الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح :, تمثال فدياس

Share

في محاورة " هيباس الكبير " لأفلاطون ، يدور نقاش بين سقراط وهيباس عن الجمال ما هو ؟ ويستطرد الحوار بينهما سؤالا وجوابا ، حتى يبلغ موضعا يدور فيه الكلام على الصورة الآتية :

هياس - لو كان ، يا سقراط ، كل ما يريده مني السائل عن معنى الجمال ، أن أدله على شيء يخلع الفتنة على كل الأشياء الفاتنة ، بحيث يبدو الجميل جميلا إذا ما أضيف إليه ذلك الشئ . فليس أيسر من الإجابة عن مثل هذا السؤال ، ولا بد أن يكون السائل في هذه الحالة غاية في السذاجة والفقر في ذوقه الفني ، لأنك إذا أجبته عن سؤاله يقولك : إن الجمال الذي يسال عنه ، إن هو إلا الذهب ، أخرسه الجواب ولم يستطع أن يقيم له اعتراضا ؛ لأننا جميعا - فيما أظن - متفقون على أن الشئ إذا طلى بالذهب . حتى وإن كان قبيحا قبل طلائه . فسيبدو جميلا بعد إضافة الذهب إليه .

سقراط - إنك لا تدري إلي أي حد تبلغ البدائية الجاهلية من صاحبنا السائل يا هيباس ؛ ولا تدري كم يتعذر عليك أن تقنعه

هيباس - وماذا يضيرك من أمثال هذا البدائي يا سقراط ؟ إنه إذا لم يرض بقوله الحق ، فسيكون هو أضحوكة الضاحكين .

* سقراط - لكنه مع ذلك سيكون أحد ما يكون الإنسان قبولا لمثل جوالك هذا ، وسيتناولني أنا بلاذع تهكمه . قائلا : هل أصاب رأسك مس من جنون حتى لنظن أن " فدياس " نحات رديء وعندئذ لابد لي من الاعتراف له بأني لا أظن مثل هذا الظن بفدياس .

هيباس - وستكون في اعترافك هذا على حق يا سقراط . سقراط - بالطبع ؟ ومع ذلك فإذا ما اعترفت له بأن فدياس فنان مجيد في فنه ، سيقول لي على الفور : " وهل تظن أن فدباس لم يكن على علم بمثل هذا الجمال الذي تحدثي الآن عنه ؟ " وعندئذ ساستفسره ما يريد بسؤاله هذا .

* وسيجيب قائلا : " لأن فدياس حين نحت تمثال " ألبنى " لم يجعل عينها من ذهب ، ولا جعل بقية وجهها من ذهب ، ولا جعل يديها وقدميها من ذهب ، إنما صنعها من عاج ، ألم يكن الذهب ) على رأيك ( ليزيدها جمالا ؟ ولا بد أن يكون خطؤه هذا في فنه راجعا إلى جهله بهذه الحقيقة التي

جئت تقررها لي اليوم ، وهي أن كل شئ جميل إنما يستمد جماله من الذهب ، - فبماذا ترد اعتراضه هذا يا هيباس ؟ .

هيباس - ليس في ذلك شئ من عسر ، سنقول إن فدياس كان على صواب فيما فعل ، لأن العاج أيضا جميل .

سقراط - لكنه سيعود إلى السؤال قائلا : " ولماذا صنع فدياس الحدقتين ) في تمثاله ( من الحجر ، فجاء الحجر والعاج على أتم ما يكون الانسجام ؟ أم هل تقول إن الحجر الجميل هو كذلك - كالذهب والعاج - شئ جميل ؟

هيباس - نعم إن الحجر حين يوضع في موضعه المناسب يكون جميلا ، ولا مندوحة لنا عن الاعتراف بجماله عندئذ

سقراط - وإذا سألني إن كان الحجر يبدو قبيحا لو وضع في غير موضعه الملائم ، فهل أوافقه أو لا أوافقه . هيباس - لابد لك من موافقته يا سقراط .

سقراط - عندئذ سيجيزني قائلا : إذا فخلاصة حكمتك هي أن العاج والذهب يخلعان على الأشياء جمالا على شرط أن يجيئا ملائمين ، أما إذا أضفت إلى الشئ عاجا أو ذهبا في غير ملاءمة فسيكون الشئ قبيحا برغم ما أضيف إليه من عاج أو ذهب ؟ " . . الخ

وأحسب القارئ علي أتم اتفاق مع هذه النتيجة التي انتهى إليها سقراط في هذا الجزء من محاورته مع زميله هيباس عن معنى الجمال ؛ إنه الملاءمة والتناسب ، مهما تكن المادة التي بين يديك ، فالذهب في الموضع الخطأ قبيح ، والحجر في الموضع الصواب جميل .

ليس الجميل جميلا ولا القبيح قبيحا في ذاته بغض النظر عما يحيط به من ظروف وملابسات ، فالشئ الواحد يكون جميلا هنا قبيحا هناك . لأنه هنا متفق متسق مع محيطه . وهو هناك متنافر نشاز ؛ وكثيرا ما يعاد تنظيم الأجزاء مع  بقائها على عددها بغير حذف أو إضافة ، فتصبح جميلة حد قبح ، أو قبيحة بعد جمال .

وما جمال الشعر أو النثر الفني ؟ إن هذا أو ذاك قوامه ألفاظ من القاموس ، لكنه الوضع الصحيح للفظة بالنسبة إلى ما يجاورها هو سر الجمال عبارة وتعبيرا ؛ والمشاعر نفسها قد تجمل أو تقبح بائتلافها أو اختلافها مع المحيط ؛ فالضاحك في مأتم قبيح كالباكي في عرس سواء

بسواء ؛ وهذا هو نفسه معني النشاز في أنغام الموسيقي ؛ فالنغمة نشاز مرذول بالنسبة لما حولها من نغمات ، وربما كانت هي نفسها نغمة جميلة في موضعها المناسب ؛ والقذارة مادة كأية مادة أخرى ، لكنها وضعت في غير موضعها الصحيح فأصبحت قذارة تشمئز منها النفوس ؛ وهكذا وهكذا من الأمثلة التي لا تنتهي ، مما يقطع بصواب هذه النتيجة في معني الجمال - وهي أن الشئ يستحيل الحكم عليه في ذاته بجمال أو بقبح مجردا عن موضعه بالنسبة إلى سائر الأشياء .

وبديهي أن هذه الحقيقة الواضحة تظل حقيقة في صغار الأمور وكبارها على السواء ! فليست الأنظمة السياسية والاجتماعية بالشئ الذي يوصف بالجمال أو بالقبح ، أو يوصف بالصواب أو بالخطأ ، مجردا عن الظروف التى يراد لتلك الأنظمة أن توضع في وسطها ؛ فإذا كان من الحكمة أن تعامل الطفل على أنه طفل وهو طفل ، فمن الحكمة كذلك أن تعامل الجاهل على أنه جاهل وهو جاهل ؟ أما إذا طالبت الطفل أن يسلك سلوك الرجال ، أو توقعت من الجاهل أن يتصرف تصرف العلماء ، فأنت ستطلب من الأشياء ضد طباعها ، وموقفك في كلتا الحالين خطأ قبيح .

إنني حتى هذه الساعة من حياتي ما أزال أعاني كلما عاودتني ذكري طفولتي حين كنت أتصرف كما يتصرف الأطفال بحكم طبائعهم المفطورة فيهم ، فإذا بالصفعات تأتيني من حيث أدري ولا أدري ؛ ذلك أن والدي رحمه الله كان يريدني رجلا في سلوكي وأنا بعد في الخامسة من عمري أو نحوها ؛ كان يعطيني المال ويطلب مني أن اشتري له كذا بكذا وأعيد له بقية ماله ، وكثيرا ما كنت أخطئ في وصف ما حدث فينزل بي العقاب السريع ، على الرغم من أني كنت أعود له ببقية ماله صحيحة كاملة - لا ؛ إنه لم يكفيه مني أن أذهب إلى الدكان كالآلة االصماء فأشتري كذا وأعود له بكذا ، بل لابد لي أن أبين له لماذا كان الحساب على نحو ما كان ؛ ولم يكن ذلك الحساب في مقدورى عندئذ ؛ وإذا فما أقبح - في رأيه - ألا اكون مثله في سرعة الحساب ودقته . وهيهات له أن يقتنع بأقوال الوسطاء بأن الطفل لا يطلب إليه ما يطلب إلى الرجال

ولست أدري لماذا  أحكم على أبي الآن بالخطأ ، ولا أحكم بهذا الخطأ نفسه على دولة تتولى أمور أمة في دور الطفولة . وتصر على أن تضع لها من الأنظمة السياسية والاجتماعية مالا يتسق إلا في أمة اكتمل نموها ونضجها ، فتكون النتيجة المحتومة أن تعجز الأمة الطفلة عن هضم الغذاء لأنه أكثر دسما مما تحتمله معدتها ، وينتهي بها الأمر إلى حال من الذبول والموت ، وقد أراد لها ولانها الحياة والنمو . ارادوا لها ذلك بنية حسنة طيبة ، لكن الطريق إلى الجحيم قد يكون مرصوفا بأطيب النبات .

لكننا أمة دستورها في الجمال هو طلاء الشئ بالذهب ، فحسب العين أن تقع من الشئ على ظاهر لامع يخطف البصر بريقه ، وليكن بعد ذلك من حقيقة الباطن ما يكون فما نزال نهتدى في كل أمورنا بالقول السائر بأن " الحزن الكبير خير من شماتة الأعداء - وليس يهمنا بعد ذلك في كثير أو قليل أن يكون ذلك الحزن الكبير مليئا بالعلال أو خاويا ينعي من بناء .

اشترك في نشرتنا البريدية