الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 688الرجوع إلى "الثقافة"

في ضوء المصباح :, نفس عارية

Share

- " لا ، إني لا أريد أن أكون سعيداً ، لا أريد اطمئنان النفس وراحة البال ، وإني لأسعي دوما إلى الشقاء والعناء والتعب ، وأبحث عن أسباب البؤس والنكد ؛ أكذب كله هذا الذي يكتبونه في الكتب ويعظون به  في المحافل عن طلب الإنسان لسعادة نفسه ؛ إنهم لا يعلمون عن النفس الإنسانية شيئاً أولئك الذين يحسبون الناس جادين في طلب السعادة وراحة البال ، ويظنونهم جادين حقا في التماس الرفاهية والخير .

" إني أريد لنفسي الألم ، وأريده للناس ؛ أريد لها ولهم أن يتعذبوا ... ومنافق أنا مع سائر المنافقين حين أدعى بهتاناً وزورا أنني كاره حقا للألم ينزل بي ، وبالناس . ويشتملني ويشتملهم جسداً وروحاً . . إنني أن أنسي أبد الدهر ذلك الطفل الذي رأيته مرة يبكي على لعبة أفسدتها له أخته ، فجاءت أمه تمسح له الدموع عن عينيه ، وترضيه بحلو كلامها ، فقال لها وهو يدفعها عنه بيديه الصغيرتين غاضباً : عني لا تمسحي دموي لأني أريد ان أبكي ولا أستطيع البكاء بغير دموع . . لن أنسي أبد الدهر ذلك الطفل الذي أصاب من حقيقة النفس الإنسانية بفطرته الشفافة ،

ما لم يصبه أصحاب الكتب والمواعظ الذين قد راهوا حتى أفسدهم الرياء ونافقوا حتى أنساهم النفاق أنهم منافقون ؛ إن الإنسان يريد أن يتألم ويبكي ، ويبحث في الخفاء عما يثير فيه ذلك الألم وهذا البكاء ، وكذب كله هذا الذي يقولونه ويكتبونه من أن الإنسان ينشد لنفسه وللناس راحة وطمأنينة وسعادة " انظر إلى هذه القطعة من الحلوي قد وضعت لى على المائدة منذ أمس ، وهممت أن آكلها مرات عدة في غضون النهار ، ثم أمسكت لأنني اثرت نفسي الحرمان . . ".

بمثل هذه الدفعة العجيبة راح صديقي يحدثنى عندما زرته فوجدته في داره وحيداً ، فلا أمه هناك ولا خادمته ؛ وكانت الدار مغلقة النوافذ ، والضوء فيها قبيل الغروب خافتاً بين الظلام والنور .

فتح لي الباب ولم يفرح للقائي كعادته ، لأنه - فيما بدا لي - قد كان يريد الوحدة ؛ بل لم يكفه أن يكون في الدار وحيداً ، فانتبذ من داره هذه الخالية ركنا أبعد ما تكون أرجاؤها عن مصادر الضوء والصوت ؟ كان في مستطاعه أن يضيء المصباح وأن يدير المذياع لكنه ثم يفعل  .

وجسلت إلى جواره فيما هو أشبه بظلام الليل منه إلى ضوء النهار ؛ لا أجرؤ على إضاءة المصباح لأني ضيفه . وليس للضيف أن يغير من أوضاع الدار التي تضيفه ، أو أن يلاحظ عليها شيئا إلا أن يكون استحساناً ومدحاً ، وظل هو إلي جانبي صامتاً يفرك يديه ، ويطقيق أصابعه ، ولم يمنعنى خفوت الضوء من رؤية شفتيه الراجفتين وعينيه البارقتين وأطرافه المختلجة .

فقلت له : لست أراك في وحدتك هذه سعيداً. فاندفع يجيبني متدفقاً بالعبارة التي أسلفت بعضها : " لا ، إني لا أريد أن أكون سعيداً . . "

وانتهزت لحظة قصيرة وقف فيها تياره الدافق . وقلت : هل لك أن تذكر لي ما حدث لك اليوم حتى أتعقب ثورتك هذه إلى أصولها ؟ وستري عندئذ أنها ثورة مؤقتة مرهونة بأسبابها ، حتى إذا مازالت الأسباب ، عاد إلى النفس هدوؤها وصفاؤها ؛ فالأصل في الإنسان أن يكون هادئاً ساكناً سعيداً ، والشذوذ أن يضطرب ويشقى .

فقاطعني قائلا : هذا حديث شاعر يسبح في أحلامه الجميلة مغمض العينين ؛ أؤلى لك أن تصيح بالرباح : أن اسكني يارياح حتى يهدأ البحر فلا يموج ، أو أن تهتف بالشمس ساعة غروب حميل أن فقي ياشمس حتى لا يغيب هنا هذا الجمال . . إن مثيرات النفس قائمة لنا في كل خطوة من الطريق وفي كل منعطف بها سر هنا فهنا ما يثيرك ، وسر هناك فهناك ما يثيرك ، وميلء نحو اليمين أو ملء نحو اليسار ، تجد مثيرات النفس تتلقفك يميناً ويساراً ، فماذا أنت صانع إذا أردت لنفسك الطمأنينة والهدوء ؟ بل ارجع إلى دارك وغلق من دونك بابها ونوافذها كما تراني أفعل الآن . وستلاحقك المثيرات ، حين تستعيد بالذا كرة مارأيت وما سمعت ، وحين تضيف إلي كل هذا الذي قد رأيته وسمعته جديداً من عندك تسر به إلى نفسك .

فسألته : ماذا تعني ؟ فقال : ألم تلحظ في نفسك كيف تنوهم بخيالك أنك تتحدث إلى فلان أو علان ، فيقول لك كذا فتقول له كيت ، ويفعل كذا فتفعل كيت ؛ وما تزالان - في خيالك - تتخاصمان بالقول وتتقاتلان بالفعل ، حتى تنظر ، فإذا أنت قد احتدمت في نفسك الثورة واشتد بك الغضب ؟

فقلت : كأنما عداوات العالم الواقع لم تكفنا فنزيدها بخيالنا عداوة ، وكأنما مثيرات الدنيا من حولنا لم تشبع نفوسنا ، فألهبناها بأوهامنا حرارة وسعيرا .

فقال - وقد هدأ بعض الشئ - نعم . لكن الخير كل الخير في أن تنكشف للناس هذه الخواطر الدفينة ، حتى يعلموا حقائق نفوسهم وما يدور فيها ؛ إنك قد تقاتل خصمك في خيالك قتالا ينتهى بك فعلا إلى غضبة حقيقية تدنفع معها إلى الأخذ بالانتقام والثار . . أليس جديرا بالناس أحياناً أن يضعوا نفوسهم عارية أمامهم لا يحجب مكنونها حجاب ، فلعل ذلك يفتح أعينهم على حقائق يجهلونها فيحورون من سلوكهم بعضهم إزاء بعض بما قد يحد من هذه الضغائن والسخائم التي يكتمونها في أنفسهم كارهين ؟ وصمت صديقي قليلا ثم قال : ولماذا لا أبدا بنفسي ؟ هذه هي نفسى أضعها أمامك عارية كما وجدتها طوال ساعات العصر - لن استحي من مكنونها وخبيثها مهما يكن خبيثاً ، فكل الناس هذا الخبيث - لكنه الرياء يستر ويختفي . . رأيت ظهر اليوم طفلا أمام الدار يلعب " بالنحلة " فيلف طرف الخيط حول نحلته الخشبية ثم يقذف بها ، فتدور النحلة في سنها فوق بلاط الإقريز دورانا شديداً ، لكن الطفل يخشى على دورانها الفتور والضعف ، فيظل يضربها بعذبة سوطه ضربا متلاحقا ، حتى تدور ولا تكف عن الدوران . وعدت إلى هنا ، فما هو إلا أن تنزو بنفسي الخواطر المثيرة ، إذ صورت نفسي فلاناً وقد قذف بى على الأرض قذف الطفل لنحلته ، وراح يلهبني بعذبات سياطه حتى أدور ولا أكف عن الدوران لنفعه هو ومتعته . ولا عليه أن أدوخ وأتعب .

إني تلك النحلة الدائرة لمتعة غيرها ، أضرب بالسياط لئلا أقف فتنقطع متعة المتمتعين - لا تقل إنه وهمك وخيالك لأنه عندئذ لا فرق بين حقيقة وخيال فانطلقت خواطري متلاحقة طوال ساعات العصر سوداء قاتمة . كأنها أسراب الغربان تحوم في الهواء سابحة متعاقبة ، ثم تدور دورتها لتعود من جديد . . انطلقت خواطري السوداء متلاحقة فلا أرى الناس إلا معذباً بعضهم بعضا - كذب ونفاق هذا الذي يكتبونه في الكتب وبعظون به في المحافل من أن الإنسان يرجو لغيره الراحة والخير ، فأنت مشاهد في كل

خطوة تخطوها وفي كل ثنية ينعرج بك الطريق فيها ، دليلا شاهداً على أن الناس يمقت بعضهم بعضا ويوقع بعضهم ببعض الضر والأذي .

وخطر لي خاطر عجيب ، وهو أن أمرق كتبا عندي تمتلئ صفحاتها بمثل هذا الكذب الذي يكتبه الكاتبون على سبيل الوعظ والتقويم ، أو لست أدري لماذا يكتبونه وهم يعلمون أنه كذب - أو لعلهم لا يعلمون .

لكن خاطر التمزيق لم يكد يطوف برأسي ، حتى اشتدت سرعة الخواطر الهدامة المشتعلة بالحقد والانتقام - رأيت نفسى حتى ينسدل ظلام الليل فأنخفي تحت ستاره وأقصد إلى دار خصمي الذي يبتسم لي رياء ، والذي تصورته يضربني بعذبة سوطه لأدور كما كان الصبي يضرب نحلته على بلاط الإفريز - أقصد إلى دار خصمي ذاك فأشعل فيها النار ثم أجري إلى التلفون القريب لأنادي رجال المطافئ . والعجيب أني استشعرت الراحة للصورتين معا : لصورة النار أشعلها انتقاما ، ولصورة الشهامة أبديها في محاولة الإنقاذ . . قلت لصديقي : ليس عليك من بأس ، فأنت خير حالاً من شيطانه دوستويفسكي لأنك هدمت وأصلحت ، أما هي . فسألني : وما شيطانة دوستويفسكي ؟

فقلت : هي " ليز " الفتاة التي أحبت " أليوشا " في قصة الإخوان كارامازوف ، ثم أخذتها هذه الدفعة الجامحة هو ارتكاب الشر و إيقاع الأذي حتي بنفسها ، فأرسلت إلي " أليوشا " - وهو الشاب المنبتل الورع - فلما سألها : ماذا تريدين ؟ قالت : أردت أن أعبر لك عن شوق شديد بنفسي ، وهو أن يتزوجي رجل قاس يعذبنى ،  يتزوجنى ليعذبني ثم يخدعني ويفر عني هاريا . إني لا أريد أن أكون سعيدة . فقال لها " إليوشا " : أتنشدين السوء ؟ فأجابته : أن نعم ، وما أنفك ، راغبة في إشعال النار في بيتي ، حيث لا يدرك الناس الخطر إلا بعد فوات الأوان فيحترق كل شئ .

قال صديقي - وقد اطمأن نفساً أن يري الناس في ذلك سواء - يظهر أن هنالك لحظات يحب الإنسان فيها ارتكاب الشر وينزع إلى الجريمة ، ليس الناس ملائكة ولا قديسين ، لكن ما الذي دفع " ليز " في قصة دوستويفسكي أن تنزع إلى هذا الشركله ؟ فقلت : لعله مرضها ، كانت كسيحة ثم برثت ، لكنها

لم تبرأ كل البرء فربما أشعلت العلة في نفسها نار الحقد والرغبة في الانتقام .

قال : انتقام ممن ؟ لقد أرادت أن تشعل النار في دارها هي ، فهي الخاسرة .

قلت : نعم ، هذا هو الإنسان وهذه هي طبيعته ، يشتد به الضيق فيشق ثيابه ويمزقها ، ويضرب رأسه في الجدار ليتورم ، بل قد يزهق نفسه بيديه . . لقد ضاقت " ليز " نفسا حتى طردت حبيبها من الدار ، وأغلقت الباب على إصبعها عامدة ، ثم أخرجت إصبعها وهو ينز بالدم من أسفل الظفر ، فراحت تتأوه من الألم وتفرح في دخيلة نفسها أن أوقعت بنفسها ذلك الألم . . إنه الإنسان وطبيعته ، يضيق نفسا فينزل الأذي بالناس وبنفسه .

هنا قام صديقي وأنار مصباحه - وكان الظلام قد اشتد سواده - وعاد إلى مكانه منبسط الجبين ، كأنما اطمأن على نفسه من شذوذ ظنه بها ، وقال : لو لم تكن " ليز " مريضة لما أحدثت شرا ولا اقترفت إثما ، فماذا أنت قائل فيمن نزل بهم المرض مضافا إليه عرى وجوع وتشريد ؟

اشترك في نشرتنا البريدية