عجيبة هذه الكراهية التي قد يحملها الناس أحيانا بعضهم لبعض بغير سبب ظاهر معقول ؛ فتري رجلا وقد اتخذ موقف الكراهية والمعارضة من رجل آخر ، مع أنهما بعد لم تصلهما صلة من حديث أو عمل ؛ لكنه يحسن من نفسه استعدادا لرفض ما عسى أن يقوله هذا الآخر قبل أن يقوله ؛ لأن رفضه في الواقع منصبا على شخصه ، فإذا رأيته معارضا لأقواله مقنعا لآرائه . فإنما جاء ذلك عن كراهية لاحقة لكراهية سابقة ؟ إنه قد بدأ برفضه للشخص ذاته ثم عقب على ذلك برفضه لأقوله وآرائه كائنة ما كانت ؛ فإن قال هذا عن شئ إنه أبيض رأي هو أنه اسود ، أو قال هذا عن شئ إنه أسود ، رأي هو أنه أبيض ، لا إخلاصا في التعبير عما يراه حقا وصدقا ، بل رغبة في نبذ هذا الشخص الكريه بكل ما ينطق به من نبأ أو حديث .
وكثيرا ما تكون هذه هي نفسها العلاقة بين جماعة وجماعة ، أو بين جيل وجيل ، فنري الكراهية بينهما صامتة قائمة متحفزة متأهبة تتحين الفرص والظروف ، حتى إذا ما سنحت لإحداها اللحظة المواتية نفثث سمومها على الخصيمة
الكريهة دفعة واحدة ، كأنه سيل مسيس وجد الثغرة فاندفق إنك لتعجب أحيانا كيف تكفي الحادثة التافهة لإثارة حرب طاحنة بين شعبين ، أو لإعلان خصومة حادة بين أسرتين ؛ والواقع أن قد كانت الكراهية بين الجماعتين قائمة وإن تكن صامتة ، ثم سنحت فرصة إعلانها ، كأنها المرض الخبيث المزمن ، يكمن حينا حتى ليظن بصاحبه الشفاء . فإذا لفحة خفيفة من البرد تثير كوامنه وتشمل خوامده .
وبين أبناء الجيلين المتعاقبين تقوم مثل هذه الكراهية الصامتة ، فأبناء الجيل المقبل - في أغلب الأحيان - قائمون تأثرون على أبناء الجيل المدبر ، الأبناء لا يعجبهم سلوك آبائهم ، والأدباء لا يرضيهم أدب شيوخهم ، والمشتغلون بالسياسة يرون في القادة قوة رجعية لابد من زوالها ؟ وكذلك أبناء الجيل المدبر - في أغلب الأحيان - مستخفون بأولئك الصغار الناشئين ، حتى ليكاد يستحيل عليهم أن يتصوروا أن من هؤلاء المقبلين أحدا هيأه الله لملء فراغهم ، فلا الوالدون يرون في أبنائهم ما عهدوه في أنفسهم من متين الخلق وحميد الخصال ، ولا الأدباء يلمسون
في أدب الناشئين شيئا ذا غناء وبال ، ولا قادة السياسة يطمئنون إلى أن هذا الشباب الغر قادر على تسيير السفينة يمثل ماسيروها الجيل المقبل والجيل المدبر ، كلاهما ينظر إلى الركب ، فإذا هو عند الأول سائر إلى أمام ، وإذا هو عند الثاني منزلق إلى وراء . . وهكذا تري ثورة أولئك على هؤلاء ، واستخفاف هؤلاء بأولئك ومظهرين الكراهية الصامتة القائمة بينهما - الكراهية التي ترفض القول نتيجة لرفض قائله . ولا تنتظر حتى تسمع ما يقوله القائل قبل أن تنتهي إلي رفض أو قبول .
هكذا قد تكره شخصا من الناس ولا تدري لماذا ، أو لعلك تستطيع أن تدري لو أخذت في تحليل الموقف على نحو ما يفعل علماء التحليل النفسي في أمثال هذه الحالات ؛ فهم يزعمون أن للكراهية سببا قد طمرته الأحداث فاختفي عن العين السطحية العابرة . ولكنه لايخفي على العين الفاحصة التي تنبش حتى تزيح عن العقدة الدفينة ركام الحوادث ، فتخرجها إلى ضوء الشمس من جديد .
وإلا فقل لي بربك ماذا تري بيني وبين هذه البائعة الصغيرة لأوراق النصيب ؟ إنها بنت في نحو العاشرة من عمرها ، كثيرا ما تطوف بأوراقها في مشارب القاهرة . أراها مقبلة فكأنما رأيت الحية الخبيئة تسعى وأسمعها تنطق فكأن الصوت هو الفحيح الذي تقشعر له الجلود : إنها في أغلب الحالات تجيء مصبوغة الشعر في أصفر فاقع لا يلائم وجهها ، وقد ألبسها ذووها ثوبا ذا بريق عجيب ، شقوه لها - في أرجح الظن - من ستار نافذة قديم ، وعلى قدميها حذاء أبيض خفيف ، والوجه بين هذه البقع اللامعة مطيل وقد علته غلالة من قذارة لاصقة ببشرته . . يا إلهي من هذه البنت الصغيرة حين تقبل ، ناظرة بعينيها الضئيلتين من ذلك الوجه الكريه ! إذا رأيتها أشحت بوجعي أو أسرعت إلى صحيفة أو كتاب أدس فيه عيني فلا أراها ؛ وكثيرا ماناديت أقرب خادم لأصب عليه انفعال غضبى أن أذنوا لها بالدخول في مثل هذا المكان ، فتتخلل صفوف موائده ، ولا ترحم حتى هذا الركن الهادئ البعيد الذي أحب عادة أن أختبيء في ظلامه . . إنها مسكينة تسعي إلي رزقها ، وأنا أعلم ذلك ، لكني أعلم ذلك بعقلي ، أما شعوري الذي لاحيلة لي فيه فهو شعور الكراهية
الشديدة التي يستحيل أن أجد لها سببا ظاهرا معقولا اللهم إلا أن يكون السبب هو هذا الذوق البشع الفظيع في طريقة لفها وطليها ، لتبدو - في ظن من لفها وطلاها - " فالموات " ينشأ من " الذوات " أخني الدهر على أهلها . فترحم قلوبهم ؛ وليتني ألتقي بذويها يوما ، لأنبئهم أن أرحم القلوب قمين أن ينقلب جامودا من الصخر لهذه الكتلة المتحركة من الكذب والزيف .
إنها الكراهية الصامتة القائمة بين الناس أفرادا وجماعات ، وليقل في تحليلها وتعليلها أصحاب البحوث النفسية ماشاءوا من أسباب دفينة خبيئة ، لأن ذلك لا يغير من الأمر شيئا ، فلا يزال الأمر الواقع هو أنك قد تحمل لهذا أو لذاك كراهية لغير ماسبب ظاهر ، فتوحى لك الكراهية أن تتخذ الأهبة لرفض ما يقوله الكريه قبل أن ينطق به - وإلى جانب هذه الكراهية التى تحملها لبعض الناس ، حب تحمله لبعضهم الآخر ، يميل بك إلى قبولهم وقبول كلامهم وآرائهم ، كأنها في أذنك النغم الجميل ، وعلى ذوقك العسل المصفي
فكأنما تسير بين الناس وفي جعبتك عدة شعورية تقابل بها ما يقولونه وما يفعلونه بالقبول أو بالرفض ولا لأنها مقبولة لذاتها مرفوضة لذاتها ، بل لأنك تكره هنا وتحب هناك ؛ إن من أقوى اللمحات الفكرية التى قرأتها ، لمحة لنبتشه ، يقول فيها إن منطق الناس لا يسير من المبررات العقلية إلي إرادة أداء الأفعال التى تترتب عليها ، بل يسير على عكس ذلك من إرادة أداء أفعال معينة يشتهيها الفاعل بعاطفته . ثم يبحث لها بعد ذلك عن مبرراتها العقلية ؟ أى أنك لا تقول : إن عقلي يرى الصواب من الأمر كذا وكذا ولذلك فإنى فاعل كيت وكيت ، بل تقول : إنى فاعل كيت وكيت ولذلك فإن عقلي سيجد له من المبررات كذا وكذا .
العاطفة من حب وكراهية تأتي عند الناس أولا ، ثم يأتي بعد ذلك قبول الآراء ورفضها في ظل تلك العاطفة ! وقد تخف هذه العده الشعورية عند فرد حتى لا تبدو آثارها إلا لماما وفي لمسات رقيقة ، لكنها قد تشتد عند فرد آخر فتصبح عاطفة جارفة كعاطفة العاشق الولهان أو الوطني للتحمس أو صاحب العقيدة الذي ملاء الهوس نحو عقيدته - وعندئذ تعمى العيون وتصم الآذان . فلا يري صاحب العاطفة ولا يسمع إلا ما يغذي فيه عاطفته تلك .
فعين الرضى - كما يقول الشاعر - عن كل عيبب كليلة . ولكن عين السخط تبدي المساويا .
الملائكة في عين المكاره ، أبالسة وشاطين ؛ وعبثا تحاول إقناع المكاره بتغيير رأيه فيمن يكره . إلا إذا انتزعت أولا منظاره الأسود من فوق عينيه ، أما أن يظل منظاره ، ذاك أمام عينيه ، ثم تحاول بعد ذلك أن تريه بياض الأشياء ونقاءها وطهرها . فأنت عندئذ كمن يحاول أن يضع النقيضين معا ؛ والظاهر أن الجماعات الإنسانية قد أدركت ذلك منذ زمن بعيد ، فعولت عليه في تربيتها لأفرادها فالجماعة المعينة تريد لأبنائها أن يحبوا شيئا ويكرهوا شيئا ، فحسبها أن تلبسهم مناظير فوق أنوفهم باللون الذي تريد لهم أن يروه . وهي بعد ذلك على يقين من أنهم سيساقون لمشيئتها سوق الأغنام للراعي .
ولعلك تلاحظ هنا أن الإنسان لا يرى زجاج منظاره ، وإن يكن ينظر خلاله إلى كل شئ عداه ؛ ومن ثم لا يدرك المتعصب أنه متعصب لا يدرك ذلك أبدا إلا إذا جاءته رحمة الله فخلع منظاره الملون من عينيه فتعدد الآراء في الشئ الواحد هو في الحقيقة اختلاف في الوان المناظير ، لا في الشئ ذاته ولا في العيون التى تستطيع أن ترى الشىء على حقيقته لو مكن لها أن تراه مباشرة وبغير منظار .
قد انظر إلي الجماعة من الأصدقاء ، وقد استمع إليهم يديرون المحاورة حول موضوع ، فيقول الواحد منهم رأيا ليدحضه صديقه . فأهمس لنفسي عندئذ : تري كم بين هؤلاء الأصدقاء من كراهية صامتة لا تعلن عن نفسها ؟ إن الحب محمود عند الناس ولذلك فهم يسرعون إلى إعلانه إن كان بينهم منه شئ كثير أو قليل ، أما الكراهية فمرذولة ممقوتة ، ولذلك فهي مضطرة إلى التستر في صمت وراء أقنعة الرياء ؛ نعم أسأل نفسى عندما تجلس جماعة الأصدقاء في حديثها يدحض بعضهم آراء بعض : تري إلي أي حد صدر الرافض للرأي عن صدق مخلص ، وإلى أي حد صدر عن كراهيته المكنونة في صدره ، التي يحرص على إخفائها حرص تاجر المخدر على إخفاء بضاعته ؟
وإنما جاءتني هذه المقارنة بين الحيثين ، لأن كليهما قد يثري صاحبه من وراء الستار ، ولست أدري كم جمعت تجارة المخدر لأصحابها من ثراء ، لكنى أستطيع أن أدلك على
طرف يسير مما جاءت به الكراهية الدفينة على الكارهين من ربح نفسى موفور فبمقدار كراهيتك للناس والأشياء والأوضاع من حولك ، تكون مقاومتك لها ومحاربتك إياها ، ثم بمقدار هذه المقاومة والمحاربة يكون التقدم بالحياة من حال إلي حال : كره الناس حكامهم الطغاة فقاتلوهم حتى ظفروا بحريتهم من سياط طغيانهم ، وكره الفقراء أن يتمتع الأغنياء بكل شئ من دونهم فطالبوا بالإصلاح حتى رأينا الضرائب تجي بكثرة على الأغنياء ليعيش الفقراء . . فهذه وأمثالها كراهيات منتجة ، لكنها أنتجت حين أعلنت عن نفسها ، ولو لبثت على صمتها كامنة النفوس لظلت على عقمها .
آه لو شفت الصدور وفتحت القلوب ، لنري كم اختبأ فيها من عناقيد الحصرم المر - حصرم الكراهية التي يحملها الناس بعضهم لبعض ، ثم لا يكشفون ! ورحمك الله يا " فرويد ، حين وضعت أصابع الناس على حقيقة هالتهم وأفزعتهم ، وهي هذا العداء المستحكم بين الابن وأبيه منذ الطفولة . ولو أدرك الآباء هذه الحقيقة على هولها كله . لما بنوا أبناءهم بما يخفف حدة هذه الطبيعة البشعة بدل أن يزيدوا النار لهبا وسميرا . . هل تصدق أن هذه البسمات التي يتبادلها الزوجان لا تخفي وراءها كراهية وضيفا ؟ هل تصدفي أن هذا الود يتفارضه الصديقان لا يطوي في أحشائه غلا وحسدا ؟ . . إنه البشر وإنها طبيعته .
وما كل طبيعبي مقبول ، فالطبيعي لماء النيل أن يأتي ممزوجا بالطين . لكنا ننقيه ونصفيه في المواسير والصنابير قبل شربه . والطبيعى للطرقات أن تكون رمالا وأحجارا ، لكننا نمهدها ونرصفها ليسهل السير فيها . . فإن كان من الطبيعى للبشر أن تعسكر الكراهية قلوب الناس ونفوسهم ، فلابد من التنقية والتصفية والتمهيد والرصف حتى يتم التعامل بين إنسان وإنسان .
فلنعلن من الكراهية التي نحملها في صدورنا عما عساه أن ينتج خيرا باعلانه . كهذه الكراهية التي أعلنتها الشعوب ضد حكامها الطغاة . والتي أعلنها الفقراء على الأغنياء ؟ أما ما عدا ذلك فالخير في حبسه في الصدور ، حيث تظل الكراهية هناك بين جدرانها صامتة . لا أثر لها ولا خطر ، المهم إلا ضيق الصدور الحابسة وكتمة النفوس الكارهة .

