الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح, غرور

Share

الإنسان مغرور بطبعه ، وهو كذلك عاقل بطبعه ، ومن شأن العقل أن يحد من الغرور ، فلا تكون بين الناس خصومة وقتال - لكن هذا كلام يحتاج إلى شرح وتحليل .

إن أساس السلوك كله هو أن يحتفظ الإنسان ببقاء نفسه أولا ، فهو يأكل ليبقى ، ويرتدي الثياب ليبقى ، ويسكن البيوت ليبقى ؛ وهو كذلك يخاف الله ويعبده ، ليبقى ، ويحاول الكشف عن قوانين الطبيعة ليبقي ، ويقاتل الأعداء ليبقى ؛ إنه يقيم لنفسه الحكومات ليبقي ، ويسن لنفسه التشريع ثم يجعل عليه القضاة ليبقى .

وبديهي أنه كلما ازداد الإنسان قوة ، كان أقدر على حفظ بقائه ؛ والقوة قد تكون قوة العضلات المفتولة التي تصفع ، لكنها كذلك قد تكون شيئا آخر أو أشياء :

فالفضيلة قوة ، بمعنى أنك إن سلكت السلوك الذي يعده الناس فاضلا ، وعرف الناس فيك هذه الصفة . شملوك بحمايتهم . يذودون عنك فلا تكون هدفا للمعتدين ، لا عن حب لسواد عينيك ، بل لأنهم عرفوا فيك شخصا

مأمون الجانب لا يخشى منه عدوان على ما لهم من حقوق ، ألا تسمعهم يقولون : إن حب الثناء طبيعة الإنسان ؟ ذلك لأن طبيعة الإنسان الأصيلة هي أن يحافظ على بقائه ، فإذا عرف أنه في الناس موضع ثنائهم ، عرف بالتالي أنه موضع حمايتهم ، وأنه في مأمن من شرهم .

وهل المجد بكل أنواعه وضروبه إلا أن يثني عليك الناس ويمدحوك ؟ إنك تنشد المجد لتظفر بالثناء ، ولست تريد الثناء لأن له في الأذن وقما منغما جميلا ، بل تريده لأنه دليل على أنك قد اتقيت الشر والخطر ، فضمنت بذلك البقاء لنفسك .

حتى الجمال ، تنشده المرأة لأنه لها مصدر قوة ، فمن حازت نصبيا منه ، ضمنت لنفسها البقاء بمقدار ما حازت .

إن الإنسان ليسعي ليحقق لنفسه أكبر سعادة ممكنة في ظروفه القائمة من حوله ، وأكبر السعادة هو بعينه أكبر الضمان لاستمرار البقاء : فالصحة سعادة ، والمال سعادة ، والجاه سعادة ، والبنون سعادة ، لأنها جميعا ضمانات للبقاء المستمر الآمن ؛ وإذا رأيت الناس يلتمسون ما يهيئ لهم

المتعة واللذة وبنفرون مما عساء أن يؤلم ، فما ذلك إلا لأن اللذة والألم في حقيقة أمرها إن هما إلا قوة الإنسان وضعفه : يسير الانسان نحو القوة في عافية أو مال أو جاه فيسير بنفس الخطوات نحو الشعور باللذة ، ويسير نحو الضعف في عافية أو مال أو جاه فيسير بالخطوات نفسها نحو الشعور بالألم . . لكن الانسان إذ ينشد القوة - ليضمن لنفسه البقاء - لا تراه يشبع بمقدار معين منها ، بل يمضي في السعي وراء اقتنائها قوة على قوة : فهو يريد مالا على مال ، وجاها على جاه وفتوة في الجسد فوق فتوته ؛ إنه في ذلك كله لا يريد الزيادة لذاتها . لأنه قد يعلم حق العلم أن ما لديه يكفيه ، لكنه يريد هذه الزيادة ليزداد ضمانه ببقاء هذا الذي يكفيه ، فيضمن بالتالي ألا تتعرض حياته لخطر أو فناء .

وإن كانت هذه طبيعة الإنسان . كان من طبعيته تبعا لذلك أن تشتد به الرغبة في أن يخشاه الناس ويطيعوه ! لأنه بمقدار ما يجد عندهم من خشية وطاعة ، يتحقق له ما ينشده من ضمان وجوده ؛ إن الانسان بطبعه المغرور يريد ان يكون له السبق على غيره في ميادين التنافس ، وهو يريد السبق لهذا السبب نفسه ، وهو أن يكون في موقف حسين فلا يسهل الاعتداء عليه والنيل منه ؛ إنه لا يهتم بالسبق ذاته ولذاته بل يهتم به لأنه وسيلة للغاية التى لاغاية له بعدها ، وهي أن يبقى ؛ ولذلك كثيرا جدا ما يكفيه أن يعترف له الناس بالسبق ولو لم يكن سابقا بالفعل : يكفيه أن يعترف له الناس بأنه أقوى أبناء البلد عضلا ، أو اكثرهم مالا ، أو أعزهم نفرا ، أو أغزرهم مدا ، أو أبرعهم فنا . حتى لو لم يكن كذلك في حقيقة أمره ، لأن اعتراف الناس بسبقه عليهم يصرفهم عن تناوله بالأذى . فيأمن بذلك ما يخشاه على بقائه من خطر .

فإذا كان تعريف الغرور هو أن يظن الإنسان بنفسه التفوق على الآخرين ، عرفنا في وضوح أجلي الوضوح لماذا يجيء الانسان مغرورا بطبعه ، إنه يولد وفي جبلته وهم بأنه خير من سواه ، ولذلك تراه يتصرف على هذا الأساس حتى تعلمه ظروف الحياة أنه ليس في الحقيقة كذلك - وهنا يأتي دور العقل الذي من شأنه أن يحد من الغرور ،

وكلاهما - الغرور والعقل - من طبيعة الإنسان .

فالعقل هو الآخر أداة عند الانسان يحفظ بها بقاءه ؛ وهو لا يبدأ عمله إلا إذا شط الغرور وشطح ، وأوشك أن يودي بصاحبه إلى مواضع الخطر .

وتفصيل ذلك أن الانسان متروكا على فطرته - فطرة الغابة - يأخذ في التصرف على أساس أنه سيد مسيطر ، ولابد لغيره من الناس أن يعترفوا له بما له من سيادة وسيطرة ، حتى إذا ما خرج هذا الواهم من كهفه إلى حيث الناس ، وجد أحد أمرين : فإما أن يأخذه الناس في زعمه مأخذ الجد ، فتثور في أنفسهم هم الآخرين فطرة السيادة ، ويكون بينهم وبينه قتال يُظهر الأقوي حقا وفعلا ، لا خيالا ووهما ، وإما أن يأخذه الناس في زعمه مأخذ المزاح فيهملوه . وبذلك يثور غروره فيقاتلهم حتى يتبين هنا أيضا من هو الأقوي حقا وفعلا ، لا خيالا ووهما . . ففي كلتا الحالتين يقع القتال حتى يبلو الناس بعضهم بعضا أيهم أقوي .

فماذا يكون موقف المناوب في هذا القتال ؟ موقفه هو الشعور بالدافعين معا ، فالغرور ما يزال يملى عليه استئناف القتال حتى يسترد ما كان له في وهمه من سيادة وسلطان لكن العقل - وهاهنا يبدأ عمله في حفظ البقاء - يحد من ذلك الغرور الشاطح ؟ فيسكن هذا المهزوم مكتفيا بنظرة الكراهية إلى من أنزل به الهزيمة .

لكن يستحيل على الهازم والمهزوم معا أن يعيشا حياة الأمن والطمأنينة والدعة ، لأن الهازم يريد أن يكون على أهبة الاستعداد دائما احتفاظا بنصره ، والمهزوم يظل يتربص بهازمه الدوائر . . ومن ثم - في رأي تومس عشر- تم الاتفاق بين الفريقين - الهازم والمهزوم معا - على أن يكبح كل من غروره الفطري وان يحتكم كل إلى إملاء عقله وهو فطرى أيضا ؛ ومن ثم كذلك بذرت المدنية الإنسانية أول بذورها .

هاهنا بذرت الدنيا الانسانية أول بذورها ، لأن العالم قد أخذ في جمع عقله حتى أصبح عالما يهدي بعلمه ويهتدى ، ولأن الفنان قد أخذ في خلق فنه ليستشعر المتعة ويشعرها سواء .

لكن الطبيعة المكبوتة لم تزل ، فهي هناك تحت الجلد خبيئة كامنة ، بل هي خلابة من حين إلى حين ، فترى الغرور الطبيعي قد كسر الأغلال أغلال العقل - وطفح على

صاحبه ، فأعاده منتكسا إلى الوراء حيث كان أجداده ؟ ثم يعود العقل فيكبح الغرور من جديد ، حين يدرك انه قد انزلق بصاحبه إلى مهاوي الخطر . وهكذا دواليك.

ليس الانسان متمدنا على طول الخط ، ولا هو همجي على طول الخط . بل تراه ساعة هنا وساعة هناك ، والأمر بعد ذلك متروك للحساب جمعا وطرحا ، إذا ما أردنا الموازنة بين إنسان وإنسان في مدى ما ظفر به كل منهما من مدنية : فكم ساعة لهذا هناك ، وكم ساعة لزميله ؟ ثم كم له هنا وكم لزميله ؟ ثم يعيش هذا في غروره وكم يعيش في عقله ؟ وزميله كم يعيش في هذا وفي ذاك ؟ ومن حاصل الجمع وباقي الطرح يكون لنا الحكم بين الرجلين .

يا ليت شعري لماذا يكتب الكاتب ما يكتبه إذا لم يكن في عزيمته - من قريب أو من بعيد - ان يثبت أوضاعا تعجبه ويمحو اوضاعا لا تعجبه ؟ وموضوعنا الآن هو العلاقات بين إنسان وإنسان كيف تكون في جماعة متحضرة ؟ حقيقة ينبغي أن تقوم تلك العلاقة على أساس الصفع والركل والعض وإعمال الأظفار والأنياب ؟ !

أما أنا فلا أدعو إلى ذلك ، وعندي أن العلاقة المثلي بين الناس هي أن يكون إمساك بمعروف أو تسريح بمعروف ؛ عندي أن كرامة الإنسان باعتباره إنسانا - خادما كان أو مخدوما- يجب أن تنزل منا منزلة العبادة أو نحوها ؟ ولقد كتبت في ذلك ألف مرة ومرة - وليسخر مني الساخرون ما شاءوا ، فتحت أبصار الناس ما أكتب وما يكتبون لأنني لحظت في أخلاقنا ما أنكره على الآخرون ، إذ لاحظت أن الطغيان تجري في دمائنا ، وأن مبدأنا المتأصل في طباعنا هو أن يصفع الإنسان زميله ما دام الصفع في مقدوره . ثم يجعل الصافع صفعه هنا موضع فخره ، لأنه علامة قدرته ؛ وبالطبع قد يكون الشخص الواحد عندنا صافعا حينا ومصفوعا حينا آخر ، حسب نسبته إلى من يعامله .

وليأذن لي القارئ أن أعيد له فقرة من مقالة كتبتها منذ سنوات ، كتبتها ساخرا ، وأجريتها على لسان رجل بنظر إلى أوربا فلا تعجبه أخلاقها بالقياس إلى أخلاقه هو - وأخلاقه كما رأيت قائمة على ألا يكون الإنسان زميلا لأخيه الإنسان إلا إذا تساوت بينهما القدرة على الصفع

والبطش ؛ قال المتكلم وهو ينظر إلى الجماعة الأوربية :

"في هذا الخليط (يقصد الفوضى الخلقية في أوربا) لا يؤمن الناس بأن الليل لا ينبغي له أن يسبق النهار ، ولا الشمس أن تدرك القمر ، وأن كلا في فلك يسبحون ؛ فهم يريدون لأجرام السماء كلها أن تسبح في فلك واحد ، ثم تختلف بعد ذلك أوضاعها وأشكالها ما شاءت أن تختلف ؛ وذلك الفلك الواحد عندهم هو صفة الإنسانية التي تجعل الإنسان شيئا غير الكلب والحمار ، فكن عندهم فقيرا ما شئت أو كن عندهم غنيا ما شئت ، لكنك إنسان ؛ كن عندهم جاهلا ما شئت ، أو كن عندهم عالما ما شئت ، لكنك إنسان ؛ كن عندهم ضعيفا ما شئت ، أو كن عندهم قويا ما شئت ، لكنك إنسان ؛ كن عندهم زارعا أو صانعا ، فأنت إنسان ؛ كن عندهم خادما أو مخدوما وأنت في كلتا الحالتين إنسان ؛ كأنهم جماعة من النمل لاختلف فيها نملة عن نملة ؛ وأقرن فوضاهم هذه بالنظام في جنتي ، فأحمد الله على سلامتي ؛ أرادت زوجتي في جنتى أن تستخدم خادمة :

- إسمك ماذا ؟ بثينة يا سيدتي .

لكن زوجتي كانت بثينة كذلك ، فأبي عليها حب النظام إلا أن تفرق بين الأسماء حتى لا يختلط خادم بمخدوم ، وقالت في نبرة كلها مرارة ، ونظرة تشع منها الحرارة :

- ستكونين منذ اليوم زينب ، أتفهمين ؟ - حاضر ، سيدتي .

وبثينة بالطبع لم تفهم لماذا تكون منذ اليوم زينب ، لأنها جاهلة صغيرة ، لم تفهم بعد ما الفضيلة وما الرذيلة . . "

ثم ليأذن لي القارئ مرة أخرى أن أختم هذا القال بما ختمت به ذلك المقال منذ سنوات ، إذ أجريت على لسان المتكلم شيئا قليلا من القلق ، بعد أن جعلته يرضي بكل ما عنده في جنته من نعيم ، فقال :

" لكن لكل جنة إبليسها ، وإبليس جنتي وسواس خناس ، ما ينفك يوسوس في صدري هاتفا : يا ويح نفسك ، لقد ضلت ضلالين ، ضلالا بغفلتها ، وضلالا بتضليل قادتها .

اشترك في نشرتنا البريدية