الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 686الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح :, اللحظة المسحورة

Share

هي تلك التي يلقطها الفنان من مجري الزمن ، فيخطها على الورق لفظا ورسما ، أو يثبتها على الحجر نحتا ونقشا . . فذلك هو الفن بأدق معناه .

الفن الأصيل الصحيح هو أن تثبت حالة من حالات الوجود بتفصيلاتها التي تجعلها فردا فريدا بين سائر الحالات ، بحيث تعرف كيف تتخير لها من تفصيلاتها ما يخلع عليها بين سائر أخوانها ذلك التفرد الذي لا يشاركها فيه شريك آخر على امتداد الزمن واتساع الكون وتعدد الكائنات .

فمن سر الحياة هذا التفرد العجيب بين الأحياء ، حيث يستحيل على فردين أن يتشابها إلى حد التطابق الكامل ؛ فالأم تعرف رضيعها بين ألف آخرين ، لأنه مهما اشتدت أوجه الشبه بينه وبين هؤلاء الآخرين . فله من الخصائص ما يميزه عند النظرة التى تدفعها الفطرة السليمة إلى الوقوف عند جوانب التباين والاختلاف .

قد تري جماعة الطير أو البقر ، فيتشابه عليك أفرادها ، حتى لنظن ألا اختلاف بين تلك الأفراد . وتظل كذلك ما دمت لا نري في نفسك الدافع الذي يحفزك إلى تدقيق

النظر فيما بين الأفراد من فروق ، فإذا ما نشأ في نفسك ذلك الدافع لسبب ما ، ألقيت لكل عصفور خصائصه الفذة ، ولكل بقرة ميراتها الفريدة ، ويكون رسم العصفور أو البقرة فنا أو لا يكون ، بمقدار توفيقك في إبراز المميزات التي قد جعلت ما رسمته واحدا لا شريك له بين سائر الطير والبقر .

ولا غرابة بعد هذا أن يكتب الشعراء من كل جيل آلاف الألاف من قصائد الشعر في ظواهر الطبيعة ، فيذهب هذا الزبد كله جفاء ، والقليل جدا هو الذي بمكث في الأرض يتغني به الناس على مر الزمان ؛ لأن هؤلاء الألوف من الشعراء يحسبون أن الأشجار سواء والرياض سواء والغدران سواء ، وكل شروق للشمس ككل شروق ، وكل غروب ككل غروب ؟ ويحسب الواحد منهم أنه ما دام قد أطلق على أشعة الشمس اسم " العسجد " وعلى ضوء القمر اسم " اللجين " فقد بات الكلام عن الشمس والقمر شعرا . لكن لكل حالة من كل ظاهرة طبيعية خصائصها الفريدة التى يستحيل تكرارها في سائر

حالات تلك الظاهرة نفسها ؛ فالروض الواحد له في كل لحظة حالة خاصة من لمعات الضوء وعطر الزهر وهبوب الريح ، ومن وقع ذلك كله على الحالة النفسية التي تشاء المصادفة أن يكون عليها الشاعري عندئذ ، الروض الواحد له في كل لحظة هذه الحالة الخاصة التي تميزها عن سائر حالاته في سائر اللحظات ، ودع عنك ما يكون بين هذا الروض في جملته وبين غيره من الرياض من فروق تجعله بينها واحدا وحيدا ، إذا ما رأيت منه لمحة في صورة عرفت أنها منه ، لأن هذه اللمحة لا تكون إلا فيه من جملة الرباض . . ونقول عن الشاعر الذي وقف في الروض وراح ينشد ، تقول عنه إنه شاعري ، لو اهتدى بوحي فنه إلى تلك الملامح فيما يرى حوله ومما محس في نفسه عندئذ ، الملامح التي تمتزج فتخرج صورة فريدة لا تكرار لها في كل ما يقوله بعدئذ هذا الشاعر نفسه في هذا الروض نفسه ، فضلا عما بقوله غيره من الشعراء في غيره من الرياض .

ولا غرابة أن يكتب القصصيون من كل جيل عشرات المئات من القصص ، فتذهب كلها مع الريح ، ولا يبقى من نتاج الجيل الواحد إلا قصة أو قصتان . ذلك إن بقي منه شىء ؛ لأن الأمر هنا ليس مداره على " الحكاية " - فما دمت " تحكى " أن فلانا ذهب وفلانا جاء،  وفلانة كرهت أو أحبت ، فأنت قصاص . . كلا ، بل مدار الأمر في القصة الأصيلة ، هو التوفيق في إبراز هذه الفردية التي حدثتك عنها : فهل لكل شخص من أشخاص القصة فرديته التي تجعله واحدا من الناس لا يختلط بغيره ؟ وإن كانت القصة تاريخية فهل الفترة التاريخية المرسومة بحوادث القصة قد اتسمت بسمات فذة لا يمكن معها أن تختلط في ذهن القارئ بفترة أخري ؟ . . إن وقفت القصة في هذا"التفريد" والتخصيص فهي القصة الباقية .

وقد يحسب القارئ أن ليس في الأمر هذا العسر كله ، لأنه قد يحسب أن الناس يتشابهون في مشاعرهم ، فيكفي - مثلا - أن تقول إن قيسا أحب ليلى ، لأعرف في أية حالة شعورية كان قيس ، مادام الحب وجدانا معروفا مشهورا . . لكن لا ، ليس الفرد الواحد بشبيه لنفسه في حالتين من حالاته التي نتسرع فنطويها جميعا تحت اسم

واحد ؛ إن قيسا في حبه لليلى ، تمر عليه حالات مختلفات ، لكل حالة منها خصائصها ، على أن مجموعة حالاته الوجدانية التي قد أضمها معا لأسميها باسم واحد - هو حب قيس لحبيبته - تنطبع كلها معا بطابع يجعلها تختلف عن مجموعة حالات الحب عند أي عاشق آخر مهما يكن عدد هؤلاء العاشقين الآخرين - فمتى يكون الفنان الذي يتعرض لتصوير قيس في حبه فنانا أصيلا ؟ يكون كذلك لو أدرك مميزات الحالة الواحدة من حالات الحب التي يصورها وميزات مجموعة الحالات عند قيس مما يجعل حبه في جملته مختلفا عن حب أي عاشق آخر في جملته .

وليس نقدة الآداب والفنون بعابثين ، حين يتخيرون شاعرا فيمجدونه بين آلاف الشعراء ، أو يتخيرون كاتبا من أدباء القصة أو المسرحية فيخلدونه بين آلاف الكتاب الذين يكتبون القصة والمسرحية ؛ لا ، ليس نقدة الآداب والفنون بعابثين حين يقترون علينا في عدد الأدباء ورجال الفن الذين يحرصون على بقائهم ، وحين يسرفون في حذف سائر الأسماء من قائمة الخالدين - لقد خلد شيكسببير بمسرحيتة أنطون وكليوباتره - مثلا - ولن يخلد شوقي بمسرحيته في الآداب العالمية ، لن يخلد إلا بين جدراننا نحن ، لأن رحاب العالم ستظل متسعة لمسرحية شكسبير وستضيق بزميلتها لشوقي ، لأن شكسبير كان يبرز أشخاصا لكل منهم مميزاته ، وكان يبرز وجدانات لكل حالة منها خصائصها الفريدة ؛ وأما شوقي فراح ينظم القصائد على ألسنة أشخاصه دون أن نخرج في النهاية بصورة لكل شخص تفرده وتميزه ، كما يتفرد ويتميز الأشخاص الذين يصادفونك في حياتك كل بشيء أو أشياء .

إن من العبارات التي تلوكها الألسن وتحوض فيها الأقلام بكثرة تستتوقف النظر ، قولهم إن الأدب ينبغي له أن يتصل بالحياة ، أو إن الأدب لا بد له أن يصور الحياة ، يقولون ذلك ولست أدري إن كان ذلك له عندهم معني محدد مفهوم واضح ، لأنني كثيرا ما أجد نفرا من " أدبائنا " يزعمون لأنفسهم هذه الصلة بالحياة ، فيكتبون عما يرون في مركبات الترام وفي المقاهي وما إلى ذلك ، مهما بلغ هذا الذي يكتبونه من التفاهة والسخف ؛ وأحسب أن

صلة الأدب بالحياة ، أو تصوير الأدب للحياة ، لا يكون معنى مفهوم ذو وزن وقيمة ، ومنطبق على أمهات الآيات الأدبية التي خلدت ، إلا إذا أدركنا أن سر الحياة الأعظم هو هذا التفرد الذي يكون بين الكائنات ، وان مهمة الأديب هي النقاط الحالات الفريدة بما يميزها ، فالأديب متصل بالحياة مصور لها إذا رسم لنا حالة من حالاته النفسية بحيث يبرز فيها ما يجعلها حالة يستحيل تكرارها ، أو رسم شخصية بتصرفانها وطريقة كلامها بحيث يجعلها عندنا كائنا فردا يستحيل تكراره ، وعندئذ نستطيع أن نضيف هذا الكائن الجديد الذي خلفه لنا الأديب إلى زمرة أصدقائنا الذين اتصلنا بهم في الحياة الواقعة ، فنستفيد من حياته - كما استفدنا من حياة هؤلاء الأصدقاء - خبرة تزيد بها أعمارنا غزارة وتتسع أفقا .

وإن كان ذلك كذلك ، فليس حتما على الأديب أن يركب الترام وجلس في المقاهي ليتصل " بالحياة " - كما يظن . " أدباؤنا " - لأنه قد يجلس إلى مكتبه يقرأ التاريخ ، فإذا به يلمح في أشخاصه أو في عصوره ، شخصا أو عصرا بمميزاته الفريدة ، فيأخذ في تصوير هذا الشخص أو هذا العصر تصويرا يبرز فيه تلك الميزات - وبالتالي لا يتحتم عليه أن يقص علينا تاريخ هذا الشخص أو ذلك العصر بترتيبه الزمن كما وقع ، لا يتحتم عليه أن يتمشى في تصويره مع دقائق الوثائق التاريخية ، وإلا كان مؤرخا ولم يكن أدبيا ، إنما يتحتم عليه أن " يتخير " من حوادث ذلك الشخص أو ذلك العصر ما شاء ، وأن يرتبها كيف شاء ، ما دامت هذه الحوادث التي اختارها ، وهذا الترتيب الذي نظمها فيه ، ينتهي بنا إلى صورة فريدة لا تكرار لها - عندئذ نقول عنه إنه أديب " يصور الحياة " مع أنه لم يفارق مكتبه ، وما " تصويره للحياة " إلا محاكاة الحياة في تفريد كائناتها بمميزات فذة وخصائص تجعل الفرد فردا لا يشبه شبيه آخر - إذا أردنا بالتشابه تطابقا كاملا - سواء كان هذا الفرد شجرة ، أو غصنا منها ، أو ورقة من أوراقها ، أو حيوانا أو إنسانا أو حالة نفسية ....

وإنما كتبت هذا كله ، بل اخترت العنوان لهذا الذي كتبته ، بمناسبة قراءتي لقصة " الوعاء المرمري " التي

أخرجها منذ أيام أستاذنا الجليل الأديب محمد فريد أبو حديد بك.

فعند وعاء من المرمر اعتاد سيف وخيلاء أن يجتمعا ، " ولون الوعاء ونقوشه البديعة تشبه الوشي فوق ثوب الحرير ، وكانت الصورة التى عليه تمثل جانبا من بستان فيه شجر باسق يظلل رقعة خضراء تتخللها شجيرات تتدلي أغصانها محملة بعناقيد مرسلة من الزهر ، وكانت الطيور تبسط أجتحتها بعضها يسبح في الهواء وبعضها يهبط نحو الأرض ، والقمر الكامل في أعلى الصورة يبعث أشعته على شابين فتي وفتاة يسيران في الممشي ، وقد تعاقدت يمناه بيسراها وهما يبسمان نحو القمر " .

هنالك طالما وقفت " خيلاء " مع سيف يتحدثان في إعجاب عن الصورة ونقشها ، وجاء " سيف " ذات يوم ليجد "خيلاء" واقفة وحدها عند ذلك الوعاء المرمري . - أتقفين وحدك عند الوعاء ؟ أليس هنا موقفنا معا ؟ ماذا ترين فيه يا خيلاء ؟ . .

فقالت خيلاء باسمة : - قطعة من المرمر الوردي الجميل . فقال سيف : . . نعم قطعة من المرمر الوردي الجميل كانت يوما في جوف صخرة ، قد يتخذها حجار ليضعها في جدار بيت ، أو تتخذها عجوز فقيرة لتصنع منها رحي أو تربط بها حبل عنزها .

ولكن انظري يا خيلاء كيف حولها صانعها إلي تحفة حية ، بل هي أكثر حياة من كثير من الأحياء . ومضي سيف يقول ، وهو ناظر إلي القطعة المرمرية : كأنها قصيدة .

فقالت خيلاء باسمة : - هي كذلك إذا شئت ، أو هي كما أسمها أنا فيما بيني وبين نفسى ... أسميها لحظة مسحورة . لحظة من اللحظات التي تمر بالأحياء فتهزهم وتأخذ بمشاعرهم وتنقش على قلوبهم ، ثم يثبتها الفنان على قطعة جامدة من الحجر ، فإذا هي مثل هذه الصورة التي تسميها قصيدة أو تحفة حية فقال سيف في حماسة وإعجاب : - صدقت يا خيلاء ، وما أبرعها من تسمية ، حقا

أنها لحظة مسحورة جعلها الفنان تتحدي الزمان والتغير والفناء ، وتبقى خالدة ثابتة وإن تبدل كل ما حولها ؛ ذهب الفنان الرومي الذي صنعها ، وذهب هذان الشابان اللذان كانا يقفان يوما في ظلال البستان المزدهر ، ودار القمر دورات لا يحصى عدها ، ولكن هذه الصورة بقيت خالدة على وعائها ، البستان مزدهر أبدا والطير لا يهبط من سمائه والشابان يقفان باسمين ويشيران إلى البدر الذي لا يعتريه محاق . السعادة التي تغمرها في مأمن من صروف الدهر . ذهب الجزء الفاني من هؤلاء جميعا وبقيت الصورة تتضمن الجانب الخالد الذي لا يفنى .

وعلي فجأة من خيلاء ، رفع سيف يدها إلي الله فاختطف منها قبلة ، وتمنعت خيلاء في رفق فأرسلها وقال في شئ يشبه الاعتذار : - لو كنت فنانا لخلدت موقفنا هذا .

وهكذا يصور أستاذنا الأديب نفس المعني الذي قصدت إلى التعبير عنه ، وهو أن الفن بأدق معناه احتجاز للحظة من لحظات الزمن ، أو تثبيت لفرد من أفراد الكائنات ، على أن تجيء تلك اللحظة أو هذا الفرد بخصائصه المميزة التي تجعله فريدا بين الأحياء جميعا لا تكرار له مهما امتد الزمان واتسع المكان وتعددت الكائنات .

وقد كنت أود أن استطرد في الحديث عن قصة الوعاء المرمري ، لأنقل إلى القارئ رأيى في مدي التوفيق الذي أصابه أستاذنا فريد بك في تطبيق هذا المبدأ نفسه على كتابه هذا : إلى أي حد استطاع الأديب الفاضل أن يجعل أشخاص القصة أفرادا أحياء بالمعنى الذي شرحناه ، وأن يجعل الفترة التاريخية التي يصورها متسعة بالمميزات التي تجعل من اللحظة الزمنية " لحظة مسحورة " بالمعنى الذي صوره وهو يتحدث حديثه الذي اقتبسناه .

كنت أحب أن استطرد في الحديث لأنقل إلى القارئ رأيى في هذا كله . لكن الحديث قد طال ، ويكفي أن أقول الآن في ذلك عبارة واحدة موجزة قد أعود إلي تفصيلها ،

وهي أنه قد وفق التوفيق كله في تصوير الفترة الزمنية التي أراد تصويرها ، أما صور الأشخاص فقد جاء بعضها " مهزوزا " بعض الشئ - كما يقال في الصور الفوتوغرافية

التي تغمض فيها الملامح - جاء بعض الأشخاص وقد غمضت فيهم الملامح المميزة ، فكانهم ناس قد صادفتهم في بعض الطريق ، لم أر منهم إلا قليلا على السطح ، ولم أكد أغادرهم لأضطرب في شئون الحياة ، حتى نسيتهم . . لكن ذلك إجمال في القول لا يكون له معي بغير تفصيل .

اشترك في نشرتنا البريدية