الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 680الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح :, ابتسامة الساخر

Share

كان يبتسم لي كلما رآني ، وكنت أحس القشعريرة كلما ابتسم ! فواعجبا لابتسامة مسمومة تشيع في النفس فزعا ورعبا ؛ إن هنالك ابتسامة وابتسامة : هنالك ابتسامة الطفل التي لا تنطوى أبدا على خبث وسوء ، كلها براءة وسذاجة وطمأنينة ورضى ؛ وهناك ابتسامة تفرج عنها الشفاه " لتكشر " عن أنياب الشر والغدر ؛ ترى هل كان ذلك ما قصد إليه " دانتى" حين وصف البسمات التى يلاقيها أصحاب النعيم في الجنة بأنها بسمات الرضع الأبرار ؟

أتقول إن هناك ابتسامة " يكشر " فيها صاحبها عن أنياب الشر والغدر ؟ هل تعلم أن الضحك في حقيقة نشأته " تكشير " مكبوت محبوس ؟ إن الطبيعة لا تعرف الضحك والمزاح ، إنها طبيعة متجهمة عابسة ؛ إن السماء لا تقهقه بالضحك وهى تزمجر بالرعود ؛ والحيوان إذا ما التقى في الغابة بحيوان ، فإما هو لا يأبه به إذا لم يكن به حاجة إليه ، وإما أن يكشر له عن أنيابه بانفراجة في شفتيه ؛ فلما أراد الإنسان على تطور المدنية أن يخفي تكشيرة الحيوان ويحبسها في صدره ، نشأ الضحك ؛ ولا يزال وجهه يتحرك في حالة

الغضب أو الفزع بنفس العضلات التي يتحرك بها في حالة البهجة والمرح

ابتسامة الضاحك وتكشيرة الغاضب - في الطبيعة - صنوان ؛ وهنالك الحالات التي يختلط عليك فيها الأمر . فلا تدري أبهش لك الضاحك حقا بقلب خالص ، أم يعبس لك بابتسامته وبتجهم ، كما تخبر أبو العلاء في هديل الحمامة أهو بكاء أم غناء ... إن الهجاء في الأدب عبوس في هيئة الضحك ، أو ضحك يعبر عن عبوس ؛ كان شاعر الهجاء عند العرب في حروبهم خامل الرمح : هذا يقذف برمحه  وذاك يرمي بضحكاته الساخرة ، وكلاهما يفتك بالعدو على حد سواء

الضحكات الساخرة في الأدب قذائف من اللفظ تلقيها على العدو كما ترميه برصاص البنادق . ذلك لأنك في كلتا الحالين " مكشير " له عن أسنانك ، ولا فرق بين أن تكون ضاحكا أو غاضبا ؛ إن ابتسامة الساخر لطمة على الوجه أو ضربة في الرأس ، لعلها أفضل من ضربات العصى . ولطمات الأيدى .

ويغلب أن نلجأ إى " قذائف" البسمات حين يكون " العدو داخل حدودنا ومن عشيرتنا ؛ فعندئذ يحسن أن نهاجمه بالضحك منه ، ومتى يكون الرجل من أهل العشيرة عدوا ؟ يكون كذلك إن شذ عن المجموعة ونشز ، فعندئذ تأخذنا الغضبة الممزوجة بالخوف من هذا الشذود الطارئ ؛ إننا لا نريد لحياتنا الآمنة أن تتغير ، ونبرز أنياب الأذى لكل من يحاول إخراجنا عن مجرى حياتنا المألوف .

ترانا نرسل الابتسامة الساخرة إلى كل غريب " عن مألوفنا : نرسلها إلى من يتكلم بلهجة مختلفة عما ألفنا سماعه ، ومن يلبس ثيابا غريبة ، ومن يأكل بطريقة غريبة ، ومن ينبذ في سكناه مكانا بعيدا هنا ، أو ينحو في تفكيره نحوا غريبا ؛ إن صاحب الفكرة الغريبة التي لم نألفها حقيق منا بالمحاربة - بالقذائف الضاحكة - كمن يلبس على رأسه طربوشا أخضر ، أو يتكلم في القاهرة بلهجة الريف ، أو يهجر المكان المعمور ليسكن في بيت في الخلاء بعيد عن مساكن الناس . كل هؤلاء غرباء يبعثوننا على الضحك - أو بعبارة أخرى يحملوننا على العبوس ، مادام الضحك والعبوس عند الطبيعة لغتين مترادفتين في الخوف والتخويف ؛ وإنه لمن عبقرية اللغة أن تضغط في لفظة " الغريب " معنيين يتلاقيان على اختلافهما الظاهر ؟ " فالغريب " الذي يجيء إلينا من خارج بلادنا ، هو في الحقيقة " كالغريب " الذي يشذ عن أوضاع بلادنا بالخروج عليها ؛ الأول " غريب " بمعنى أنه أجنبي دخيل يدعو إلى الحيطة والحذر ، والثاني غريب " بمعنى أنه باعث على العجب ، لأنه منا وليس منا ؛ وكلا " الغربيين " يتطلبان أن تكون منهما على أهبة المطاردة بالعبوس الساخر أو بالعبوس المقنع بالضحك .

إننا بضحكات السخرية نستوى أرضنا حتى لا يكون فيها مرتفع ومنخفض ، وننسق نغماتنا حتى لا يكون فيها نشاز ؛ فما تزال " بالغريب " عنا همزا ولمزا حتى يعتدل ويجرى معنا في فلك واحد ؛ وإنه ليقلق الغريب أن يعلم أنه هدف لابتسامه الساخرين ؛ وكثيرا جدا ما يشذ الشاذ وهو لا يدري ، حتى إذا ما لحظ الناس ينظرون إليه بابتسامة ساخرة ، أخذ يتحسس ملابسه ويتلفت حوله التماسا لما

عساه أن يكون شاذا فيه فيصلحه ؛ أما إن ابتسمنا للشاذ فظل على شذوذه وهو يعلم فما أسرع ما نقلب له الابتسامة إلى " تكشيرة " حقيقية ، وما أيسر هذا التحول فينا ، لأن حركة الوجه التي ابتسمنا بها ، هى نفسها التى نكشر بها تكشيرة الغضب ... لكن أين هذا الذي يضحك الناس من شذوذه فيصمد لضحكاتهم ؟ إنه إذا استطاع فهو العظيم ، أو من فيه بوادر العظمة ، وهل رأيت في التاريخ كله عظيما واحدا لم يكن موضع السخرية أول ظهوره ، ثم صمد للسخرية حتى اجتمع الساخرون أنفسهم تحت لوائه !!

وليست ضحكات السخرية دائما موجهة نحو الجديد ، بل هى أحيانا تصب " غضبتها " على القديم إذا لم يعد هذا القديم مألوفا مرغوبا فيه ، إنما نضحك من متعالم يستخدم لنا كلمات عربية قديمة يستخرجها من القواميس كما تستخرج الأجساد المحنطة من القبور ، ولن يصرفنا عن الضحك أن اللفظ المهجور القديم صحيح بحجة القاموس ؛ فلئن أفلح المتعالم مرة في حمل الناس على بعث لفظ قديم ، فقد أفلح الناس ألف مرة على رده إلى حظيرة الاستعمال المألوف . . إن الابتسامة الساخرة ترتسم على الشفاء . لهي مقياس أدنى مقياس لما ينبو عنه ذوق الجماعة ؛ وأنت بعد ذلك حر في أن تصانع هذه الجماعة لنعيش بينها هادىء البال ، أو أن تخرج عليها متحديا ، عالما بأن النقلة من الابتسامة إلى العبوس ، هو عند الناس أهون الهينات .

لست أدرى لماذا يستبد " دون كيشوت " بتفكيري إلى هذا الحد البعيد ؛ فكلما طافت برأسي فكرة ، ورد " دون كيشوت " على خاطري ؛ فقد أراد " سيرقانتيز " أن يقلع أهل عصره عما أغرقهم إلى آذانهم من حب للفروسية وتقدير لما كانوا يسمونه " شرف " الفرسان ؛ فماذا صنع ؟ خلق لهم بخياله " دون كيشوت " هذا ، يفعل نفس أفعالهم ؛ لكنه عرف كيف يجعله باعثا على الضحك ؛ وما دمت قد أضحكت الناس من شئ . فقد خطوت أوسع خطوة إلى محوه ؛ ومن هنا نفهم قول " بايرون " الشاعر الإنجليزى : لقد أزال سيرقانتيز  الفروسية عن أرض أسبانيا بابتسامة .

ابتسامات السخرية وخزات يخز بها الناس من أبناء الأمة الواحدة بعضهم بعضا ، ليجتمع شملهم على سلوك واحد

وفكر واحد ؛ ولذلك كانت الضحكات إقليمية تقف موجاتها عند الحدود الجغرافية ، فما يضحك الناس هنا لا يضحك الناس في بلد مجاور ؛ ومن ثم كانت ترجمة النكتة من لغة إلى اخرى أمرا متعذرا أو مستحيلا ، فالنكتة محكوم عليها ألا تعبر حدود بلادها إلا في القليل النادر ؛ إنها لا تحمل جواز المرور ، ولا يسمح لها بتغير الجنسية ، فما هو مصري - مثلا - يظل مصريا ، ولا يرحل أبدا عن أرض الوطن ؛ لا بل قد تنحصر النكتة في جيل واحد من أهل البلد الواحد ، فنكتة أضحكت الناس منذ عشرين عاما أو ثلاثين قد لا تضحكنا اليوم ، لتغير الظروف .

وما كذلك البكاء ، ! فللبكاء قوة يتخطى بها الحواجز والسدود ؛ البكاء  إنسانى عام ، فما يبكي إنسانا في اقصى الأرض من طرف ، بيكي زميله الإنسان في أقصاها من الطرف الآخر ؛ وما قد أسال الدمع في عهد مينا وخوفو لا يزال حتى اليوم قادرا على إسالة الدموع ؛ إنه ليقال عن " ما كولى " - وفي القول مبالغة جميلة إنه كان يقرأ الإلياذة يوما وهو سائر في الطريق ، فلما طالع موت هكتور سحت عبراته على وجهه ، فهل يمكن أن نسمع عن اديب آخر ، أخذ يقرأ ملهاة لأرستوفان وهو سائر في الطريق فإذا هو يضحك حتى يشق الضحك جنبيه ؟ !

وإذا كان من علائم الشخصية القوية أن تصمد للهجمات الضاحكة يشنها عليك أبناء الأمة جزاء خروجك على أوضاعهم ، فماذا أنت قائل في رجل يجعل نفسه هو الضاحك الساخر بأبناء بلده أجمعين ؟ .

فلعلك قد رأيت كيف يتفاوت الناس في روح الفكاهة ، ثم إذا ضحكت منه  "مات في جلده " - كما يقولون - ومنهم من يرد الضحك بضحك أقوى . وما يزال كذلك حتى يرتد سهم السخرية إلى عمر الساخر الأول . . وهكذا يكون موقف الساخر العظيم من أمته : يشذ عن أوضاع الناس ، فيسخر منه الناس ، فيرد السخرية بسخرية امضى ، حتى تنتهي المعركة ، فإذا هو واقف وحده في الميدان ، يضحك ويسخر ، وجموع الناس من حوله

تضحك معه وتسخر ، وإنما يضحكون عندئذ ويسخرون من ذوات أنفسهم !

من أمثال هؤلاء الساخرين الأفذاذ قولنير ، وسويفت ، ودكنز ، وشو . . ومنهم - ركدت أقول على رأس الساخرين جميعا في العالم طرا - أديب ياباني أمره في السخر عجب ، هو " جيبتشا إيكو " - هذا الذي أدفعه الفقر بين قومه ، فهزأ ساخرا بالفقر وبقومه معا ؛ لم يكن في بيته أثاث ، فعلق على جدرانه العارية صورا للأثاث الذى كان يشتريه لو استطاع ! وفي أيام المواسم الدينية كان يضحى للآلهة بصور فيها رسوم للقرابين التى كان يتقدم بها إلى هؤلاء الألهة لو كان عنده المال .

لم يكن " إيكو " يصبب من كشتئبه مالا ، فكان رقيق الحال رث الثياب ؛ وحدث مرة أن جاءه الناشر يزوره في بيته . وكان هذا الناشر يرتدي ثوا جميلا فاخرا ، ثم زال به الأديب التفكه حتى أعضاء بالاستحمام - وكان اليوم عبدا - وما إن وقع الناشر في الفن حتى ليس صاحبنا ليابه تلك الجميلة الفاخرة ، وراح يزور بها كل من عرفهم من أهل وأصدقاء .

ولما كان إيكو " في فراش موته ، التمس من تلاميذه أن يضعوا على جثمانه قبل إحراقه بضع لفائف أعطاهم إياها في وقار وجد ؛ وجاءه الموت ، وفرغ المصلون من تلاوة الدعوات ، وأشعل الحطب الذي أعد لإحراق جثته ووضعت اللفائف على جسده بين السنة النار ، وإذا بها تحتوي علي صواريخ ، أخذت تطقطق في مرح ونشوة ، وراحت تنطلق في الهواء رسوما ملونة ؛ فلم يسع الحاضرين إلا الضحك ، بعد أن كانوا من رهبة الموت في حزن وخشوع ؛ كأنها أراد هذا الساخر العظيم أن يلطم الناس لطمة قوية تؤنب عليهم ضمائرهم . التي أهملته حيا ، وجاءت الآن تصطنع الهم والاهتمام أمام جثمانه !

ابتسامة السخرية أداة في يد الأديب القادر ، يصلح بها ما قد فسد عند الناس من طرائق العيش والتفكير ؛ ويكاد يستحيل ألا تسخر من جماعة إلا إذا كنت في أعماقك راضيا عن أسلوبها . . ولك أن تسأل بعد ذلك : أين في أدبائنا الأديب الساخر ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية