هذا موضوع يرودني كلما أقبل عيد من أعيادنا الدينية . وقد راودني بإلحاح في هذه الأيام إذ تعاقبت أعياد واحتفالات مختلفة ) عيد الأضحى ثم عيد الهجرة ثم يوم عاشوراء فضلا عن الاحتفالات بالمجمل ( في الوقت الذي كثرت فيه الاستفسارات بشكل ملحوظ عن أسباب ضعف المسرح المصري . لذلك أحببت - وعن في مستهل الموسم - أن أعاود بحوثي المسرحية بادئا به . راجيا المعونة من نقادنا الأفاضل لعلنا نصل إلي الحقيقة
من المحقق أن الأوربيين استطاعوا أن ينشئوا - خلال احتفلاتهم بأعيادهم الدينية في العصور الوسطى - مسرحا دينيا كان النواة الأولى لمسرحهم الحديث الرائع ، فهل هناك ما يمنع من أن نحذو حذوهم فيما يتصل بمسرحنا ؟ .
ربما يظن أننا نختلف عنهم باختلاف طبيعة الطقوس والتراتيل الدينية التى تطورت عندهم إلي فن تمثيلي منذ القرن الثامن الميلادي . لكن العجيب أن تلك الطقوس هي - أصلا - نفس الطقوس التى عرفها الشرق قبلهم . وكذلك التراتيل فإنها - كما يقول E.k Chambers منقولة من تراتيل أعياد كنيسة أورشليم في القرن الرابع الميلادي .
وربما يظن أيضا أننا نختلف عنهم باختلاف وجهتي نظر رجال الدين إلى الفنون التجسيدية بصفة عامة والاتمثيلية بصفة خاصة . ونحن نعلم حقا أن قساوستهم هم أنفسهم الذين كانوا أول الأمر يقومون بتمثيل تلك الطقوس في رحاب الكنيسة ذاتها . . ولكننا نعلم في نفس الوقت أنهم لم يكونوا يقصدون بهذا وجه الفن ، بل إنهم عندما أحسوا بتطور ذلك التمثيل وخروجه عن النطاق الكنسي ، سواء من حيث اللغة إذ أخذت
اللهجات العامية - أي القومية - تختلط باللاتينية ، أو من حيث السكان إذ بدأت تقام بعض الاحتفالات خارج الكنيسة ، أو من حيث الموضوع إذ اختلطت القصص الدينية ببعض قصص دنيوية . عندما أحسوا بمثل هذه التطورات التي اعتبرت فيما بعد في صالح الفن التمثيلي أصدروا قرارات مختلفة بتحريم التمثيل ، وأعلن أحد أقطابهم Robert mannyng أن مجرد مشاهدته خطيئة .
إذا لماذا نشأ عندهم - دوننا مسرح ديني
الواقع أن هذا المسرح كان وليد عدة عوامل ، من أهمها فطنتهم إلي الإمكانيات الفنية في أعيادهم الدينية في مضمون القصص المقدسة التى كانت محور تلك الأعياد . وتاريخ المسرح منذ نشأته الإغريقية يؤكد قيمته الروحية . ويدل على أن أوضاعه الفنية لا تكتمل إلا إذا كانت وثيقة الصلة مما تضمره العقيدة وتذكيه العاطفة الدينية .
ولعله من الغريب إذا اننا - بالرغم مما تلوكه الألسن عن روحانية الشرق ، وبالرغم أيضا من تشابه مغزي بعض الأعياد والقصص الدينية في الغرب والشرق جميعا - لم تفطن إلي ما ساعدتهم ظروفهم على الفطنة إليه .
ولنضرب مثلا بعيد الأضحي . فإننا إذا قارناه بشبيهه وعديله عندهم ) قصة الضحية Abraham,s Sacrifice وجدنا أننا وقفنا عند حد الانتشاء بنشوة عيدنا في حين أنهم أخرجوا قصتهم بما يفصح عن مدى قدرتهم على الإخراج الفني التمثيلي . ويتجلي ذلك في كل مقطع من مقاطع هذه التراجيدية - إن صح إطلاق هذا الاسم عليها - وفي الحوار المثير الذي يدور بين بطليها : الوالد ) إبراهام ( وولده ) إيراك أو إسحاق ( ، وفي حيرة الوالد بين الصدوع
بأمر ربه وبين الحنين إلي فلذة كبده ، وفي رضوخ الولد هذا الرضوخ المؤثر الذي تنتهي به التمثيلية : " أبي : أحقا أمرك الله بذبحي ؟ لا ريب أنك ستجد عند عودتك إخوتي الذين تحبهم . . أما أنا فسوف يتلاشي حزنك على يوما ما . أبي ! لا مناص من طاعة أمر الله . أبي الأ تخبر أمي بشئ " .
وقل مثل ذلك عن سائر القصص الدينية التي اقتبسوا منها تلك التمثيليات التى أطلق عليها أولا Litutgici Plays ثم تطورت إلي Miracie Plays ، ثم ظلت تتطور متخذة أسماء شتي وقوالب شتي إلى أن استكملت إطاراتها وأوضاعها ومضامينها الفنية
ومما يلفت النظر أنهم - منذ البداية لم يقصروا اهتمامهم على الحوار ورسم الشخصيات واستيطان مكنوناتها ، بل اهتموا ايضا بالمناظر والملابس والأداء المسرحي ، وهذه العناصر في غاية الأهمية لأنها من ضروريات التجسيد والتصوير والتعبير .
فالمناظر كانت تقام في إنجلترا مثلا علي عربات ذات طبقتين العليا منهما للتمثيل والسفلي لارتداء الملابس ، وكان يراعي في بنائها مجاراة الحوادث التي يجري مثيلها بقدر الإمكان . ففي تمثيلية ) سفينة نوح Noah,s Ark نجد المنظر يحاكي سفينة ركب في أحد طرفها أفعوان ثاغر الفم رمزا للجحيم الذي تستحقه امرأة نوح جزاء سلاطتا وشراستها واعتدائها على زوجها . وفي تمثيلية ) عيد الميلاد ( نجد أن القسيس فرانسيس في Greccio يستخدم ثورا وجحشا إمعانا في مشاكلة الموضوع للواقع . وهكذا .
وكانوا يصنعون لكل شخصية ما يناسها من الملابس . فلشخصية ) جبريل ( ملابس تنبئ بالمهابة والجلال . ولشخصية ) الشيطان ( ملابس تثير الضحك . . الخ
كذلك كانوا يضعون لتحركات الممثلين تعليمات لا يحيدون عنها ؛ من هذا القبيل ما وضعه ) إتاولد Ethaelwold راعي كنيسة ونشستر في القرن العاشر بصدد تمثيلية " القيامة " من تعليمات جاء فيها : " عندما
ترتل الفقرة الثالثة يظهر منذ بدايتها أربعة من الشهامسة . وفي وسطها يتقدم أحدهم نحو الضريح مستخفيا في هدوء حاملا في يده غصنا . . وفي نهايتها يتبعه الثلاثة الآخرون حاملين في أيديهم مباخر ذات رائحة ذكية ويخطون في تؤدة ، وكأنهم يبحثون عن شئ ما . . " .
وغني عن البيان أن ذلك كله - سواء من حيث التأليف أو الإخراج أو التمثيل - كان يجري بوسائل بدائية أول الأمر . ولكن لا جدال في أن هذه التمثيليات البدائية كانت ذات أثر جوهري في الفن المسرحي ، مما حدا بكثير من المؤرخين إلى القول بأنها هي التي خلقت الإحساس الدرامي في أوربا ، ووضعت أسس التطور المسرحي ، ومهدت للعصر الإليزايثي العظيم .
فهل لنا ونحن دائبو التساؤل عن أسباب ضعف مسرحنا أن نمارس هذه التجربة الفنية التي مارسها الأوربيون بنجاح في العصور الوسطى - ولو بجانب تجاربنا الحالية - لعلنا نصل بهذه وتلك إلي ما وصلوا إليه في عصر النهضة مثلا ؟ .

