تحت هذا العنوان سنكتب من حين لآخر بعض مانراه معينا للمربى على تنشئة جيل أقوى شخصية وأعظم منا وأسعد حالا من جيلنا
خرجت أم مع صديقتها ، وأخذت طفلها معها إلى نزهة خلوية ، وصمد الطفل ربوة عاتية ، وأخذ ينظر إلى أمه فصاحت لما رأته، وأخذت تصرخ وتناديه أن ينزل والطفل كما سمع صراخ أمه ونداءها ، تمادى في الصعود والقفز، وأصبحت حال الأم سيئة جداً ، فهى لا تستطيع صعود الربوة وراء طفلها ، وهى جد خائفة عليه أن تزل قدمه فقط من هذا العلو المظلم
قالت لها صديقتها مهدئة حالها : دعى الطفل يصعد ، دعيه ، أهمليه . وبعد لأى تغلبت الأم على هياج أعصابها ، فادارت ظهرها للربوة ولم تصرخ ولم تناد
وأحس الطفل إهمال أمه له ، ونظر أمامه فاذا العلو شاهق ، فنادى أمه يريد أن يلفت نظرها إليه ، ولكن الصديقة كانت دائبة على أن تمنع الأم من الالتفات ، ولما وجد الطفل أن لا أحد يغير عمله اهتماماً ، ولا أحس أن عمله لا يثير أحداً ، نزل باكياً وتحكك في أمه يسألها في دهشة : لماذا وقفت عن منادانى والصراخ على أن أكف عما كنت أفعل ؟
كانت عجوزة فقيرة تعلق في مطبخها كيساً صغيراً من الجلد قد على مليمات و انصاف مليمات، ليكون تحت تصرف أبنائها وبناتها اللذين يذهبون إلى المدرسة ليشتروا به ما قد يحتاجون إليه من أقلام وأربطة للأحذية وما أشبه ذلك من حاجات صغيرة لا غنى عنها . وكل أحس طفل أنه في احتياج إلى شئ لم يكن عليه إلا أن يضع يده في
الكيس لإخراج القدر الذي يريده ، ولكنه كان يعرف وهو يعمل هذا أنه كلما أخذ نقص المقدار بالنسبة إلى غيره من إخونه ممن قد يكونون أحوج إلى هذه المليمات منه. وكان الكيس لا رقيب عليه. وكان الطفل ملء الحربة في أن يقول لماذا هو محتاج إلى ما يأخذ أو لا يقول ، فهذا من شأنه هو ، وفى كل ليلة من ليالى الآحاد كانت الأم تغزل الكيس ، فإذا وجدت شيئاً لا يزال باقياً فيه صرفته فيما يسر الجميع
ليس من شك عندى أن هؤلاء الأطفال انتهى أمرهم إلى أحسن النتائج . ففكرة هذه العجوز احتوت على دروس عملية في الاقتصاد وضبط الأعصاب وشرف النفس وتماسك الأسرة.
قالت أم : كان أبناني شديدي الخجل ، فاتخذت طريقة المعالجة هذا الخجل الشديد ، وإلى لأوصى غيرى باستعمالها ؛ فأولا كنت أقول لهم إن الخجل شيء جميل ، وثانياً كنت لا أشعرهم بأنى ألحظ هذا الخجل ، وبعد أن وصلت معهم إلى هذا الأساس من التفاهم والثقة بدأت تجارب للجرأة . فبدأت بأشياء صغيرة تافهة ، كأن أطلب إليهم أن يسألوا أحد المارة عن الوقت ، أو أن يشتروا تذاكر السفر للأسرة من محطة السكة الحديدية، ثم تدرجت إلى تجارب أصعب قليلا . كأن أطلب إليهم أن يتأخروا من ميعاد الأكل ثم يدخلوا معتذرين عن تأخرهم ، وكان الأهم أن تكون كل هذه الأعمال اختارية صرفة ، فإذا قال ابنى إلى لا أريد أن أعمل هذا ، قلت له حسناً ، لا تتعب نفسك .
وكانت أصعب تجربة هي أن يكلموني في النادى ليسألوا عنى . وعندما استطاعوا أن يجوزوا هذه التجربة كان خجلهم قد تم علاجه تقريباً
يقول الأستاذ ( نيل » في كتابه ( الوالدين الشاذين ) إن أستاذه (هومرلين ) قص عليه المثل الآتى :
يكتشف الطفل الرضيع شيئاً يتحرك أمام عينيه وهو يده ، ثم يدرك فجأة أن له قدرة ما على السيطرة على هذا الشيء الجديد . فهو يستطيع تحريكه . فأول ما يرغب فيه إذا هو أن يتعرف كنه هذا الجديد. وإلى هذا الوقت لم يكن لديه الا سبيل واحد ليلو به الأشياء وهو فيه . لذلك يبدأ بان يوجه نحو فمه
لكن هذا صعب بالنسبة إليه ، فيجرب ويجرب ، ثم يتعب ولكنه يستمر . والأم بجانبه تلحظه ، فلما رأته قلقاً ، يحاول ويبذل مجهوداً قوياً قامت ووضعت له يده في فمه ، وفي الحال رفض الطفل وأخذ يصرخ ويبكي ، لقد أفسدت عليه الأم أولى تجاربه النفسية. كان غرضه الأول أن يوصل يده إلى قمه ، ولكن هذا الفرض بدأ يتلاشى أمام رغبة أقوى وأهم ، وهى الاستمتاع بالعمل نفسه . إن الأم _ دون تعقل - قد سلبته الله النجاح بعد التعب ، لذة الانشاء والعمل. لقد قدرت الأم النتيجة المادية أكثر من اللذة المعنوية
كانت ( ونفريد » في الثالثة عشرة من عمرها لما عجز والداها عن أن يحببا إليها عملها المدرسي ، فأدخلاها مدرسة من مدارس الاصلاح المعدة للشواذ ، فلما قابلها الناظر قال لها : أي مواد الدراسة تكرهين وأيها تحبين ؟ فصرخت في وجهه قائلة : إنها تكره كل المواد . قال لها : حسن جداً ، وهل تحبين أن تحضرى الدروس مستمعة أم لا ؟ قالت : لا ، فقال لها : أنت حرة ، وإن كنت لا تريدين المجيء إلى
المدرسة فلك الخيار في ذلك أيضاً . ففرحت وبدأت تلعب في المدرسة . ومضت أسابيع فإذا هي تمل اللعب وتأتى إلى ناظرها تطلب منه أن تعمل شيئاً ، قال لها : وماذا تريدين أن تعملى ؟ قالت : لست أعرف ، قال لها : ولا أنا أيضاً ، وتركها . ومضت أشهر فاذا هي تعود إلى ناظرها تقول إنها تريد أن تحضر لشهادتها ، وبدأت تتعلم دروسها بالفعل ولكنها كانت تبوح لأساتذتها بأنها لا تجد لذة مطلقاً في تحصيل العلم ، ولكن الغاية التي تريد الوصول إليها من هذا الدرس تلذها كثيراً . لقد عرفت « وتفريد » نفسها لما تركت لنفسها
( الثقافة ) ترحب بهذا الباب النافع المفيد، وتشكر للكاتبة الفاضلة حسن توجهها ، وتدعو الآنسات والسيدات المثقفات المشاركة في تحريره

