الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 681 الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح :, عزمات الإرادة

Share

ما أسرع وما أهون أن تسرى الفكرة الخاطئة في الناس ، فلا يستطيع بعدئذ أن يشير إلى بطلانها إلا فيلسوف كبير أو طفل صغير ! ذلك لأن الحقيقة كثيراً ما تكون واضحة ناصعة جلية ، يراها كل ذي بصر لم يعمه الهوي ، لكن إعلانها - مع ذلك - قد يحتاج إلى فيلسوف جريء أو طفل برئ !.

إن من أقاصيص " هانس أندرسن " قصة مشهورة معروفة ، خلاصتها أن حاكماً كان مولعاً بالملابس الجديدة فأقبل ذات يوم على مدينته محتالان زعما له أنهما يحسنان نسج قماش رقيق جميل ، فيه ميزة عجيبة ، وهي أنه يخفى على عيون العاجزين والبلهاء ؛ ففرح الحاكم بما سمع ، وأمرهما أن ينسجا له ثوباً من هذا القماش العجيب ، لأنه عندئذ يستطيع أن يميز في رجال حكومته بين القادر والعاجز ، وأن يعرف من ذا يكون من الناس عاقلا ومن لا يكون .

وأخذ المحتالان ما طلباه من مال ، ثم أخذا يخيطان بالأنوال نهاراً وليلا ، ليوهما الحاكم أنهما جادان في العمل ، والحقيقة أنهما لا يعملان شيئاً ؛ وبعد أيام أرسل الحاكم

وزيره إلى النساجين ليرى كم نسجا ، فأخذ هذان يلوحان بأيديهما في الفضاء ، زاعمين أنهما يشيران إلى قماش منسوج مزخرف ، ولم ير الوزير شيئا ، لكنه لم يجرؤ على إعلان ذلك حتى لا يوصم بالعجز والبلاهة ، وراح يؤيد المحتالين في جمال القماش وجودته .

وسرى نبأ القماش الجديد العجيب بين أهل المدينة ، وأعلن الحاكم أنه سيسير بين شعبه في موكب رسمى يوم يرتدى حلته الجديدة ؛ فلما حان اليوم ذهب الحاكم مع حاشيته إلى مكان النسج ، وخلع ملابسه ليرتدي الثوب الجديد ، وجعل النساجان يحركان أيديهما في الهواء كأنما يلبسانه شيئاً ؛ إنه لم ير في الهواء ثوبا ولا شبه ثوب ، لكنه لم يجرؤ على إعلان ذلك فيوصف بالبلاهة والعجز ، مع أنه صاحب جلالة وخامة ، وراح بدوره يبدى إعجابه بما لبس ، وينظر إلى نفسه في المرأة مزهواً فخوراً .

وبدأ الموكب الرسمى ، وسار الحاكم بين الناس " عاريا " إلا من أوهامه وأوهام شعبه ، فمن ذا يجرؤ على القول بأنه لا يري شيئا ؟ ... إلا طفلاً صغيراً كان يقف إلى جانب أبيه ، فصاح لأبيه قائلاً : لكن الحاكم لا يرتدي شيئاً !

فنقلها أبوه إلى جاره ، وهذا الجار إلى جاره ، حتى ساد الرأى بأن الحاكم عريان الحسد لا يرتدى شيئاً .

والطفل الذي أخرج الناس من ضلالهم حين رأى الحقيقة الواضحة ببداهته الطبيعية التي لم يفسدها له الناس بأوهامهم ، هو كالفيلسوف الذي يرى للناس رأياً واضحاً يسيراً ، فلا يكون فضله عليهم هو أنه أدرك ما لا يستطيعون إدراكه ، بل فضله هو جرأته في إعلان ما يدركه ويدركونه معه ... وأى عسر فى أن يقال إن الإنسان من حقه أن يعيش حراً في رأيه وعقيدته ؟ لكن إعلان هذا الحق قد تلكأ مئات السنين إن لم نقل ألوفها حتى يعلنه الجريء في وجه الطغاة ؛ أى عسر فى أن يقال إن الإنسان من حقه أن يأكل ما يشبعه ويكتسي بما يقيه ؟ لكن إعلان هذا الحق قد تلكأ وما يزال متلكئا .... وهكذا قل في بدائه كثيرة يراها كل إنسان ، أو يستطيع أن يراها إذا أراد ، لكنه ينتظر أول ناعق.

وهل تصدق أن الأمر قد احتاج إلى فيلسوف من أضخم الفلاسفة ليقول الناس : " أنا موجود " !؟ هل تصدق أن وجود الفرد - على بداهته - قد تلكأ إعلانه حتى جاءه فيلسوف ؟ لا ، بل إننا حتى هذه الساعة بحاجة إلى فيلسوف وفيلسوف وفلاسفة كثيرين ، ليصيحوا في الناس بأن الفرد موجود وجوداً حقيقياً ، وليس هو بالشبح أو الظل ، ولا هو مجرد اسم يكتب بالمداد على شهادة الميلاد ، أو مجرد رقم يسجل في دفاتر هذا أو دفاتر ذاك ؛ نحن إلى هذه الساعة بحاجة إلى فلاسفة كثيرين ليقولوا إن الفرد موجود وجوداً مادياً ، وإنه من لحم ودم ، وإن له بطناً يجوع و جلداً يشعر بالبرد ويرتعش ...

لكن الفكرة قد تكون واضحة ناصعة جلية ، ومع ذلك فلا يستطيع إعلانها إلا فيلسوف جرىء أو طفل برئ !

إنه ليروى عن مدام دى ستايل أنها طلبت من فيلسوف ألماني أن يلخص لها فلسفته في عشر دقائق ، فلما أجابها الفلسوف بأن ذلك مستحيل لصعوبة الفكرة وكثرة تعقيدها قالت في اعتداد : " إن ما لا استطيع فهمه في عشر دقائق لا يكون عندي جديراً بأن يفهم " - وتلك بالطبع مبالغة منها ، لكنها مبالغة تفيدنا في لفت أنظارنا إلى أن مجرد

إدراك الحقيقة النظرية ليس دائماً هو موضع الصعوبة ، بل الصعوبة في الانتقال من رؤية الحقيقة إلى إعلانها ، أو بعبارة أخرى ، الانتقال من الفكرة إلى العمل ، وفي مضاء العزم يكون الفرق بين إنسان وإنسان ، وبين أمة وأمة .

ما كان أجدر ديكارت أن يقول : " إني أريد فأنا إذاً موجود " بدل قوله : " إني أفكر فأنا إذاً موجود " لأن جوهر وجود الإنسان عمل يريده وينجزه لا فكر يديره في رأسه ؛ فالإنسان في حياته أشبه ما يكون بالتائه في جوف غابة كثيفة ، لا يدرى كيف يكون الطريق إلى الخلاء المكشوف ؛ وخير له ألف مرة أن يعقد إرادته على خطة ينفذها ، مهما طالت ؛ كأن يسير مثلا ناحية الشمال أو ناحية الجنوب بغير ذبذبة ولا تحول ، من أن يظل واقفاً في مكانه ، أو أن يدور في دائرة مغلقة ، أو أن يبدأ طريقاً لا يخطو فيه إلا خطوات قليلة ، ثم يحاول طريقا ثانياً فثالثاً ...

لقد رأيت منذ أيام قليلة مجموعة من أطفال صغار أربعة أو خمسة ، ولا أدرى ماذا أرادوا أن يصنعوا ، لكنى لاحظت أنهم لم يعرفوا كيف ينجزون ما أرادوا ، فسرعان ما اعتركوا وأخذ بعضهم يشد بعضاً من شعر رأسه أو أطراف ثوبه ، فى انفعال شديد ؛ فلم يسعنى إلا أن أرى في هؤلاء الأطفال صورة مصغرة لنا ، لكنها على كثير من دقة التصوير لحالنا ؛ فلست أعلم كم قضينا من القرون لا نعمل لأنفسنا شيئاً ؛ فلما نهضنا حديثاً وأردنا أن نعمل ، أرمج علينا ، فأخذنا انفعال الأطفال ، وما لبثنا أن اعتركنا بعضنا مع بعض شداً للشعر وجذبا لأطراف الثياب ؛ ذلك لأننا نعرف ماذا يعمل ، لكننا لا نملك الإرادة التي تنفذ ، فلا عجب ألا تجد اختلافاً بين أحزابنا على الأهداف ؛ لأن الأهداف " فكرة " لا يصعب على الطفل إدراكها ، وهل يعجز الطفل عن إدراك الفكرة البسيطة القائلة بأننا نريد أن نستتقل عن المستعمر لنكون دولة ذات سيادة كاملة ؟ الفكرة بسيطة واضحة ، بل والطريق إليها قد يكون " معروفاً " كذلك - معروفاً كفكرة ؛ ولكننا حين بدأنا نخطو نحو التنفيذ ، حل بأبداننا شلل تراكم على مر

العصور وطول القعود والركود ، فانتقلت الفاعلية من الأقدام التى تسير ، إلي الحلوق تصيح والأدرعة تلوح في الهواء وتضرب .

تنقصنا الإرادة ، والإرادة لا تكون إلا في شخص يريد . ليس هناك " إرادة " سابحة في الهواء مع السحاب ، أو " إرادة " تسكن الكهوف مع الأشباح والأرواح ؛ إنما الإرادة تراها في فرد يريد ، فقم الاْن واعمل - إنه لتعجبني هذه الأسطر الآتية في رواية " ميديا " ل " كورني " - ولنلاحظ أن " كورني " في مسرحياته قد جعل عظماءه ، هم أصحاب الإرادة التي تنفذ وتمضي في غير ضعف أو لين - فهذه " ميديا " قد زال عنها كل ما تركن إليه في حياتها ، لكنها تستحفز في نفسها العزيمة والثقة بالنفس :

الوطن ينبذك والزوج خائن فماذا بقي لك في هذه المحنة السوداء ؟ بقيت لي نفسى. نفس وحدها وفيها الكفاية .

ولا نحسبه من فعل المصادفات العابرة أن ينطق أديب فرنسى بهذه الأسطر في نفس الوقت الذي يتحدث فيه فيلسوف فرنسى بمثلها ، وذلك هو ديكارت ، الذي لم يتردد في هدم كل شئ بشكه ، وكأنما ألقى على نفسه مثل السؤال الذي ألقته " ميديا " على نفسها : هأنت ذا واقف بين ركام وأنقاض فماذا بقى لك ؟ فأجاب أيضاً بمثل ما أجابت به " ميديا " بقيت لى نفسى " فأنا موجود" .

وتلك بعينها هي وقفات الأبطال في التاريخ الإنسانى كله : الأنبياء والمصلحون وزعماء الثورات وقادة الحروب الكبرى؛ فكل من هؤلاء كان ينطق بلسان حاله ولسان أفعاله ، ينطق في وجه الظروف القائمة قائلا : هذا هو كل شئ قد فسد من حولك ، فماذا بقى لك ؟ وقد كان كل من هؤلاء يجيب لنفسه : بقيت نفسى . وما هو إلا أن يأخذ في التنفيذ والعمل ، البطل الحقيقي لا يملى عليه بل يملى ؛ ومهما صغرت الدائرة التي يفرض فيها الإنسان إملاءه وإرادته ، فهو على كل حال أوفر حياة ممن يتلقي عن غيره ؛ فلو كانت " جان دارك " رأت رؤاها وسمعت أصوات قلبها ثم وقفت عند هذا الحد ،

لما كان منها بطلة ولا شبهها ، لأن الزاعمين والزاعمات بأمثال تلك الرؤي والأصوات لا يكاد يحصرهم العد في كل جيل من كل أمة ، والناس يسلكونهم - بحق - في عداد المخرفين ؟ لكن الذى نقل " جان دارك " من هذه الدائرة الدنيا - دائرة التخريف - إلى دائرة البطولة والعظمة النادرة ، هو أنها راحت تعمل وفق أحلامها ورؤاها ؛ قالت لها الكنيسة : تعالى نحقق صدق دعواك ، فأبت أن تذعن لقضاء الكنيسة ، لأن جانب البطولة منها قد أبى عليها أن تنصت لما يقوله الآخرون .

أول خطوات الرجاء - إذاً - أن نطمئن إلى سلامة بناء الأفراد فى قوة إرادتهم وقدرتهم على العمل والإنجاز، أول خطوات الرجاء أن نبث فى كل فرد عقيدة قوية بأن الإنسان أقوى ما في الوجود ، إنه أقوى من الوجود كله ، هذا الإنسان الذي يبدو كأنه القصبة النحيلة تهزها الريح ، فى يده العصا السحرية التي تتحكم فى الطبيعة من أولها إلى آخرها ، وما عصاه السحرية هذه سوى عزيمة ماضية إلى هدفها بالعمل الدءوب .

اشترك في نشرتنا البريدية