الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 620الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح, صومعة خاوية

Share

شغلي ) أحدب الحياة طول الليل - ذلك الرجل المحبب المكتئب العابس الذي يحمل عب ، حيا ، فنيا بارزا على ظهره . شغلني طول الليل ، يملا احلامي إذا ما غفوت ، وتتمثل صورته أمام عيني إذا ما صحوت ؛ وما زلت طول ليلى بين غفوة وصحو حتى كان الصباح .

تري لماذا يحمل هذا المسكين حياته كالدمل الكبير فوق ظهره أيكون ذلك لأنه ركز انتباهه فيها فوضحت له عندتها وبرز سخفها ولو قد تغافل عنها كما يفعل سائر الناس لسرت في دمه وخفيت عن بصره  أيجوز ، كما تكرر لفظة وتركز سمعك في جرسها ، فسرعان ما تعجب لصوتها السخيف يكون بين الناس ذا دلالة ومعني ؛ كرر - مثلا - كلمة إمبراطور عدة مرات : إمبراطور إمبراطور ، إمبراطور مبرا ، طورمبرا ، طورمبرا . طورمبراطور صوت عجيب منكر ، ظهر نكره وشذوذه بتركيز السمع فيه ؛ وكان يمكن ألا نقف عنده هذه الوقفة الفاحصة ، فيظل له في النفس جلال وهيبة .

كذلك صاحبنا " أحدب الحياة ، ربما كان الفرق بينه وبين سائر الناس أنه قد أنعم النظر في معني الحياة . فانتهي به النظر إلي أنها أنفاس طائرة واهية من هواء . تتردد في صدره شهيقا وزفيرا ، لا شئ أكثر من ذلك ؟ وهو ذلك في عجب كيف يمكن أن يشد وثاقه إلي الأرض بخيوط هي أوهن من خيوط العنكبوت .

وأحسست برغبة قوية في نفس أن ألقي هذا الرجل لقاء آخر ، فقصدت إلى المكان المهجور الهادئ الذي لقيته

فيه أول مرة ، ووقفت أرقب من بعيد ، حتى رأيته يسري في غير صوت بين الظلال كأنه الشبح ؟ إنك لا تخطئه من بعيد ، فالحمل الذي على كتفيه يميزه . وله مشية خاصة يتأرجح فيها الجذع وتلتف الساقان .

وقفت في مكاني حتى رأيته يستقر في موضعه من الجدار الذي لم يتم بناؤه ، صعد إليه على كومة وطيئة من هشيم الصخر ، ومسح جبهته بمنديل ، ومال مرتكزا على ذراعه اليسري فدنوت منه .

قلت : السماء الليلة اكثر غماما ، والدنيا أشد ظلاما من ليلة الأمس ، برغم القمر .

قال : ولم يرتع لرؤيتي - وماذا يصنع القمر في الدنيا إذا اسودت بظلامها وغمامها ؟ إن من أراد الضوء فضيا رائما خالصا من شوائب الظلفة ، فليرتفع عن الأرض وغلافها حتى يحمل العمام من دونه . وعندئذ لا يكون ظلام . . لكن الإنسان مقدود إلي الأرض بأحمال وأتقال . أستغفر الحق ، بل مشدود إليها بهذه الخيوط الواهبة ، ينفخات من هواء ، وإذا فلا رجاء له في ضوء أكثر مما قد ينسب له خلال فتحات السحاب . . العجيب في هذه الدنيا أنها بيع وشراء ، لا بد أن تدفع لكل شئ ثمنه ! أتريد أن تمتد بك الحياة ؟ إذا خذ هئة من الهواء على شرط أن ترد مكانها هبة مثلها ؛ أتريد أن خلص من ظلام الأرض ليصفو لك الضوء ؟ إذا فاصعد إلى قمة هذا الجبل العالي حتي تجاوز السحاب ، عندئذ نجد الضوء الساطع ، لكنك ستجد كذلك برودة التفح . .

قلت : وماذا يشقيك من غمام السماء وظلمة الليل ؟ انظر إلى الدنيا بعين الفنان تر السماء الغائمة في مثل جمال السماء المقمرة ؛ ألا يكون ظلام الليل أحيانا أشد فتنة من ضوء النهار ؟ سل العاشقين يجيبوك أيهما أفعل في النفس سحرا : الليل الوسنان في ستره ، أم النهار اليقظان في نشاطه وصحوه ؟ سل العابدين متي تصفو لهم قلوبهم للعبادة ؟ سل المفكرين متى تهدأ لهم عقولهم للفكر ؟ سل المجان متي يطيب المجون ؟ سل المتآمرين لماذا يدبرون الأمر بينهم بليل لماذا لا تلتمس يا أخي في كل شئ وجهه الجميل ؟ إن الذي ينقصك هو الخيال

قال : الخيال الذي أهرب به من الواقع قلت : ليكن ذلك ولماذا تستعبد نفسك للواقع إذا أمكن العيش الهاني في جو من الخيال ؟ أتدري ماذا تكون المرأة الجميلة في " الواقع " إنها كيس من الجلد محشو بالفذر والبلغم ومختلف السوائل والغضاريف أتدري ماذا تكون الصورة الجميلة في " الواقع " إنها خرقة من قماش ، صب عليها خليط من الأحمر والأصفر والأخضر وما شاء الله من ألوان ؛ واهصر الوردة الجميلة لنري ماذا عاها في " الواقع " أن تكون بين إصبعيك ؟ . . إن الذي ينقصك - كما قلت - هو الخيال الذي يجعل لك من المرأة شيئا جميلا ، ومن الصورة شيئا جميلا ، ومن الوردة شيئا جميلا ، ومن غمام السماء شيئا جميلا ، ومن ظلمة الليل شيئا جميلا ١ لماذا تنظر إلي الأرض كما تفعل الديدان ولا تشخص إلي السماء كما تصنع الآلهة ؛

لست أدري لماذا أخذني الاهتمام بهذا " الأحدب " فامتلأت حرارة وأنا ابادلة الحديث ؛ لقد أوحى إلي عندئذ أن هذا " الأحدب " عليل النفس ، مريض القلب ، كليل الحياة ، وأن الواجب الخلقي يقتضيني أن أقوم فيه ما اعوج إذا استطعت إلي تقويمه من سبيل ؛ إنه عابس ولا بد أن يبتسم ، بائس ولا بد أن ينبسط أمامه الأمل ، كافر

ولا بد أن يؤمن ، أعماء " الواقع " ولا بد له أن يبصر حين الخيال .

وضاق الأحدب صدرا بحديثي فيما يظهر ، وأخذ يعتدل في جلسته مرة ويميل على هذه الذراع أو تلك مرة ، ويشيح بوجهه عني . كأنه يريد أن يصم الأذن عما أقول ؛ لكني لم أعد أنظر إلى موقفي منه نظرة التسلية والعبث ، فلا أفل من أن أستطلع بعض سره وأستخرج شيئا من مكنون نفسه . وسادت فترة قصيرة من سكون ، فنزل عن مكانه من الجدار ، وقال في صوت فيه افتعال وتصنع : - أنا مضطر أن أعود ، وسينقطع بعودتي هذا الحديث الجميل .

قلت : الأرجح أن طريقنا واحد ولو إلى حين . ولعله لم يطب نفسا لهذه الصحبة الثقيلة في طريق عودته . لكني تجاهلت ما يريده لنفسه من عزلة الطريق ، وسرت إلي جانبه ؟ سرنا بخطوات بطيئة خفيفة ، لكن وقع أقدامنا على حصاء الرمل ومنثور الحجر ، كان له رنين في ذلك الركن الهادئ البعيد .

قلت : نعم إن الذي ينقصك هو الخيال ، ينقصك مثل أعلي تعمل من أجله فينسيك الهدف مشاهد الطريق .

قال - وقد ازداد تثاقلا في خطاه - أصابني مرض الخيال وعلة المثل الأعلي منذ خمسة وعشرين عاما ، ولبثت آثار المرض تتراكم حتى كان هذا البروز الذي تراء شاعها فوق كاهلي .

قلت لنفسي عندئذ ، دع عنك الواقع والتمس لنفسك سلما في دنيا الخيال تصعد علي درجاته إلى أجواز القضاء ؛ فصحبة الأصدقاء ، واقع فلا تأبه لها ، والمرأة واقع فلا تلق بالك إليها ، والطعام والشراب واقع فلا تحتفل بطعام أو شراب ؛ هذا الذي حولك كله واقع فاخرج من نطاقه وهناك في صومعة وقعت عليها في جوف الجبل ، آثرت الكفاح في سبيل الخيال

ولبثت الصومعة يعمرها خيالي عاما في إثر عام ، وعقدا من السنين بعد عقد من السنين . لم تكن الصومعة خالية في بصري وسمعي ، كنت أري فيها الخيال مجسما حتى لانسي أنه من خلق أوهامي ، وأحدثه وأسمع لحديثه وأنمقه ويبتسم في وجهي ؛ وظللت في صومعتي اعبد آلهة خيالي ، لا اشهد نور الشمس ولا أريد ان اشهده ؛ ولا ارتد إلى دنيا الناس والعمران ولا أريد أن أرتد إليها ؛ ولا استنشق الهواء الطلق النقي ولا أريد أن استنشقه . كنت على نقيض فاوست :

فقد اتفق الشيطان مع فاوست أن يمهله ردحا من الزمن ، يعمل فيه فاوست ما يشاء ، على شرط أن يأتيه الشيطان بعد ذلك فيتقاضى أجر إمهاله ، وليس أجره بأقل من روح فاوست . وكان فاوست عند أول اتفاقه مع الشيطان يظن أنه الكاسب في هذه الصفقة ؛ فماذا يهمه من نفسه إذا ما ترك له الحبل على القارب عشرين سنة أو ثلاثين ؛ لكن السنين انقضت ، وصبر الشيطان جميل طويل لا ينفذ ، وجاء الشيطان ليستل من فاوست حياته . وعندئذ فقط أدرك فاوست أنه خسر في اتفاقه مع الشيطان خسرانا مبينا . كف يبيع نفسه وحياته يعشرين عاما أو ثلاثين مهما يكن ما يملأ هذه الأعوام ؟

وأما موقفي من شيطاني فعلي نقيض ذلك عقدت معه اتفاقا أن أبيعه حياتي ردحا من الزمن ، على أن يردها لى بعد ذلك خصبة مليئة قوية ؛ وذهبت إلى صومعتى تلك لا أعرف فيها الحياة ولا أخالط الأحياء . أعلل النفس طوال السنين بأن حياتي السلبية مردودة إلي بعد حين ، بعد أن تكون كل حبة فيها قد أنبتت مائة سنبلة ، وفي كل سنبلة مائة حبة .

فلما انقضي علي غريق بني عهد طويل طلبت من الشيطان أن يفي بوعده كما وفيت له بعهدي . وفعل ، فإذا ما يعطينه نفحات من هواء ، هي هذه الانفاس ارددها في صدري

شهيقا وزفيرا ، ثم لا شئ غير ذاك . وضحك مني الشيطان ضحكة قوية حسبت الأرض ترتج لها تحت قدمي ، فابتسمت ابتسامة من زالت عنه غشاوة الخيال لأول مرة ، وأبصر بحقيقة الواقع لأول مرة . وقلت : أستريح إذا بعد هذا العناء الطويل . إن الصومعة التي عمرها لي الخيال قد باتت خالية خاوية إلا من اصداء أنفاسي . .

لكن مضجعي لم يستقم تحت ظهري حين أردت الراحة ، لأن عهد الصومعة قد خلف لي هذا الورم الآليم ، الذي تراه بارزا عند كتفي ، نسجته لي الأعوام طبقة فوق طبقة ، كما يفعل مر الأعوام في جذوع الشجر .

وكنا قد بلغنا العمران ، وأراد " الأحدب " أن ينصرف إلى سبيله ، فقلت له : إن لي معك حديثا آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية