- ١ -
من فوق هذا المنبر العالى والمنار القائم للغة الضاد (وهو صحيفة الرسالة الغراء) نرفع صوتنا مرة أخرى فى سبيل العربية، وقد كنا تعرضنا تحت هذا العنوان لنقد كتب يصدرها بعض رجال وزارة المعارف المصرية، وتقرها الوزارة لطلابها.
عدنا اليوم لمثل عملنا فى العام الماضى، ولكن فى طريق شائكة وخطة ملتوية. تلك هى نقدنا للغويين الكبيرين والعالمين الفاضلين: صاحبى العزة أحمد العوامرى بك، وعلى الجارم بك
المفتشين الأولين للغة العربية بوزارة المعارف، وعضوى المجمع الملكى اللغوى بالديار المصرية
وقد جئنا ننقدهما فى عملهما الذي تآزراً عليه وأفرغا جهدهما فيه، فكان لا بد أن يجئ مظهراً لفضلهما وصورة صادقة لهذه الممارسة الطويلة للعربية وآدابها، هذه الممارسة التى كانت منهما فى هذا العمر المديد والزمن المتطاول، وكنا ننوى أن نتخذ من أقوالهما وآرائهما حججاً فى العربية نضيفها إلى أقوال فحول اللغة السابقين...
ذلك ما فتحنا صدورنا له واستعددنا لتلقيه حين بدأنا نقرأ تعليقهما على كتاب البخلاء للجاحظ الذى وكلت وزارة المعارف المصرية إليهما أمر إخراجه فى صورة واضحة تقرب إلى أهل جيلنا أدب القرن الثالث للهجرة، وتحبب إلى قرائنا الزاهدين فى هذا الأدب أن يقبلوا عليه ويستجلوا جماله الفاتن. توقعنا ذلك من هذين العالمين الفاضلين اللذين جمعا إلى الثقافة العربية ثقافة غربية، ولم يدر بخلدنا إلا أن يكون عملهما فى خدمة هذا الكتاب مزجاً حسناً لهاتين الثقافتين وتجلية لهما فى ثوب عصري شائق
ولكننا لم نلبث حين نظرنا فى الكتاب أن رأينا جهداً نحوياً عنيفاً أغرم فيه المخرجان بتعقب الجاحظ، يعربان أدبه الراقى وفكاهاته الظريفة، ويعتديان على ذلك البيان الواضح بقولهما إنّ أنْ هذه مفسرة وتلك مخففة من الثقيلة، والتعليق على (كان) بأنها مرة تامة وأخرى ناقصة إلى غير ذلك من مسائل الإعراب التى زهدت الطلبة فى العربية إبان طلبهم للعلم بالمدارس. فإذا بالمخرجين لم يكفيهما إلحاح بعض المدرسين فى ذلك على طلابهم حتى زادا الإبالة ضغثاً والكيل طفحاً
وما ندرى كيف اجتمع فى صدر هذين الرجلين أو صدر أحدهما على التحديد هذا الإلحاح فى مسائل الأعراب، مع الرغبة فى تيسير قواعد اللغة العربية وقد كان أول مظاهرها عند هؤلاء الميسرين إهمال ذلك الإعراب!
والكتاب إلى ذلك مظهر آخر لهذا الذى يسمونه تطبيقاً على البلاغة فما تزال ترى فى تعليقاتهما أن هذا التركيب استعارة وذلك تشبيه أو مجاز بالحذف أو إطناب أو إيجاز، وكأنما ظن المخرجان أن الجملة لا تفهم إلا إذا أعربت، ولا تقدر قيمتها فى البيان إلا إذا طبقت عليها علوم البلاغة بوضعها الذى نعرفه. ولسنا نحرم على شراح كتاب ككتاب البخلاء أن تكون منهم إشارة إلى مثل ذلك، ولكن حضرتى المخرجين أسرفا فى ذلك حتى صح فى نظرى أن أعتبر هذا الشرح كراسة تطبيق على النحو والبلاغة. وصرت أعد نفسى حين قراءته طالباً من طلاب الشهادة الثانوية أتزود للامتحان قبله بأيام. وهذا إسراف فى حق الأدب أو الأدب الرفيع الذى إن صدق على شىء فأول ما يصدق عليه هو كلام الجاحظ وليت المخرجين حين فعلا ذلك كانا موفقين إلى الصواب سالكين النهج الجدير بمكانتهما بين أهل العربية فى عصرنا! ولكن الذى كان موضع العجب أنهما زلا فى كثير من هذه المواضيع التى أرادا أن يدلا بمعرفتهما فيها على جمهور الأدباء ممن يجهلون أو يتجاهلون ذلك.
كان هذا حقاً موضع العجب من أمر رجلين عظيمين قضيا حياة طويلة فى نقاش المعلمين، ومحاسبتهم على عباراتهم وإشاراتهم، حتى كان للهمزة توضع فى غير موضعها، وحرف الجر ينوب عن غير مشادات ومصاولات، ثم فوز لهذه الاعتبارات الهينة يظهر أثره فى التقارير، فإذا هذا المعلم مهمل لأنه لا يعنى بوضع الهمزات مواضعها، وإذا بذاك مجيد لأنه راعى رغبة المفتشين فى هذه الدقة وتلك الشدة.
قلنا إن طريقنا فى نقد المخرجين كانت شائكة، وإن الخطة كانت ملتوية، وما قصدنا في هذا إلى صعوبة المآخذ وغموض الصواب علينا، فقد والله قيدنا ملاحظاتنا فى أثناء قراءة هادئة لم نقصد منها إلا التمتع بأدب الجاحظ واللهو بفكاهته، فإذا المآخذ تنادينا وتقول خذونى!
وإنما شاكت الطريق والتوت الخطة لأننا اضطررنا فى سبيل العربية أن ننال من علمين من أعلامها بيننا؛ ولم يكن نيلنا فى أمور يحتمل فيها الخطأ، أو يقبل اعتساف الرأى لدقة المسلك أو حلكة الشبهة، بل قد وجدنا هذه المآخذ يشتد العيب فيها على ناشئ فى العربية لا يزال يتعثر فى ذيول الإعراب والتطبيق، فآلمنا أن نجرح بمثل هذه المآخذ عالمين فاضلين من أفذاذ المصريين فيما نصبا أنفسهما له، وتصديا للرياسة فيه من علوم.
وقد كنا هممنا أن نبوب للقارئ هذه المآخذ فنجمع متشابهاتها تحت عناوين تشملها: فهذا عنوان الأغلاط النحوية، وذاك عنوان المآخذ اللغوية، وذلك باب الفهم النابى أو الترجيح للمرجوح و... ولكنا رأينا أن نجعل مآخذنا تساوق صفحات الكتاب، فكلما مررنا بواحدة منها تكلمنا عنها وبينا وجه الصواب فيها
فى أول صفحة من الكتاب في تعليل ذكر نوادر البخلاء بين جد وهزل (لأجعل الهزل مستراحاً، والراحة جماماً) وفى التعليق على هذه العبارة يقول الشارحان: الجمام: الراحة وهذا التفسير ظاهر الخطأ لأنه ينتهى بالجملة إلى أن تكون هكذا: لأجعل الراحة راحة، وهذا غير جائز فى حقيقة ولا محاز
ومأتى هذا الخطأ من الشارحين أنهما وجدا فى كتب اللغة تفسير الجمام فيما تفسره بالراحة، فارتاحا إلى هذا وفاتهما أن هذه الكتب عينها تفسره أيضاً باجتماع النشاط وتراجع القوة. تفهم ذلك من قول القاموس: جمت البئر تراجع ماؤها، والفرس ترك الضراب فتجمع ماؤه، وترك فلم يركب فعفا من تعبه... فهذه العبارات تفيد معانا صراحة وتعفينا من تفسير الماء بالماء كما حصل من حضرتى المخرجين
وفى ص٢٦ مسألة ذات بال سيتعب القارئ من تتبعهما ولكنهما ستنتهى به إلى نتيجة شديدة على الشارحين، فليجعل حكمه على فهمها ووقوفه على مقدار ذوقهما ثمناً لهذا التعب
قال الجاحظ (فأما ما سألت من احتجاج الأشحاء ونوادر أحاديث البخلاء فسأوجدك ذلك فى قصصهم إن شاء الله تعالى
مفرقاً وفى احتجاجهم مجملاً، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندى دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها وعلى أن الكتاب أيضاً يصير أقصر ويصير العار فيه أقل) قال الشارحان (فهو الخ: الضمير عائد إلى(ذلك) أى أن احتجاج الأشحاء ونوادر أحاديث البخلاء منبثة فى قصصهم مفرقة ومجملة - أجمع لهذا الباب (باب البخل) من وصف الخ والجار والمجرور فى قوله من وصف حال من (ذلك) فى قوله: فسأوجدك ذلك و (دون ما انتهى) حال من وصف ما عندى. والمعنى سأطلعك على ذلك حال كونه من وصف ما عندى من مشاهدات أحوال البخلاء ونتائج معاشرتى إياهم وسيكون هذا غير ما سأذكره أيضاً مما انتهى إلى من أخبارهم) تدبر أيها القارئ عبارة الشارحين واعصر ذهنك فى ضمائرها وإشاراتها وأحوالها ومتعلقاتها فإن محاولة إفهامك مرادهما شاقة عسيرة إلا إذا اجتمعنا أمام سبورة أكتب لك عليها الجملة بالأحمر والأصفر وأجعل أتنقل بك من ضمير إلى أسم إشارة واصلا هذا بذاك حتى تفهم المراد ولكن ينبغى أن تعلم أن السر فى هذا التعقيد هو عدم اهتدائهما إلى مرجع الضمير فى قوله: (فهو أجمع...) كذلك اعتبارهما الجار والمجرور (من وصف) متعلقاً بحال من (ذلك). وقد أوقعهما هذا التقدير فى مشكل نحوى لم يلتفتا إليه وهو وقوع اسم التفضيل المنكر المجرد من الإضافة، بدون من تالية له جارة للمفضل عليه، كما تقول: محمد أكرم من على، فيكون (من على) متعلقاً بأكرم وهذا ملتزم فى مثل ذلك التعبير. أما الذى نقوله فى عبارة الجاحظ فهو أن الضمير فى قوله (فهو أجمع) يعود على مصدر الفعل (أوجد) والجار والمجرور (من وصف) متعلق باسم التفضيل (أجمع) فيكون المعنى: إن إيرادى لقصصهم واحتجاجاتهم أشمل لهذه النوادر من أن أقتصر على إيراد ما عانيته بنفسى من أحوالهم، مع ترك ما وصل إلى من أخبارهم عن طريق الراوية، إذ أنى لو اقتصرت على إيراد ما عانيته وحده ما استطعت أن أذكر شيئاً كثيراً فيقصر الكاتب،
كذلك مشاهداتى وحدها لا تمثل شناعة فعل البخلاء كما تمثله الحكايات التى تناقلها الناس عنهم لصحة اتهام الفرد بالكذب أو المبالغة؛ فأما إذا تواترت الأخبار واجتمع عليها جم من الناس فذلك أقوى لها وأشد فى تصور شناعتها. ولا نترك هذا المقام حتى ننقل لك ما علق به الشارحان على قول الجاحظ في نهاية العبارة (وعلى أن الكتاب أيضاً يصير أقصر ويصير العار فيه أقل) قالا حفظهما الله: (وعلى أن الخ. (على) للتعليل هنا، وهو تعليل لاقتصاره على ما عرفه عن البخلاء، وما وصل إليه برواية صحيحة من أخبارهم). وقد بان لك من كلامنا كيف أن هذه العبارة الأخيرة من الشرح مضطربة إلى أبعد غايات الاضطراب، إذ كيف يقصر الكتاب لو ذكر الجاحظ ما عرفه عن البخلاء وما رواه من أخبارهم! وهل يبقى بعد ذلك شىء يذكر؟! (للكلام بقايا)

