الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح, شبكة الصياد

Share

صبت صديقتي الشاي في قدحي ، فتناولته ساهما ساكتا ، وأخذت أتحساه على مهل ، وكأنما بدا على وجهي ساعتئذ شرود الفكر ، فسألتني :

قالت : ماذا دهاك ؟ .

قلت : إنه اليوم الأول من شهر فبراير ، إنه يوم مولدي .

قالت : إذا فهو يوم تفرح فيه ، فمالي أراك قد بترت حبل الحديث وأخذك الوجوم ؟ .

قلت : لا ، ليس مابي من وجوم ، إنما هي خلقة طبعها الله على وجهي ، فأبدو واجما ولست بواجم .

قالت : لكنك شطحت بفكرك في السحاب . .

قلت : بل سرحت به دبيبا علي هذه الأرض ؛ كررت به راجعا عشرين عاما ، إلى العام الذي أتمممت فيه دراستى العالية ، واستعرضت في مثل اللمح بالبصر كل ما كان ، وكنت قد بدأت أحاسب نفسي

قالت : أعد لي ما دار في رأسك ، لأبدأ معك حسابك لنفسك .

قلت : كان البحر مضطربا مائجا ، وكانت السماء مكفهرة دكناء ، حين خرجت بشبكتي اقصد الصيد ، وكان معي فريق من الزملاء حملوا شباكهم على أكتافهم ، إذ كانوا كذلك إلي الصيد يقصدون .

خرج الصيادون جماعة واحدة ، يحملون شباكهم ، كل قد حبك الشبكه حبكا يتفق مع وجهة نظره فيما يراه أنفع في الحياة وأجدى ، وكل لا يكاد يدري شيئا عن شبكة زميلة ؟ فكان الصيادون في جملتهم يعتقدون أن الشباك قد تقاربت نسجا وحبكا ، فإن اختلفت عيونها سعة وضيقا ، وإن تباينت خيوطها شدة وضعفا ، فاختلافها - في رأيهم - يسير على كل حال ، لن يؤدي إلى تفاوت كبير فيما يصيدون ، لذلك لم يكن بينهم يومئذ حسد ولا حقد ، ولم تدب في

نفوسهم يومئذ شحناء أو بغضاء ؛ حتى لقد ذهب بهم الوهم الجميل إلى الإيمان بأنهم سيظلون أحبابا اصحابا ، فقد أخرجتهم إلى الصيد قرية واحدة ، وأسكنتهم تلك القرية منازل متجاورة متقاربة .

اقلعت الزوارق بجماعة الصيادين من مكان واحد عند الشاطئ ، ثم أخذ الموج المضطرب الهائج يباعد بينها ، فهذا زورق يمضي قدما في خط مستقيم ، وذلك زورق ينحرف ذات اليسار ، وثالث يتجه إلى اليمين . ورابع لم يكد يسبح قليلا حتى ارتطم بالصخر ووقف حيث كان .

وها أنذا يا صديقتي أصور لنفسي جماعتنا وقد عادت إلي الشاطئ بعد رحلة الصيد .

قالت : فماذا رأيت ؟ .

قلت : هالتني الفوارق بين صيد وصيد .

هذا صياد قد أخرج من شبكته سمكة واحدة كبيرة ضخمة جبارة ، لم يكد يراها الزملاء حتى خجلوا من صيدهم الهزيل

وسألناه جميعا بصوت المشدوه المبهوت : كيف كان ذلك ؟ فقال : حبكت شبكتي منذ البداية علي هذا الأساس ، فجعلت عيونها قليلة لكنها وسعة ، وكنت أعلم منذ البداية أني مغامر مخاطر مقامر ، فإما عدت بغير صيد على الإطلاق ، أو عدت بمثل هذا الصيد السمين ؛ ذلك أن معظم السمك في البحر - كما تعلمون - متوسط الأحجام أو صغيرها ، وشبكتى هذه عيونها أوسع من أن تمسك بمتوسط أو صغير .

فقال له زميل وهو يبلع ريقه الذي جف في حلقه غيرة وحيرة : لقد ركنت إلى الحظ فواتاك ! فاجابه الصياد الناجح ضاحكا مزهوا بنجاحه : ليس الأمر كله حظا مواتيا . يا صاحبي لا يحملنك الفشل على غمط الناس حقوقهم ؛ إنني حين حبكت شبكتى على نحو ما حبكتها ، كنت أصدر عن

روية وتفكير وإرادة وتدبير ؛ ثم جاء أوان الصيد فتخيرت الموضع الذي ألقي فيه بشبكتي ، وليس التخير الصحيح من قبيل الحظ المواتي والصدفة العمياء . ثم قد كان من الجائز أن أحبك عيون الشبكة على نحو ما فعلت ، وان ألقي بها حيث ألقيت ، فلا تصادفني السمكة الكبيرة التي رجوت : لكن الحياة السليمة الصحيحة القوية هي في التعرض لمثل هذا الخطر ، فهو تعرض للخطر قائم على حسن الروية لا على الطيش والجنون ، ثم هو تعرض للخطر يحدوه الأمل .

وكان طبيعيا أن تلتفت أنظارنا إلي شبكة الزميل المعترض فإذا هي مليئة بالسمك الصغير ؛ إن صيده كثير غزير ، ومع ذلك فقد أفرغ شبكته خجلا ، ونظرنا إليه في أبتسامة الساخرين !! فاعجب لكثرة تبعث على السخرية وتدعو إلي الخجل !! لقد رسم هذا الصياد خطة صيده على أساس الحذر الشديد والحرص الشديد ، فأعد لنفسه شبكه ضيقة العيون لا تفلت منها سمكة شاردة أو واردة من صغار السمك ، لكن كبار الأسماك وأوساطها ليست من نصيبه . إن السمك الصغير موجود في كل موضع من البحر ، فأينما ألقيت بالشبكة الضيقة العيون جاءتك منه بعدد كبير ، وأهم ما كان يهتم له هذا الزميل الصياد ، حين بدأنا رحلة الصيد ، ألا يعود من الرحلة صفر اليدين ؛ إنه أراد حصادا مؤكدا ، فكان لابد له أن يستغني عن أوساط السمك وكبارها . .

لا ، فإني أذكر الآن صديقا ثالثا ، كان أكثر من ذلك عناية وأشد حرصا ، فقد استوقف صيده أنظارنا بأنه خليط من متوسط وصغير ، وسأله سائل كيف كان ذلك ؟ فأجابه بانه قد تحوط للأمر فحمل معه شبكتين ، ووقف في زورقة ممسكا إحداهما بيمناه ، والأخرى بيسراه ؛ وعاد بما عاد به من صيد يستوقف الأنظار . لكنه مع ذلك يدعو إلى الإشفاق على صاحبه ؛ لأن المسكين قد أ أجهد نفسه إجهادا أضناه وأشقاه ، حتى ليكاد ينظر إلي صيده نظرة المتحسر الذي محس أنه قد صاد الصيد لسواه . .

قالت صديقتي : إنك لم تذكر شيئا عن صيدك أنت فمالي الآن ولصيد زملائك ؟ إن اليوم يوم ميلادك ، وقد حلا لك أن تشطح عني بفكرك إلى ماضيك تستعيده . لتنصب لنفسك ميزان الحساب .

قلت : كانت عيون شبكتي أقرب إلي الضيق منها إلى المتوسط أو السعة فأمسكت بسمكات قلائل ، كلها أقرب إلى الصغر منها إلى التوسط فضلا عن الكبر والضخامة . قالت : أفهم أن تجيء أحجام السمك في صيدك أقرب إلى الضآلة منها إلى التوسط أو الكبر ، لكي لا أفهم أن تكون سمكاتك قلائل ، فما شأن الشبكة وعيونها بكثرة السمك أو قلته ؟

قلت : ها هنا ياصديقتي يقع الخطأ الأكبر في رحلة صيدى ، فقد أخطأت الحساب وألقيت الشبكة في غير موضع الغزارة والدسم ، فجعلت أطرحها وأجذبها ، ثم أطرحها وأجذبها ، مرة بعد مرة ، ولا أظفر في كل مرة بأكثر من سمكة أو سمكتين .

قالت : ولماذا لم تتحول عن ذلك الوضع إلي سواه ؟

قلت : إنه يا صديقتي أمر عجب ، أن يدرك الإنسان مدى إخفاقه في موضعه ، ثم يستحيل عليه أن يتحول عنه إلى غيره ، كأنما قد أصابه الشلل فلا يقوى على الحركة ، وأعجب من ذلك أني إلى اليوم لا اقصد إلا إلى ذلك المورد من البحر كلما أردت صيدا ! أطرح الشبكة نفسها في المكان نفسه وأعود بمثل ما عدت به من الصيد في كل مرة ،

لكني فيما مضي كنت ألقي التبعة على الحظ الأنكد كأنما هذا الحظ رجل من لحم ودم يضطرب معنا في سبل الحياة ، فيعين هذا ويعرقل الطريق لذاك ؛ فلما كبرت وازددت خبرة ودقة ، أدركت أن تبعة السيد الهزيل واقعة لا محالة على الصياد ، فالشبكة من نسج يديه ، وموضع الصيد من اختياره ؛ إن هذا " الحظ " المسكين الذي نلطخه بأوحالنا ، ونفرغ على رأسه قمامتنا ، مظلوم مغبون ، إنه بريء إلا بمقدار ضئيل جدا مما يصيبنا . ليتني أعرف أين يسكن هذا الذي ظلمه الناس وقسوا عليه ، لأبعث إليه بقطعة من الحلوي اليوم - يوم ميلادي - تكفيرا عما القيته في فمه من حنظل مر في سالف الأعوام

ثم ابتسمت لصديقتي وسألتها : ترى أين يكون موضعك أنت من هذه الأنواع المختلفة من الشباك والصيد ؟

فقالت ضاحكة : نحن النساء لنا شباك أخري وصيد آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية