كان من أساطير العرب أن كوكب الزهرة هو امرأة بغى تحولت نجما ، وخلاصة الأسطورة كما ذكرها " البلخى " هى ما يأتى :
" روى أن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم ، قال للملائكة : إنى جاعل فى الأرض خليفة ؛ قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ فلما خلق آدم وأظهرت ذريته فى الأرض الفساد ، قالت الملائكة : يا رب ، أهؤلاء الذين استخلفتهم فى الأرض ؟ فأمرهم الله أن يختاروا من أفاضلهم ثلاثة ينزلهم إلى الأرض ليحملوا الناس على الحق . ففعلوا قيل وجاءتهم امرأة فافتتنوا بها حتى شربوا الخمر وقتلوا النفس وسجدوا لغير الله سبحانه وتعالى ؛ وعلموا المرأة الاسم الذى كانوا يصعدون به إلى السماء ، فصعدت ، حتى إذا كانت فى السماء مسخت كوكبا ، وهى الزهرة ؛ قالوا : وخير الملكان بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختاروا عذاب الدنيا ، فهما معلقان بشعورهما فى بئر بأرض بابل ، يأتيهما السحرة فيتعلمون منهما السحر ( الأساطير العربية قبل الإسلام ، نقلا عن
كتاب ) عبقر " لصاحبه شفيق معلوف من أدباء المهجر ( .
؟ تلك هى أسطورة هاروت وماروت كما قرأتها ؛ ولا بد لنا بادئ ذى بدء أن نقضى عما فيها من خلط بين المثنى والجمع ، إذ هى تبدأ بالحديث عن ثلاثة من الملائكة أرسلوا إلى الأرض ، فتتحدث عنهم بصيغة الجمع ، ثم تعود فتتحدث عن هاروت وماروت وحدهما بصيغة المثنى ، دون أن تذكر خبرا عن زميلهما الثالث .
قرأت هذه الأسطورة فوجدتها تصور حياتنا السياسية منذ ربع قرن أو يزيد ؛ بل وجدتها تصور كثيرا جدا من جوانب الحياة إلى جانب تصويرها للحياة السياسية .
؟ فعناصر الأسطورة كما يرى القارئ هي أن تعبث ذرية آدم فى الأرض فسادا ، فيرفع الملائكة شكاتهم إلى الله ، فيختارهم الله لحكومة الأرض لعلهم يصلحون ، فما يكادون يضطربون في الشئون الأرضية حتى يتعرضوا لعوامل الإغراء ، فيفسدون ويفسدون ، ولا يكونون خيرا حالا من آدم وذريته .
وهكذا الحال فى حياتنا السياسية ؟ فكلما أرادت الظروف
لحزب سياسى أن يتولى أمورنا ، قالت الأحزاب الآخرى بلسان حالها متوجهة بشكاتها إلى ربها : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . . الخ ؟ .
ويكون الحق إلى جانب هذه الأحزاب فيما قالت ، لأن الحزب القائم على الأمر وذريته ، تظهر فيه عوامل الفساد حقا ، وتنتشر فى الأرض ألوان العبث على أيديهم ألوانا وأشكالا ؛ فلا غرابة أن تشمت الأحزاب المعارضة وأن تتوجه بسؤالها إلى الله : يا رب أهؤلاء الذين استخلفتهم في الأرض ؟ !
وهاهنا بأمر الله تلك الأحزاب المتأففة المتضجرة الغاضبة الشامتة ، والتى ترى انفسها ملائكة أطهارا انقياء إذا قيست إلى الحاكمين الفجار ؛ يامر الله تلك الأحزاب الغاضبة الشامتة أن تختار من أفاضل رجالها نفرا تلقى بين أيديهم مقاليد الحكم . لعلهم أن يكونوا الصالحين المصلحين ؛ فينزل الملائكة المختارون إلى الأرض ليحملوا الناس على الحق ، ثم لا يلبثون أن تسرى فى دمائهم الشهوات الحيوانية الملتهبة العارمة ، فتفتنهم عن أنفسهم فتنة بعيدة المدى ، لا يتورعون معها أن يسجدوا لغير الله ؛ إنهم عندئذ لايتورعون أن يسجدوا للشيطان العابث بهم وبأحلامهم ، وهو الشيطان الذى ما يزال بغوايتهم حتى يأخذ منهم كلمة السر التى يصعد بها إلى السماء حيث يلمع ويسطع كما يلمع كوكب الزهرة فى السماء . . وأما هم ، فيعلقون من شعورهم بين الأرض والسماء ، فلا إلى الناس هبطوا واضطربوا معهم فى شئون العيش الشريف ، ولا إلى السماء صعدوا ليعودوا مع الملائكة ابرارا أطهارا .
والتتمة التى لم تذكرها الأسطورة ، هى أن تعود ذرية آدم إلى مكان القيادة مرة اخرى ، وسرعان ما تنشر الفساد فى الأرض كما نشرته أول مرة ؛ وهكذا دواليك حلقة بعد بعد حلقة إلى يوم الدين .
هكذا تصور الأسطورة القديمة حياتنا السياسية الحديثة أبدع تصوير وأبرعه ؛ لكنها إلى جانب ذلك تصور كثيرا جدا من جوانب حياتنا الأخرى ، فلنا فى كل يوم من أمثال هاروت وماروت مئات ومئات ، ولنا فى كل يوم من أمثال الزهرة كذلك مئات ومئات .
وهنا يجمل بنا أن نحدد للقارئ معنى " البغى كما يجب أن نفهمه ؟ فالبغى قد يكون رجلا كما قد تكون امرأة ، والصفة الجوهرية فى البغى أن يبيع مثله العليا من أجل نفع عاجل ، وقد تكون هذه المثل العليا مبادئ خلقية تواضع عنها الناس ، أو أهدافا فكرية أو فنية اتفقت عليها كلمة العالم المتحضر كله ؛ يبيع البغى هذا كله بثمن بخس من مال أو جاه يبيع كل ما لديه من عزة وكرامة ثمنا لصعوده ؛ حتى إذا ما صعد البغى إلى منازل الكواكب المنيرة اللامعة ، لم يسأل الناس كيف كان وكيف أتيح له الصعود ومن أين جاءه النور الذي يلمع به .
وفى حياتنا العامة ، بل فى حياتنا العلمية والفنية من أمثال هؤلاء البغايا كثيرون ، كثيرون جدا ، ففى مكان الرياسة قد ترى من ليس له رأس يفكر ، وفى مكان العلماء قد تجد من لا يقوم على علمه برهان واحد من آثاره ، بل قد تصادف فى مكان الصدارة من حياتنا الأدبية من سوف لا يذكره الغد القريب بصفحة واحدة خطها قلمه . . كل هؤلاء كواكب نيرات في سمائنا ، كالزهرة اللألاءة ، كانت بغيا ثم مسخها الله كوكبا
كذلك رأيت فى الأسطورة معنى آخر ، يمس جانبا آخر من جوانب حياتنا العلمية والسياسية .
ففى الأسطورة قد فسد الملائكة عندما نزلوا إلى الأرض ؛ وتعريف الملائكة " أنهم الكائنات التى تعقل بغير أجساد ، أعنى أنهم الكائنات التى لها ما للانسان من فكر ، دون أن يكون لها ماله من بدن ؛ وسنتخذ " الأرض " هنا رمزا للحياة الدنيا بشئونها العملية ، وبخاصة شئون السياسة
وفى ضوء هذا التفسير للكلمتين ، نسأل هذا السؤال : هل يجوز لأصحاب العقل والفكر أن يشتركوا فى سياسة الجماعات اشتراكا عمليا ؟ بعبارة أخرى : هل يجوز لأصحاب الفكر النظرى أن يتولوا مقاليد الحكم !
ولهذا السؤال جوابان فأما هذه الأسطورة التى نحن اليوم بصددها ، فتجيب جوابا واضحا ، وهو أن لا ؛ لأن العقل الخالص إذا نزل إلى الأرض واضطرب فى محيط الحياة العملية انحرف عن صوابه ، وضل ضلالا بعيدا ، ذلك لأن
الحياة العملية ستضطره اضطرارا أن يميل مع " الهوى " والهوى فى الأسطورة غرام بإمرأة بغى . لكن الأهواء قد تتعدد صنوفها - وشرط الفكر الخالص ألا يميل مع الأهواء كائنة ما كانت ، فيستوحى إملاء المنطق العقلى وحده دون أن يحب أو يكره ؛ شرط المفكر أن يقف من موضوع تفكيره على الحياد التام ، فلا يبدى عاطفة هنا أو هناك ؟ فإذا تناول العالم المفكر وردة ، انقلبت الوردة فى يديه جسما يحلله إلى أجزائه كما يحلل الأوساخ والأوحال أما إن شمها فأعجبته بأريجها ، فعندئذ يصبح فتاتا ويخرج من دائرة العلماء أصحاب الفكر الخالص والعقل المحايد .
وهيهات أن تشترك فى عالم السياسة بفكرك وتظل محايدا لفكرتك فلا تحيد بدوافع العاطفة ذات اليمين مرة وذات اليسار اخرى ومن ثم كان فساد الملائكة فى هذه الأسطورة عند ما نزلوا إلى الأرض . .
لكن للسؤال جوابا آخر قاله أفلاطون منذ زمن بعيد ، فقد كتب ) الجمهورية ليقول فيما يقوله : إن الحكم ينبغى أن يكون للحكماء . أى أن تلقى مقاليد الحكومة إلى أصحاب الفكر - وهم عنده الفلاسفة - لأنهم أقدر من غيرهم على تفهم طبيعة الإنسان وقيادته ؛ فكما أنك لا تلقى بزمام السفينة إلا إلى ربان يعرف طبيعة البحر والجو ليجنب السفينة مواضع الخطر ، فكذلك سفينة الدولة . . إلى آخر ما قال .
ونحن نضع السؤال نفسه فى صيغة أضيق مجالا ، فنقول : هل يجوز لرجال الجامعة عندنا أن يشتركوا فى الحكومة ؟ ونترك للقارئ أن يختار لنفسه أحد الجوابين ؛ فأمامه ما قد أجاب به أفلاطون وما تجيب به أسطورة هاروت وماروت

