هناك ، على مبعدة ثانية من المدينة وصخبها ، وفي أحضان النخيل المتشابك المتعانق ، أقام هذا الفنان الشرود لنفسه دارا من الطين ، تراها بقبابها وسط الزر ع ؛ فيخيل إليك أنك دان من مهبط ولى من أولياء الله ، نفرت به قداسة روحه عن مطارح العمران ، وتدخل الدار فيزداد هذا المعنى شيوعا في نفسك ، منذ تنحنى راكعا تتدخلها من باب وطئ ، إلى أن تدور في قيعاتها القليلة البسيطة المترعة بالروح في كل شبر من أرضها وجدرانها وسقوفها . . ويودعك الفنان وزوجه الفنانة ، وكأنهما ملكان طاهران ، قد نظرا إليك نظرة الإشفاق ، أن تركت لهما ركنا معمورا بالروح والمعني ، لتعود إلى مدينة مزدحمة الأرض والهواء بكل ما تضيق له الصدور وتكتئب النفوس .
أغفل هذا الفنان الشرود النفور مدائننا وشوارعنا وبيوتنا وأسواقنا وموائدنا ومأكلنا ومشاربنا وأطعامنا ، ليعيش هو وزوجه في تلك العزلة النائية ، فينصرف إلي الطبيعة يستعد منها الحياة غزيرة دفاقة ؛ واسمع له يحدثك في هدوئه العجيب الأخاذ ، كيف تمتلئ الطبيعة في كل ركن من أركانها بما تهتز له النفوس الحية اليقظي فتنة وإعجابا ؛ ألا خسئت عينان تغضبان عن هذا الغصن ، وهذه الصخرة ، وتلك الصدفة ، وهانه الحشرة ؛ انظر إلى هذه الحشرة يوما ويوما وأياما ، تطالع فيها كل يوم جديدا من ترتيب وتنسيق ونظام وجمال وجلال ، سبحانك اللهم خالي الخلق .
وفي هذه اللفتات إلي ما يظنه الناس صغائر نوافه
وما يرى فيه الفنان موضعا للفتنة ومصدرا للسحر ؛ ثم فيما بين كائنات الطبيعة من وحدة وإخاء ، برغم ما يبدو فيها من تباين وخلاف ، يدور " حامد سعيد " بفكره وفنه ، وعلى هذا الأساس يقيم مدرسته ، وبهذا المبدأ يعلم حواريية
وأين عسى هذا الفنان المصري الصميم جسما وروحا ، أن يجد مصدر إلهمه ؟ عند أجداده القدماء ، عند المصريين الأوائل ، فتراء مع تلاميذه في المتحف المصري ينظرون ويتأملون ويستوعبون ، ليمتلئوا روحا ،
ثم يعودون إلي لوحاتهم ليصبوا ارواحهم المترعة آيات من الفن الجميل .
وشعار هذه الجماعة هو تمثال " حتحور ؛ انظر إليه ، كيف اتحد فيه الإنسان بالحيوان والطبيعة ؛ هذا إنسان واقف تحت عنق البقرة وكأنه جزء منها ، وهذه بقرة لها قرنا ثور ليمحي عندك كل تفريق بين ذكور الطبيعة وإناثها ، ثم هذه هي الشمس قد استقرت بين القرنين في انساق وانسجام ؟ بهذه العين ينظر الفنان وتلاميذه إلى
الأشياء ، فيرون الطبيعة كلا واحد لا تجزئة فيه ، وهذا الكل مائل في كل جزء كاثنا ما كان ؟ ففي هذا الغصن الجاف روح الطبيعة كلها .
وفي هذه الصدفة الخاوية سر الكون كله انظر إلى هذه الصدفة الخاوية التي قد تصادفك ملقاة على رمل الشاطئ فلا تعيرها النفاتا ؛ تأمل أي ركن شئت من أركانها . تر فيه الثنايا والخطوط والتعاريج على انساق كأنه أنغام اللحن المنسجم ؟ ثم اجمع هذه الألحان بعضها إلي بعض ، تجد في الصدفة الخاوية الملقاة على رمل الشاطئ بناء موسيقيا كاملا ، قد يشغلك التفكير فيه ، وتتبع أجزائه وبنائها وانساقها . يوما وأياما ؛ وذلك هي الطبيعة العامرة .
أو انظر إلي جذع هذه الشجرة . التي قد تتقيأ ظلها وانت لا تدري ما هي ؛ انظر إلي هذه الأجزاء المتأخية فيه . كأنما قد تعاقد كل منها مع أخيه على أن يكون له مؤازرا وظهيرا .
زرت حامد سعيد في داره النائية ، وزرت المعرض الذي أقامه
لرسوم تلاميذه في متحف الفن الحديث ؛ فعرفت معني جديدا لأشياء كنت قرأتها ، وكنت ظننت أني فهمت معناها ١ ! فقد كنت قرأت فيما قرأت ، هذه الفقرة الآتية في " يوبانشاد " - الكتاب الهندي المقدس - التي عبر بها الهنود عن عقيدتهم في وحدة الوجود ، وفي أن الكائنات كلها تعبير عن إله واحد قهار ، فاضيئت لي اليوم بضوء جديد :
" لم يشعر بغبطة باديء ذي بدء لأن واحدا وحده
لا يشعر بغبطة ، فتطلب ثانيا ، وكان في الحق ذا حجم كبير ، حتي ليعدل جسمه رجلا وامرأة تعانقا ثم شاء لهذه الذات الواحدة أن تنشئ نصفين ، فنشأ من ثم زوج وزوجة ، وهكذا تكون النفس الواحدة كقطعة مبتورة . .
وهذا الفراغ تملؤ الزوجة ؛ وضاجع زوجته وبهذا انسل البشر ، وسألت نفسها الزوجة قائلة : " كيف استطاع مضاجعتي بعد أن أخرجني من نفسه ، فلأختف " واختفت في صورة البقرة ، فانقلب هو ثورا ، وزاوجها حقنا ؛ وكان بازدواجهما
أن توتمت الماشية ؛ فاتخذت نفسها هيئة الفرس ، واتخذ لنفسه عيشة الجواد ؟ ثم أصبحت هي أناتا ، فأصبح هو حمارا ، وزاوجها ، وولدت لها ذوات الحافر ، وانقلبت عنزة ، فانقلب لها تيسا ، وانقلبت نعجة ، فانقلب لها كبشا ، وزاوجها حقا ، وولدت لهما الماعز
والخراف ، وهكذا حقا كان خالق كل شئ مهما تنوعت الذكور والاناث ، حتى تبلغ في التدرج أسفله إلى حيث النمال ؛ وقد أدرك هو حقيقة الأمر ، قائلا : حقا أني أنا هذا الخلق نفسه ، لأني أخرجته من نفسي . وهكذا نشأ الخلق " .
ولكن " حامد سعيد " لم يقف عند الحيوان وحده في تصوره لوحدة الوجود . فأضاف إليه النبات والمحار والحجر ! نعم ، فهمت معني جديدا لوحدة الوجود بعد زبارتي لهذا الفنان العجيب ، وامنت بصدق ما قاله القديس برثار : " إن ما تعلمته من العلوم الدينية ومن الكتاب المقدس ، قد عرفته من الغابات والحقول ؛ فليس لي من معلم سوي أشجار الزان والبلوط . . إن الشجر والحجر ، يعلمانك أكثر مما تتعلمه من شفتي الحكيم " .
ليس من عجب بعد هذا كله ، أن ينقل حامد سعيد رسومه ورسوم تلاميذه يعرضها في لندن ، فيكتب فيها " هربرت ريد ، - وهو في انجلترا إمام في عالم الفنون - ما يلى :
" . لما طلب إلي منذ أسابيع أن اري نتاج طائفة من الفنانين المصريين . . ذهبت لا يحدوني شئ من رجاء عظيم ؛ فما أكثر ما خاب رجائي فيما مضي ، وأنا الناقد الفني في مثل هذه السن وهذه الخبرة . . فآخر
ما كنت اتوقعه أن أري أصالة حقيقية . . لكنني ماكدت أبصر رسمين أو ثلاثة من رسوم الفنانين المتصلين بحامد سعيد ، حتى أدركت أني إنما أري فنا أقل ما يقال فيه أنه لا ينساق وراء الأساليب الجارية ، فهو فن فيه من صدق الفنان ما يلزمك إلزاما أن تقف له معترفا به ؟ وليست كلمة " الصدق " بالكلمة التي تجري هذه الأيام على اللسان إذا ما أردت وصفا لشئ مما ينتجه الفن السائد ؟ لكنها أول كلمة ترد على ذهني وأنا مائل أمام رسوم بلغت مدى
بعيدا من الإخلاص - لا أقول إخلاص الفنان للطبيعة نفسها ، بل إخلاصه في إخراج مواقع الطبيعة من نفسه
. وإنما سر الاصالة في هذه الرسوم ، وما يخلع عليها هذه القوة التي تفردت بها ، هو الفلسفة الكامنة وراءها . . "
ولو قد زار الناقد العظيم " هربرت ريد " حامدا في بيته الذي نأي به عن العمران المدني ليزداد قربا من أحضان الطبيعة لأضاف إلي قوله ذاك عبارة أخري ، هي :
وسر الإصالة في هذا الفنان العجيب ، وما أضفي عليه روحا عجيبا تفرد به ، هو الفلسفة الكامنة وراء حياته التي يحياها .

