هذا الموج الزاخر من الجموع البشرية ، التي ماجت بها شوارع القاهرة يوم الأربعاء الماضي ، هو الدليل - أوضح الدليل - على أن شعبا قد صمم العزم وعقد الإرادة ، على أن يضرب الضربة الأخيرة من سلسلة كفاحه الطويل وجهاده المتصل . . ويستحيل على شعب أن يريد ثم لا يحقق ما أراد
يستحيل على شعب أن يريد ثم يعجز عن تحقيق إرادته ، حين لا تكون إرادته هذه شبحا في الوهم وشطحا في الخيال ؛ فالشعب الذي زخرت بموجه شوارع القاهرة - وغيرها من أنحاء البلاد - لم يقل ، حين انعقدت إرادته ، إني أريد أن أزحزح أجرام السماء عن أفلاكها ، وأن أدك رواسي الجبال فإذا هي هشيم بين عشية وضحاها . . إنه يريد أن يطرد شرذمة من رجال أقامت على أرضه بالغصب حينا ، وقد صمم ألا يجعل لها بين ظهرانيه منذ اليوم مقاما مستطابا
إنه لا غرابة في أن يأخذ الآخذ ويطمع الطامع ، إنما الغرابة كل الغرابة في أن يرضى المأخوذ منه والمطموع فيه ، وليس يكفي أن يقول الساخط عن نفسه : إني ساخط ؛ يقولها وهو مسترخ في مقعده مغمض العينين مفتوح الشفتين ؛
إذ الغضبة الحقيقية عمل وسلوك وحركة ونشاط ، وليست هي بالكلمة التى تقال أو الخطبة التي تلقي ، والله بعد ذلك غفور رحيم .
إننا نبتغي لأنفسنا ما ينبغي أن يتحقق لكل إنسان في الدنيا من حرية وكرامة ، فاقرأ فيما يلى هذه المقدمة التى تبدأ بها وثيقة إعلان حقوق الإنسان - التى قررتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في باريس في اليوم العاشر من شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨ - اقرأها واسأل نفسك في عجب : هل كان المتكلمون عندئذ يخاطبون أهل هذه الأرض ، أم كانوا يوجهون الخطاب إلى سكان المريخ وزحل ؟
بدأت تلك الوثيقة بما يأتي :
" بما أن اعترافنا لكافة أعضاء الأسرة البشرية بمالهم من كرامة فطرية وحقوق يتساوون فيها بحكم طبيعتهم ، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم .
وبما أن التنكر للحقوق الإنسانية وازدراءها ، قد كان من نتائجه أعمال وحشية أثارت ضمير الإنسانية ، فكان ذلك إيذانا بعالم جديد يتمتع فيه بنو الإنسان بحرية الكلام
والعقيدة ، والتحرر من الخوف والعوز ، وهو أسمى ما تطمح إليه الشعوب .
وبما أن حقوق الإنسان لابد لها من حماية القانون ، حتى لا يضطر الإنسان مرة أخرى إلى الثورة على الطغيان والظلم ثورة لا يجد له محيصا عنها .
وبما أن العلاقات الودية بين الأمم ، لابد لها أن تزداد إحكاما ، وبما أن الشعوب المشتركة في الأمم المتحدة قد أكدت في ميثاق الأطلنطي إيمانها بالحقوق الإنسانية الجوهرية ، وبكرامة أفراد الناس وأقدارهم ، وبمساواة الرجال والنساء في الحقوق ، وصممت على أن يطرد التقدم الاجتماعي ، وأن يرتفع مستوى الحياة في نطاق من الحرية أوسع .
وبما أن اشتراك الناس في فهمهم لهذه الحقوق والحريات هو على أكبر جانب من الأهمية ، حتى تتحقق لنا هذه العهود تحقيقا كاملا .
فإن الجمعية العمومية تعلن الآن :
وجوب أن تعمل الشعوب جميعا والأمم جميعا ، بحيث يكافح كل فرد وكل عضو من جماعة ، كفاحا يهتدي فيه بهذا " الإعلان لحقوق الإنسان " فلا يغيب عن بصره أبدا - يكافح بالتعليم والتربية حتى يزداد احترام الناس لهذه الحقوق والحريات ، ويكافح بكل ما يسعه من وسائل تقدمية - قومية أو دولية - في سبيل تحقيقها ومراعاتها في أنحاء العالم أجمع ، وبصفة فعالة منتجة
وبعد ذلك تجيء ثلاثون مادة تفصل للإنسان حقوقه وحرياته الشخصية والسياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية - مهما يكن جنس الإنسان وديانته ولونه
وفي عيد من أعياد الأمم المتحدة ، وضع الحجر الأساسي للبناء الجديد الذي شيدوه في نيويورك مناطحا للسحاب ليكون مقرا لجمعية الأمم ، في ذلك العيد الإنساني من عام ١٩٤٩ ، أمسك السكرتير العام للأمم المتحدة بنسخة من ميثاق الأطلنطي ، وبنسخة من " إعلان حقوق الإنسان " الذي ذكرنا لك مقدمته ؛ أمسك بهاتين النسختين ، ووضعهما مع الحجر الأساسي ، وخطب قائلا :
" إن هذا " الإعلان " ( إعلان حقوق الإنسان ) إنما يضع قاموسا تهتدي به الحكومات حين يلجأ إليها بنو الإنسان وبناته من كل جنس ولغة ولون وعقيدة ، كلما اعتديت لهم على حقوق " !!
وها هي ذي حقوقنا قد اعتدى عليها وديست تحت الأقدام يا سكرتير الأمم المتحدة ، وها هو ذا " إعلان حقوق الإنسان " مايزال قائما مطبوعا يترنم بأنغامه المترنمون ، فإلى أى الحكومات نلجأ حتى تسمع الشكاة ؟ الحكومة الأمريكية أم الإنجليزية أم الفرنسية ؟
إن جمعية الأمم قد أعلنت هذه الحقوق في اليوم العاشر من شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨ ، وهي منعقدة في باريس ، أعلنتها بموافقة ثمان وأربعين دولة ، ولم تعارض فيها دولة واحدة ، وامتنعت عن التصويت ثمان ... والمهم أن دولة واحدة لم تعترض على أن الإنسان من كل جنس ولون وملة وعقيدة ، له هذه الحقوق بحكم فطرته وطبيعته ، فهي ليست حقوقا مكسوبة تمنح حين تشاء الأهواء ؛ وعندئذ قام رئيس الجمعية العمومية - وكان إذ ذاك مستر إيفان مندوب أستراليا - فقال : " إن جمعية الأمم تعلن الآن للمرة الأولى حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، ويؤازرها في ذلك الرأي العام في كل الأمم ، ويؤيدها ملايين الناس من رجال ونساء واطفال ، في انحاء العالم اجمع ، يعيشون على بعد أميال طويلة من باريس ونيويورك .
ومنذ ذلك الحين ، عملت جمعية الأمم جهدها ، أن ثبت في الناس هذه القواعد المقررة لحرياتهم وحقوقهم . فعملت على ترجمتها إلى ست وثلاثين لغة ، وأذاعتها بكل الوسائل : أذاعتها في الراديو وعلى شاشة السنما ، وبالنشرات والبحوث والصور ، وفي المعارض وحلقات الدرس والمناقشة ثم جاءت اليونسكو فجعلت هذا اليوم المشهود - العاشر من ديسمبر - عيدا تسميه " يوم حقوق الإنسان " . وقد احتفلت به في العام الماضي ست وأربعون دولة ، وها نحن أولاء نسمع أنهم يعدون العدة للاحتفال به احتفالا قويا هذا العام - وهو عيد مولده الثالث .
علام هذه الضجة الكبرى ما دمتم لا تريدون من الأمر
كله إلا أن يكون كلاما في كلام ؟
إن العالم المتمدن قد ظفر بشيء من الأخلاق المنشودة في هذا العصر . و ينقصه منها شئ ؛ ظفر بتنظيم التعامل فيما بين أفراد الأمة الواحدة تنظيما يقوم على كثير من صيانة الكرامة الإنسانية للأفراد ، وينقصه هذا التنظيم نفسه فيما بين الأمم بعضها مع بعض .
لكن هاهوذا شعب قد رأيتموه بأعينكم زاخرا بموجه في أرجاء قطر بأسره ، قد أراد أن ينتزع حقوقه وحرياته انتزاعا . . ويستحيل على شعب يريد ثم لا يحقق ما أراد .

