الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 671الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح, عالم قلق

Share

تري هل شهد التاريخ كله فترة اشتد فيها القلق كما يشتد في هذه الفترة التي يجتازها العالم اليوم ؟ لست أدري ، فليس يعيش الآن على وجه الأرض إنسان واحد قرير العين مطمئن النفس هادئ البال .

إنها فترة كفاح وجهاد وحرب وقتال فالشعوب الغاوية تحاول أن تقف على اقدامها ، والشعوب الغالية تريد الثبات في مواقفها ، والدول القوية بعضها مع بعض تصطرع ابتغاء السلطان والسيادة . . والغالب والمغلوب والسيد والمسود جميعا قد ضاقت نفوسهم ، وا كفهرت الدنيا من حولهم ، فاشتدت بهم الرغبة في شيء يؤمنون به أي شئ كائن ما كان ؛ لذلك كثرت بيننا المذاهب الفكرية . والمعتقدات السياسية ، كثرة لا نحسب أن قد سبق لها نظير في عصور التاريخ الماضية .

فقد يحس الفرد منا إزاء ما شمل العالم من قلق واضطراب أنه لا ينبغي له أن على أمام مسرح الحوادث رائيا سامعا لا يعمل شيئا ، وأن نفسه لا تستريح وضميره لن  يرضى إلا إذا قام بنصيب - مهما يكن ضئيلا - في إعادة البناء المنهار ؛ لكنه إذا ما هم بالعمل أدرك من فوره أنه لا بد

من جماعة ينضم إليها ، لأن مجهود الفرد الواحد هباء لا تغني ولا تسمن . ولا يبعد أن يقع على أقرب جماعة منه دون أن يفكر طويلا في هل تعمل هذه الجماعة التي ينضم إليها في سبيل ما ينشده هو لنفسه ولسائر الناس ، أم أنها تعمل في طريق يعكس له أهدافه المنشوده لكنه قلق يريد ان يعمل شيئا وحسبه ذاك ، لان النار قد أوشكت أن تأتي علي الحياة كلها ، أخضرها ويابسها علي السواء ؛ فكثرت الأحزاب والهيئات والجماعات في انحاء العالم ، كثرة - كما أسلفت - متقطعة النظير .

إن النفوس القلقة تدفع أصحابها إلى العمل ، تدفعهم إلي العمل السريع ، فتراهم يغذون السير ويحثون الخطي . لأن السير للتمهل لا يكفي ، والخطو البطئ مضيعة للفرص ؛ ولذلك امتلأت اركان الدنيا بالنظريات المتطرفة والمشروعات الجريئة ، والانقلابات السريعة . قل ذلك في الأمم وفي الأفراد على السواء ؛ إن الربح البطئ المطرد الثابت لم يعد يرضى النفوس المتعطشة العجل . انظر إلى عالم التجارة والاعمال تجد ألوفا من الناس ينزلقون على السفوح المثلوجة انزلاقا سريعا ، إنهم لا يقنعون بالخطوات الوئيدة على

الأرض الصلبة الثابتة ؛ فالحياة قصيرة المدى والجو مكهرب من حولهم ، ففيم الوقوف والتمهل والانتظار ؟ إن السلامة لم تعد في التأني ؛ فإلى الغاية المنشودة انزلاقا ، ولئن سقط في المعمعان رجل فالى جانبه ألف رجل بالغون المدى .

إن العالم اليوم في لهفة عجية يكتنفه الظلام . فينشد الضوء مهما يكن مصدره ؛ فلكل سائح أتباع أيا ما كانت صيحته ، ولكل داع مستجيبون مهما تكن دعوته ؛ لقد تقسمت الدعوات الكثيرة سكان الأرض بصفة عامة ، وأهل  أوربا المعاصرة لنا اليوم بصفة خاصة ، فيها الآن مائة مذهب ومذهب ؛ هذا داع يدعو إلى الرجوع إلى حظيرة الدين فيستمع إلي دعوته فريق ، وذلك داع يدعو إلى طرح الإيمان الساذج والاستمساك بالعقل وحده فيستمع إليه فريق آخر ، وذلك ثالث يهيب بالناس أن عودوا إلى غرائزكم فأشبعوها ، لان الحياة الطبيعة هي أسلم الحياة . فيستحب له فريق ثالث ؛ ثم هذه ديمقراطية وتلك اشتراكية ، وهذه شيوعية وتلك دكتاتورية عسكرية ، وهلم جرا . ذلك كله لأن الناس قد ضاقوا ذرعا بما هم فيه . ويريدون التغيير - أي تغيير .

وكان مما زاد مرارة طعم الحياة في أفواه الناس ، أنهم فتحو اعينهم على الواقع ، بعد أن كانت أعينهم مغمضة لسبب أو لآخر ؛ أقول لسبب أو لآخر ، لأن السبب لم يكن واحدا بالنسبة للناس أجمعين ؛ إذ كان العالم حتى عهد قريب ينقسم قسمين رئيسيين ؛ فإما اغنياء قد طفحت بيوتهم باسباب النعمة والرخاء ، وإما فقراء يكدحون في سبيل لقمة العيش وخرقة الثياب ؛ فأما الأغنياء فقد ألهاهم التكاثر واعماهم الغنى فلم يروا من الحياة الإ مطاعم تفوح وصالونات تتألق ؛ وأما الفقراء فقد اضاقهم الكدح المتصل من التفكير في أنفسهم أو في غير أنفسهم ، فالدنيا كلها في أعينهم فأس تضرب الأرض بياض النهار ، وكوخ معتم سواد الليل ؛ ومن ثم استقرت الحياة بهؤلاء وأولئك ، وبدا عليهم الرضي ؟ أما اليوم ، فمعظم الناس في أغلب انحاء الدنيا - طبقة متوسطة . ليس لديها الثراء الذي يلهي ويعمى ، ولا الفقر الذي يهلك ويحطم ؛ فوقفوا بين بين، يعملون ساعة وينظرون إلى ما حولهم ساعة ، فتفتحت عيونهم على الواقع كما هو . فإذا

الواقع علقم وحنظل ، وإذا الضرورة الملحه تقضي بتغيير ذلك الواقع المرير في أسرع وقت مستطاع . . فنشات بذلك عند الناس لهفة نحو انقلاب الاوضاع ، ومن ثم كثرت الأحزاب والجماعات ، وتنوعت الآراء والمذاهب .

الا تسمعهم يصفون لك هذا العصر بانه عصر السرعة ؟ انها ليست سرعة القطارات والطائرات وكفى . بل هي السرعة التى انتابت النفوس في لهفتها على تغيير حالها ؛ ولذلك تراء عصرا يتميز بكثرة المعايير الخلقية والجمالية ، إنه لا يستقر على معيار واحد يرضي الناس جميعا ، لأنه عصر قلق وتغيير ! فهذا يأخذ بمعيار جديد ، وذلك يظل متمسكا بمعيار قديم وثالث يأخذ بالقديم تارة وبالجديد طورا وكلهم مخلص فما يأخذ به ، فهم جميعا متفقون على شيء واحد ، هو ضرورة تغيير الاوضاع الراهنة لأنها لا ترضي أحدا .

إننا نعيش في عالم قلق . يفزع أهله أن تضيع من وقتهم لحظة سدى ، لأنهم مسرعون ، متلهفون ، يغذون السير ويحثون الخطي وكان حتما أن يساير التفكير هذه السرعة ويماشيها ؛ فلم يعد الوقت يتسع عند الكثيرين لقصة طويلة يكتبها لهم أديب هادئ الفكر طويل البال ؛ لأن الأمر لم يعد تسلية ولهوا ، بل هو جسدا وعزم وصرامه ؟ وإذا فأجدى على أصحاب الفكر أن يتجهوا بفكرهم نحو شيء آخر غير الأدب الذي خلق للفراغ والمتعة ؛ فإن كان حتما أن يكتب لنا أديب ، فلتكن كتابته أقصوصة قصيرة الترام أو القطار ؛ فإن أطال فليتجه بإنتاجه نحو السينما ، لنري قصته ساعة استرخاء ، بأقل مجهود تمكن . . لكن الله قد أراد لنفر من الناس أن يكونوا ادباء على رغم هذا الصراع كله وهذه العجلة كلها ؛ فماذا عساهم يكتبون ليرضوا أنفسهم إن العالم من حولهم قلق مضطرب فوار ؛ فإما أن يندفعوا في تيار الحوادث الدافق . فيكونوا من رجال الصحافة لامن رجال الأدب بمعناه الصحيح ، وإما أن يلتمسوا مرحلة أخري من مراحل حياتهم كانت أنعم روحا وأهدا محيطا ؛ فلا عجب إذا - أن نسمع أن كثيرين من أدباء أوروبا اليوم قد انصرفوا نحو ماضهم يؤرخونه ويسجلونه لأنهم يجدون في ذلك الماضي حياة مستقرة هادئة بعض الشيء تصلح للتصوير الذي يرضي عشاق الجمال .

عالم قلق هذا الذي نعيش فيه . ينهار فيه بناء ليقوم مكانه بناء ، ويندك فيه نظام ليحل محله نظام . والدعوات فيه متلاحقة متتابعة ، لانكار الدعوة منها تبلغ الاسماع حتى لنسخها دعوة . . هل رأيت حركة الهدم والبناء من حولك في بلد كالقاهرة - مثلا ؟ فقد تغيب شهرين عن حي من أحيائها ثم تعود لتجد عمارة شامخه أقيمت ، أو لتجد بناء مألوفا لك قد أبيد ؟ ففي كل حي ، بل في كل شارع ، بل في كل ركن هدم وبناء ، والسمة التي تسم الحركة كلها هي السرعه اللاهثه  و " الهرجله " التى لا تعبأ بشيء من ترتيب أو تنسيق . . وهكذا العالم كله الذي نعيش فيه اليوم ، ففيه الهدم والبناء ، ثم الهدم وإعادة البناء ، يتلاحقان في مثل هذه السرعة اللاهئة المحمومة ، وهذه " الهرجلة " التى

لا تجد الفراغ للروية والتاني لعلها توفق إلى شيء من ترتيب يدوم أو تنسيق يرضى .

لكن هذا العصر القلق الثائر الفائر المتغير المتحول ، هو عصرنا الذي خلقنا له لنعيش فيه ؛ فلتضرب على نفس الأوتار التي يضرب عليها سائر العازفين ؛ لتأخذنا حمى القلق التى أخذت بسائر انحاء العالم المتحضر ، ولتهتز أعصابنا بما اهتزت به أعصابه من دعوات ومذاهب ، وأفكار ونظم : ان كان عالما مدججا بسلاحه فلنأخذ في التسلح ، أو كان عالما جثما فقد فليدع الناس إلى النهم الذي لا يشبع . .

حرام يا أصحاب الاقلام أن تهدهدوا الناس بأناشيد المخادع التي تجلب النعاس ، بل اوقدوها تحت الجنوب جمرات حتى تستيقظ العيون وتأرق القلوب ، في هذا العصر القلق المضطرب اليقظان .

اشترك في نشرتنا البريدية