الجاهلية العمياء ؟
فيا ادباء مصر انتبهوا ، فو الله إنها لتوشك أن تنهار الأخلاق فلا تقوم لها قائمة ، وتذهب هذه البقية من الدين فلا يبقى دين ، وتموت هذه الفئة من اهل المروءة فلا يبقى من مروءة . يا ادباء مصر ، إن العالم العربي ليسمع منكم ويقتدي بكم ، فإن أنتم لم تسلكوا به سبيل الإصلاح ، وتدلوه علي طريق الخير ، كان عليكم أكبر الوزر . ورحم الله ذا قلم جرده لنصرة هذه الدعوة ، والدفاع عن الشرف ، وذا صحيفة فتحها لتلك الأقلام ، وأعانها على دعوتها ، وكل قارىء أقبل عليها ونشرها .
) دمشق (

