{ قلنا في العدد القاضي إن أسباب فشل هيئاتنا وموت مشروعاتنا ترجع إلى عدم توافر عناصر الاستقرار و دوافع الاستمرار ، و ذكرنا أهم هذه الدوافع و تلك العناصر في رأينا . والآن نورد أمثلة عملية لذلك و لاسيما فيما يتصل بالمشروعات الحكومية أو التي لها اتصالات رسمية و نقترح ما نراء لمعالجة هذه الحال }
لننظر أولاً إلي الناحية السياسية و ما يتصل بها : فالأحزاب عندنا تقوم على أسس عامة غير محددة ، وليس لأي واحد منها برنامج عملي واضح ، ولا تربط بين أعضائها وحدة خاصة في التفكير ، أو اتجاه خاص في الشئون القومية العامة .
وقد جرت العادة أنه حين تأليف الحكومة الحديدة عندنا نتقدم سواء في خطاب العرش او غيره بيرنامج واسع تعرض فيه سياستها ولا تدع فيه شاردة ولا واردة من أوجه الإصلاح إلا أنت عليها وتصدت لمعالجتها ووعدت بتنفيذ اصلاحاتها في اقرب وقت . وعند ذاك يهلل لها الناس ويكبرون وبتفاءلون بعهدها ويرجون الخير الكثير
على يديها ، ولكن هيهات ان تتحق آمالهم وينفذ البرنامج ومن الظواهم المؤلمة المحزنة ان تتغير الحكومة في مصر بصحبه في معظم الحالات وقف لدولاب العمل ، بل واضطراب في سير معظم الأعمال الحكومية ، ولا سيما المشروعات الجديدة . فكل ما فكر فيه الوزير السابق وشرع بعد المدة لتنفيذه يقف او يلغي او يوضع على الرف ولو مؤقتاً .
ثم يبدأ الوزير الجديد في دراسته الجديدة لجميع نواحي وزارته دراسة تكون بطبيعة الحال سطحية ولو في أول الأمر ، لأنه يريد أن يكسب الوقت ويختصر الطريق رغبة منه في رسم خطة جذابة جديدة ، يطلع على الناس بها فتهوي نفوسهم وتفوز بإعجابهم حين تعلن للملأ منهم ، كما فازت سياسة سلفه ، او لعلهم يجدونها أدني إلي آمالهم من التي تقدمتها ، فيتفاءلون كما فعلوا من قبل ، ويههلون ويستبشرون ويتطلعون إلى الفجر الجديد .
وهذا الذي يحدث عندنا ليس له نظير في البلاد الراقية الآخرى التى استتبت فيها الأمور و أتزنت المسائل واستقرت بها سياسة محددة لكل ركن من اركان الحياة العامة ولكل إدارة من الإدارات بالحكومية .
ويرجع ذلك إلي أن القائمين على تسيير دفة الأعمال وتشغيل دولابها هناك ليسواهم الوزراء كما هي الحال بمصر ، وإنما هم موظفون داعمون لهم اقدام فنية راسخة ، وخبرة عملية عالية ، و رأي ناضح مجرب و معترف به ، وحرية كاملة لا تتقيد بأي اعتبار سوى المصلحة العامة والمقتضيات الفنية . ومن ثم كان تغيير الوزارات في أمثال تلك البلاد لا يحدث أدنى اضطراب بل ولا بسبب أدنى قلقلة .
فلا نزاع إذا في أن الحل الوحيد لمشكلتنا هذه في مصر هو حل استأذن اصحاب العالي الوزراء في أن أقوله بصراحة ، ألا و هو ألا يتدخل الوزير في دراسة مشروعات وزارته و إعدادها ، ولا أن يترأس اللجان التي تؤلف لهذا الإعداد وذلك الدراسة مهيداً لوضع سياسة عامة ثابتة يتوافر لها الاستقرار والاستمرار المنشودان والضروريان والأسباب التي أملت علينا هذا الحل واضحة ، وتتلخص في أن دراسة المشروعات وإعدادها ورسم الخطط وإحكامها يحتاج كما قدمنا في مقال الأسبوع الماضي إلي دراسة فنية هادئة مستفيضة يفسح للقائمين بها من الوقت ويكفل لهم من الحرية القدر اللازم ليخرج المشروع متيناً ناضجاً مضمون النجاح .
والوزراء يكونون غالبا غير فنيين ، ولا يتسع وقتهم للتفاصيل الفنية والدراسة الدقيقة إن كانوا فنيين ، كما أنهم جد حريصين على الخروج للناس بسياستهم الشخصية في اقرب وقت مستطاع . هذا إلى أن نفوذهم قد بغرض على لجان البحث والدرس إذا اشتركوا فيها اتجاههم إن لم نقل آراءهم ، وهذا الغرض قد يأتي ظاهراً أو مستترا ، وقد يأتي مقصوداً أو عفوا .
والمهمة الحقيقية الأصولية للوزراء هي استعراض النتائج التي يصل إليها الفنيون ودراسة التقارير التي يقدمها هؤلاء بروح محايدة وبأفق واسع غير متحيز لفريق ولا لرأي ولا متأثر بأي اعتبار شخصي أو حزبي . وهذا
لا يتأتى للوزير أن يقوم به على الوجه الأكمل لو أنه زج بنفسه في ميدان البحث الأولى التفصيل ، كما رأينا بعض الوزراء يفعلون في العهود الأخيرة .
ولنضرب مثلا بوزارة المعارف ، وهي من أكثر الوزارات تأثراً بعدم الاستقرار في حين كان يجب أن تكون من أكثرها استقراراً . فمنذ أن تسلم المصريون زمام هذه الوزارة ري كل وزير يأتي فينفذ ما يعن له من مقترحات كان أغلبها سطحياً لا يتناول الأساسيات اللهم إلا ما حدث في عام ١٩٢٥ ولم يكتب له الاستمرار . وقد كانت النتيجة أنه لم ترسم للآن سياسة ثابتة للتعليم تقوم وزارة المعارف بتنفيذها .
ومنذ سنوات قليلة تراءي لمعالي وزيرها أن يحدث تغييرا جوهريا في نظام التعليم ، فاعتمد على نفسه في البحث وعكف علي الكتب والتقارير الحديثة يدرسها ، وصرف صيفاً كاملا خرج على الناس في آخره بتقريره المشهور الذي ضمنه سياسته التعليمية الجديدة ، ثم اخذ يصدر القرارات للرجال الفنيين لتنفيذها ، ولكن لم تنقض شهور على بدء هذا التنفيذ حتى بدأت العيوب تظهر كما كان مقدراً لها ، لأن عناصر الاستقرار ودواعي الاستمرار لم تتوافر لهذه السياسة الجديدة .
ومن الغريب أن معالي الوزير قد اعتمد في دراساته على كثير من التقارير التي وضعت في انجلترا ، ولم يوح إليه الأسلوب الذي أعدت به تلك التقارير إلى أن يحذو حذوه هنا بمصر . ذلك الأسلوب الذي اقتضى إفساح الوقت للجان التي وضعت كل واحد من هذه التقارير ، وحرص هذه اللجان على تعرف آراء الفنيين على اختلاف اتجاهاتهم واختلاف مراكزهم ، وأولياء الأمور على اختلاف نزعاتهم وميولهم وعقلياتهم ، ورجال الأعمال التى توظف المتعلمين وتعرف عيوبهم وما يجب ان يتوافر في تعليمهم . ولذلك جاءت تلك التقارير غاية في الإحكام والاعتدال والمرونة .
وهذا الأسلوب هو الذي تدعو إلي الأخذ به في مصر ايضاً . وكانت النتيجة بطبيعة الحال أنه شجرد تغير هذا الوزير بدأت العملية التقليدية ، وهي التغيير والتبديل والترفيع والتماس سياسة اخري علي نفس السبيل أو ما يشبهه ، وهكذا دواليك
وقد آن الأوان لأن تؤلف هيئة فنية قوية دائمة يعهد إليها بدراسة من النوع الذي تدعو إليه ، حتي ينفتح الأمل في ان تظفر بعد زمن معقول ) لا يقل عن عام ( بإقتراح لسياسة مدروسة قائمة علي أساس من الإحصاءات الدقيقة والاستفتاءات الوافية ومراعاة ظروفاً الخاصة الاجتماعية الاجتماعية والاقتصارية ، ثم تطرح هذه السياسة على الناس ، وتكون محل مناقشة بكل حرية بواسطة الهيئات العامة تعليمية وغير تعليمية ، والمجلس الأعلي للتعليم ومجالس الأحزاب والبرلمان بمجلسيه في هدوء وأناة ، في مدى فترة معقولة ( لا تقل عن عام آخر ) حتى نصل إلي سياسة رشيدة يطمئن إليها الجميع ويرجون لها الاستقرار والأستمرار اللذين توافرت عناصرهما ودواعيهما .
ومن أهم دواعي هذا الاستقرار أن تكون تلك الهيئة الفنية كما قدمنا دائمة بحيث يعهد إليها بالإشراف على تنفيذ السياسة التي يتفق عليها وهي تبين عيوبها في دور التنفيذ ، واقتراح إصلاح هذه العيوب أولا فأولا ، في ضوء ما تسفر منه التجربة ، فلا يمكن ان يكون أي مشروع كاملا من الناحية العملية ، وهو إنما يكمل مع الزمن بشرط موالاة الملاحظة والفحص ، والاستماع للنقد واقتراح المناسب لمعالجة كل عيب أو نقص .
وهذا الكلام الذي قيل من سياسة التعليم وكيفية رسمها يصح أن يقال مثله عن مشروعنا الجديد لمكافحة الجهل والفقر والمرض . فإنا نرجو أن يكتفي أصحاب الدولة والمعالي الوزراء وضع الخطة العامة التي يصح أن تكون محل اعتبار في وضع السياسة النهائية ، ثم تؤلف الهيئة
الوزارية الحالية التي تعني بالوضوع هيئة اخري من رجال فنبين يتولون دراسته بالاسلوب الذي تدعو إليه ، والذي يضمن السياسة التي رسم لهذا المشروع الخطير عناصر الاستقرار ودواعي الاستمرار .
وهذا المشروع سيكون أصعب من غيره لما يقتضيه من تعاون بين مختلف الهيئات والمصالح ، وقد علمتنا التجارب أن هذا التعاون لم يتحققن للآن في أي عمل من الأعمال على الصورة الواجبة ، ويكفي أن نشير إلى مسألة واحدة يلمسها كل هذا في الحياة العامة كل يوم ، الا وهي أن الشارع يرصف اليوم وينفق في إنجاره وقت وجهد ومال كثير ، ولا نثبت ان نري مقتضيات مصلحة اخرى (كالمجاري أو المياه أو الغاز ) قد استلزمت حفره من جديد وعدم العمل الذي تم .
وقبل أن يختم هذا المقال نشير إلي مثل آخر غاية في الأهمية ، ألا وهو مشروع " كهرية خزان أسوان " فهو قد خضع في جميع ادواره لتقلبات السياسة ، وللاعتبارات الحزبية على الرغم من انه مشروع في اقتصادي صرف ، وكان الواجب من يوم ان ظهر في الوجود ان تتولي دراسته لجنة فنية قوية ، ولو ثم ذلك لسكان اليوم بين يدينا تقرير عظم عنه ، هو وحده الذي يشبع الباحث وعليه ترتكز القرارات التي تصدر بشأن هذا المشروع الخطير ، ولتفادينا أن يطلع علينا والمشروع كاد يدخل في دور التنفيذ استاذ مختص من اساتذة الهندسة بنشكك في صلاحيته ويطالب بدراسته دراسة جدية ، وينادي بأنه يري المشروع مشروعا غير عمل من الناحية الاقتصادية وانه لم يدرس الدراسة الواجبة الكافية .
فهل مثل هذا كله يمكن أن يحدث في بلد آخر غير مصر ؟ اللهم ألهمنا الرشاد والتوفيق وانتهاج الخطة المثلي للدراسة التي تضمن لمشارعنا الاستقرار والاستمرار .
